ومغزى هذه القصة كما أشرت في المناسبة: هو إرشادنا إلى ما فطرنا عليه، وإلى ما يجب علينا من شكر الله وطاعته، وتنفيذ أوامره، واجتناب معاصيه، والحذر من وساوس الشيطان.
فإذا عرفنا غرائزنا وميولنا، وعرفنا خطر عدونا وهو الشيطان، وربّينا أنفسنا على تذكر عهد الله وميثاقه بأن نعبده وحده دون سواه، ونزكي النفس بالأخلاق والآداب الحسنة ونعمل على تهذيبها، كنا سعداء الدنيا والآخرة، وأدينا رسالتنا في هذه الحياة.
توفير حوائج الدنيا لبني آدم وتحذيرهم من فتنة الشيطان
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٢٦ الى ٢٧]
يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦) يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (٢٧)
الإعراب:
وَلِباسُ التَّقْوى قرئ بالنصب عطفا على قوله: وَرِيشاً أي أنزلنا ريشا ولباس التقوى، وقرئ بالرفع لخمسة أوجه: الرفع على أنه مبتدأ ثان، وخَيْرٌ خبره، والمبتدأ الثاني وخبره خبر عن المبتدأ الأول وهو ذلِكَ. أو يكون ذلِكَ فصلا، وخَيْرٌ خبر المبتدأ، أو يكون ذلِكَ وصفا للباس التقوى، أو يكون بدلا، أو عطف بيان، كأنه قال:
ولباس التقوى المشار إليه خير. ورأى الزمخشري أنه مبتدأ، وخبره إما جملة ذلِكَ خَيْرٌ وإما المفرد وهو خَيْرٌ، وذلِكَ صفة للمبتدأ، كأنه قيل: ولباس التقوى المشار إليه خير.
يَنْزِعُ عَنْهُما.. جملة فعلية في موضع نصب حال من الضمير في أَخْرَجَ.
مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ حَيْثُ مبنية على الضم، لوجهين: إما لأنها مقطوعة عن الإضافة إلى المفرد لأنها لا تضاف إلا إلى الجمل، فنزلت منزلة بعض الكلمة، وبعض الكلمة مبني.
وإما لأنها أشبهت الحرف، والحرف مبني، فكذلك ما أشبهه.
البلاغة:
قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً مجاز مرسل، أي أنزلنا مطرا ينبت القطن والكتان، ويقيم البهائم ذات الأصواف والأوبار والأشعار.
وَلِباسُ التَّقْوى تشبيه بليغ، من إضافة المشبه به إلى المشبه، كما أضيف إلى الجوع في قوله: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ.
لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ فيه التفات عن الخطاب إلى الغيبة.
المفردات اللغوية:
قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً أي خلقناه لكم، واللباس: كل ما يلبس في السلم والحرب يُوارِي سَوْآتِكُمْ يستر عوراتكم وَرِيشاً الريش هنا والرياش: ما يتجمل به من الثياب فهو لباس الحاجة والزينة، وأكثر أهل اللغة: أن الريش: ما ستر من لباس أو معيشة. وَلِباسُ التَّقْوى أي لباس الورع والخشية من الله تعالى، بالعمل الصالح والسمت الحسن. ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ دلائل قدرته لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ أي يتذكرون فيؤمنوا.
لا يَفْتِنَنَّكُمُ لا يضلنكم، وأصل الفتنة: الابتلاء والاختبار، والمعنى: لا تتبعوا الشيطان فتفتنوا وَقَبِيلُهُ جنوده وجماعته، والقبيل كالقبيلة. مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ للطافة أجسادهم أو عدم ألوانهم إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ أعوانا وقرناء.
المناسبة:
بعد أن أمر الله تعالى آدم وحواء بالهبوط إلى الأرض، وجعل الأرض مستقرا لهما، أبان أنه تعالى أنزل كل ما يحتاجون إليه في شؤون الدين والدنيا، ومن جملتها اللباس الذي يحتاج إليه في الدين والدنيا. وذلك يقتضي شكر الله على نعمه العظيمة وعبادته بحق.
