تفسير المفردات : والفتنة : الابتلاء والاختبار، من قولهم : فتن الصائغ الذهب أو الفضة إذا عرضهما على النار ليعرف الزيف من النضار، والقبيل : الجماعة كالقبيلة، وقيل القبيلة : من كان لهم أب واحد، والقبيل أعم.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر أنه أمر سبحانه آدم وحواء بالهبوط إلى الأرض وجعل الأرض مستقر لهما، وذكر أن الشيطان عدو لهما ـ ذكر هنا أنه أنزل له ولبنيه كل ما يحتاجون إليه في دينهم ودنياهم كاللباس الذي يسترون به عوراتهم ويتخذونه للزينة واللباس الذي يستعملونه في الحرب كالمغافر والجواشن ونحوها فعليكم أن تشكروه تعالى على هذه المنن العظام، وتعبدوه وحده لا شريك له.
الإيضاح : يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة من سنن العربية تكرار النداء في مقام التذكير والوعظ : أي لا تغفلوا يا بني آدم عن أنفسكم فتمكنوا الشيطان من وسوسته لكم والتحيل في خداعكم وإيقاعكم في المعاصي، كما وسوس لأبويكم آدم وحواء فزين لهما معصية ربهما فأكلا من الشجرة التي نهاهما عنها، وكان ذلك سببا في خروجهما من الجنة التي كانا يتمتعان بنعيمها، ودخولهما في طور آخر يكابدان فيه شقاء المعيشة وهمومها.
ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما أي إنه أخرجهما من الجنة وكان سببا في نزع ما اتخذاه لباسا لهما من روق الجنة لأجل أن يريهما سوءاتهما.
وفي ذلك : إيماء إلى أنهما كانا يعيشان عريانين، لأنه ليس في الأرض ثياب تصنع، وليس هناك إلا أوراق الأشجار، وعلماء العاديات والآثار يحكمون حكما جازما بأن البشر قبل اهتدائهم إلى الصناعات كانوا يعيشون عراة، ثم اكتسوا بورق الشجر وجلود الحيوان التي يصطادونها، ولا يزال المتوحشون منهم إلى الآن يعيشون كذلك.
إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم أي إن إبليس وجنوده من شياطين الجن يرونكم ولا ترونهم، والضرر إذا جاء من حيث لا يرى كان خطره أشد، ووجوب العناية باتقائه أعظم، كما يرى ذلك في بعض الأوبئة التي ثبت وجودها في هذا العصر بالمجهر : التليسكوب، فإنها تنفذ إلى الأجسام بنقل الذباب أو البعوض أو مع الطعام أو الشراب أو الهواء، فتتوالد وتنمو بسرعة، وقد تسبب للإنسان أمراضا مستعصية العلاج كالحمى الصفراء : الملاريا، والتيفود والتيفوس والسل والسرطان إلى نحو أولئك.
وفعل جنة الشياطين في أرواح البشر كفعل هذه الجنة التي يسميها الأطباء : الميكروبات في الأجسام، فكلاهما يؤثر من حيث لا يرى فيتقى، والثانية تتقى بالأخذ بنصائح الأطباء واستعمال الوسائل العلاجية الواقية : والوقاية منها ضربان :
( ١ ) اتخاذ الأسباب التي تمنع مجيئها من الخارج كالذي تفعله الحكومات في المحاجر الصحية في الثغور ومداخل البلاد.
( ٢ ) تقوية الأبدان بالأغذية الجيدة والنظافة التامة لتقوى على مقاومة هذه الجنة والفتك بها إذا وصلت إليها، كما يتقى وصول العث إلى الصوف بمنع وصول الغبار إليه أو بوضع الدواء الذي يسمى ( النفتالين ) إذ يقتله برائحته.
والأولى تتقى أيضا بإرشاد طب الأنفس والأرواح الذي يهدي إلى الوقاية من فتك جنة الشياطين فيها بالوسوسة وتزيين الأباطيل والشرور المحرمة في هذا الطب لضررها، فمداخلها في أنفسهم وتأثيرها في خواطرهم كدخول تلك الجنة في أجسادهم وتأثيرها في أعضائهم من حيث لا ترى.
والوقاية منها ضربين :
( ١ ) بتقوية الأرواح بالإيمان بالله وصفاته وإخلاص العبادة له والتخلق بالأخلاق الكريمة وترك الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فتبتعد تلك الأرواح الشيطانية عنها ولا تستطيع القرب منها.
( ٢ ) بمعالجة هذا الوسواس بعد طروئه كما يعالج المرض بعد حدوثه بالأدوية التي تقتله وتمنع امتداده وضرره.
والخلاصة : إن هذه الجملة إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم جاءت تعليلا للنهي عن تمكين الشيطان مما يبغي من الفتنة، وتأكيدا للتحذير منه وتذكيرا بشديد عداوته وضرره ( والضرر إذا جاء من حيث لا يرى كان شديد الأثر عظيم الخطر ).
ثم زاد في التحذير من الشيطان وبين شديد عداوته للإنسان فقال :
إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون أي إن سنتنا جرت بأن يكون الشياطين الذين هم شرار الجن أولياء لشرار الإنس وهم الكفار الذين لا يؤمنون بالله تعالى وملائكته إيمان إذعان تزكو به نفوسهم، لما يبنهما من التناسب والتشاكل.
واكتساب الكفار لولاية الشياطين جاءت بسبب استعدادهم لقبول وسوستهم وإغوائهم وعدم احتراسهم من الخواطر الرديئة، كاكتساب ضعفاء البنية للأمراض باستعدادهم لها وعدم احتراسهم من أسبابها كتناول الأطعمة والأشربة الفاسدة في جو مملوء بالجراثيم القتالة بعدم تعرضه للشمس والنور والهواء المتجدد.
تفسير المراغي
المراغي