التفسير والبيان:
يمتن الله تعالى على عباده بما جعل لهم من اللباس والريش، فاللباس ستر العورات، والريش: ما يتجمل به، والأول من الضرورات، والثاني من التكملات والتحسينات.
يا بني آدم، اذكروا نعمة الله عليكم وعلى أبيكم آدم من قبل، بما وفرته لكم من حوائج الدين والدنيا كاللباس والرياش، لستر العورات، والاستمتاع بالزينة والجمال، واتقاء الحر والبر. ومعنى إنزاله من السماء: خلقه وإنتاج مادته من القطن والصوف والوبر والحرير وريش الطير وغيرها مما اقتضته الحاجة، ثم تعلم صنعته وخياطته بإلهام من الله. وهذا الامتنان بنعمة اللباس والزينة دليل على الإباحة، وهو مطابق لفطرة الإنسان بحب الزينة والتظاهر أمام الناس.
ويسن الحمد والشكر عند ارتداء الثوب الجديد،
لما رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من استجد ثوبا، فلبسه، فقال حين يبلغ ترقوته: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي، وأتجمل به في حياتي، ثم عمد إلى الثوب الخلق فتصدق به، كان في ذمة الله، وفي جوار الله، وفي كنف الله، حيا وميتا».
وروى الإمام أحمد أيضا عن علي قال:
سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول عند الكسوة: «الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس، وأواري به عورتي».
ثم فضل الله تعالى على اللباس المادي أو الحسي لباس التقوى المعنوي فقال:
وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ وهو كما قال ابن عباس: الإيمان والعمل الصالح، وقيل: هو السمت الحسن، فهذا لا شك خير لصاحبه إذا أخذ به، وأقرب له إلى الله تعالى، مما خلق من اللباس والرياش الذي يتجمل به.
ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ معناه: ذلك المذكور وهو إنزال اللباس عليهم من
آيات الله الدالة على قدرته وفضله ورحمته على عباده. لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ أي أن هذه النعم تؤهلهم لتذكر فضل الله عليهم وشكره، ومعرفة عظيم النعمة فيه، والبعد عن فتنة الشيطان، وإبداء العورات.
ثم حذر الله تعالى بني آدم من إبليس وجنوده، مبينا لهم عداوته القديمة لأبي البشر آدم عليه السلام، في سعيه في إخراجه من الجنة التي هي دار النعيم إلى دار التعب والعناء، والتسبب في هتك عورته، بعد ما كانت مستورة عنه، وما هذا إلا عن عداوة أكيدة، وهذا كقوله تعالى: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي، وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ، بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا [الكهف ١٨/ ٥٠].
كرر الله النداء لبني آدم على وفق الأسلوب العربي في مقام التذكير والوعظ، فقال: لا يَفْتِنَنَّكُمُ أي لا تغفلوا عن أنفسكم، ولا يصرفنكم الشيطان عن الدّين، كما فتن أبويكم بالإخراج من الجنة، فلا تصغوا لوسوسة الشيطان، ولا تهملوا تحصين أنفسكم بالتقوى، وصلوها دائما بذكر الله، فيترتب على فتنة الشيطان ألا تدخلوا الجنة كما فتن أبويكم ووسوس لهما، وزين لهما معصية ربهما، فأكلا من الشجرة التي نهاهما عنها، فأخرجهما من الجنة دار النعيم، وتسبب في هبوطهما إلى الأرض.
أخرجهما من الجنة، وتسبب أيضا في نزع ما اتخذاه لباسا لهما من ورق الجنة، لأجل أن يريهما سوءاتهما، واللام في لِيُرِيَهُما هي لام العاقبة أو الصيرورة، مثل اللام في لِيُبْدِيَ لَهُما.
احذروا إبليس فإنه هو وجنوده من الجن يرونكم وأنتم لا ترونهم، والضرر الناجم من العدو الذي لا يرى أخطر من العدو الظاهر المرئي.
والوقاية منه تكون بالاستعاذة بالله منه، وبتقوية الروح بالإيمان بالله والصلة به، وبمجاهدة النفس وعدم إصغائها للوساوس، ثم محاولة طردها من
النفس وتصفية آثارها منها، من طريق التزام قواعد الشرع وآدابه وأخلاقه.
ثم أكد التحذير من الشيطان، فأبان أنه تعالى جعل الشياطين أنصارا وأعوانا للكفار الذين لا يؤمنون بالله تعالى إيمانا حقا تزكوا به نفوسهم وتصلح أعمالهم، وذلك بسبب استعدادهم لقبول وسوسة الشيطان، كاستعداد ضعفاء الأجسام لتقبل الأمراض بسرعة.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت آية: يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ على وجوب ستر العورة لأنه قال: يُوارِي سَوْآتِكُمْ أي أنه تعالى جعل لذرية آدم لباسا يسترون به عوراتهم، وفيه دلالة على الأمر بالتستر. ولا خلاف بين العلماء في وجوب ستر العورة عن أعين الناس.
واختلفوا في العورة ما هي؟ فقال الظاهرية والطبري: هي من الرجل الفرج نفسه: القبل والدّبر، دون غيرهما لقوله تعالى: لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ، بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما. لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما
وفي البخاري عن أنس: «فأجرى- ركض- رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في زقاق خيبر- وفيه- ثم حسر الإزار عن فخذه، حتى إني أنظر إلى بياض فخذ نبي الله صلّى الله عليه وسلّم».
وقال مالك: السرة ليست بعورة، وأكره للرجل أن يكشف فخذه بحضرة زوجته. وحجة مالك
قوله صلّى الله عليه وسلّم لجرهد: «غطّ فخذك، فإن الفخذ عورة» خرّجه البخاري
تعليقا، وقال: حديث أنس أسند، وحديث جرهد «١» أحوط، حتى يخرج من اختلافهم، يعني أن الفخذ على الصحيح عند المالكية ليس بعورة، لأنها ظهرت من النّبي صلّى الله عليه وسلّم يوم خيبر، ولكن يكره كشفها، لحديث جرهد.
وقال أبو حنيفة: الركبة عورة.
وقال الشافعي: ليست السرة ولا الركبتان من العورة على الصحيح، لكن يجب سترهما عند الشافعية من قبيل: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وأما المرأة الحرة: فعورة كلها إلا الوجه والكفين، عند أكثر أهل العلم، بدليل قول جمهور الفقهاء: من أراد أن يتزوّج امرأة فلينظر إلى وجهها وكفّيها ولأن ذلك واجب كشفه في الإحرام.
ودلت آية أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً.. وَرِيشاً على مزيد نعمة الله تعالى بتوفير ما يحتاجه الإنسان في الدنيا، وليعينه على أمر الدين والآخرة.
لكن لباس التقوى: وهو الإيمان والعمل الصالح والسّمت الحسن في الوجه هو خير وأبقى، وأخلد وأنقى، وبه النجاة عند الله، وهو طريق القربى إلى الله عز وجل، لأن المعنى: ولباس التقوى المشار إليه، الذي علمتموه، خير لكم من لبس الثياب التي تواري سوءاتكم، ومن الرياش التي أنزلنا إليكم فالبسوه.
وقوله تعالى: يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ يدل على تحذير الناس من قبول وسوسة الشيطان لأن المقصود من ذكر قصص الأنبياء عليهم السلام حصول العبرة لمن يسمعها، فكأنه تعالى لما ذكر قصة آدم، وبيّن فيها شدة عداوة الشيطان لآدم وأولاده، أتبعها بأن حذر أولاد آدم من قبول وسوسة الشيطان بدليل تأثيره على آدم وحواء وإيقاعهما في الزلة الموجبة لإخراجهما من الجنة، فإذا أثر على آدم فكيف يكون حال آحاد الناس؟
واللباس الذي نزعه الشيطان عن آدم وحواء: هو ثياب الجنة.
وقوله تعالى: مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ يدل على أن الإنس لا يرون الجن، ويؤكده
الخبر الذي أخرجه أحمد: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي