ومن هنا يأخذ السياق في عرض مشهد الاحتضار - عند نهاية الأجل المشار إليه في نهاية الجولة الماضية :( ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) ثم مشهد الحشر والحساب. ومشهد الفصل والجزاء.. كأنها تفصيل لذلك الإجمال عن شأن المتقين والمستكبرين ؛ وتصوير لحال المتقين وحال المستكبرين ؛ بعد الأجل المعلوم. تصوير على طريقة القرآن الفريدة التي تستحضر المشهد حياً متحركاً يراه قارىء القرآن وسامعه ؛ ويشهده، بكل كينونته.
لقد عني المنهج القرآني بمشاهد القيامة.. البعث والحساب، والنعيم والعذاب.. عناية واضحة. فلم يعد ذلك العالم الذي وعده الله الناس، بعد هذا العالم الحاضر، موصوفاً فحسب، بل عاد مصوراً محسوساً، وخفقت قلوبهم تارة، واقشعرت جلودهم تارة، وسرى في نفوسهم الفزع مرة، وعاودهم الاطمئنان أخرى، ولاح لهم من بعيد لفح النار، ورفت إليهم من الجنة أنسام ! ومن ثم باتوا يعرفون ذلك العالم تمام المعرفة قبل اليوم الموعود.. والذي يراجع كلماتهم ومشاعرهم عن ذلك العالم يحس أنهم كانوا يعيشون فيه عيشة أعمق وأصدق من حياتهم في هذه الدار الدنيا ؛ وكانوا ينتقلون بحسهم كله إليه، كما ينتقل الإنسان من دار إلى دار، ومن أرض إلى أرض، في هذه الحياة المشهودة المحسوسة.. ولم يكن ذلك العالم مستقبلاً موعوداً في حسهم، وإنما كان واقعاً مشهوداً..
وربما كانت هذه المشاهد - المعروضة هنا - أطول مشاهد القيامة في القرآن، وأحفلها بالحركة، وبالمناظر المتتابعة، وبالحوار المتنوع، في حيوية فائضة يعجب الإنسان كيف تنقلها الألفاظ، حيث لا ينقلها للحس هكذا إلا المشاهدة !
وهي تجيء في السورة - كما أسلفنا - تعقيباً على قصة آدم، وخروجه من الجنة هو وزوجه بإغواء الشيطان لهما، وتحذير الله لبني آدم أن يفتنهم الشيطان كما أخرج أبويهم من الجنة، وتحذيرهم من اتباع عدوهمالقديم فيما يوحي به إليهم ويوسوس، وتهديدهم بتولية الشيطان لهم إن هم اختاروا اتباعه على اتباع ما سيرسل به الرسل إليهم من الهدى والشريعة.. ثم يأخذ في عرض مشهد الاحتضار، ومشاهد القيامة - وكأنها تالية له بلا فاصل من الزمان ! - فإذا الذي يقع فيها مصداق ما ينبىء به هؤلاء الرسل، وإذا الذين يطيعون الشيطان قد حرموا العودة إلى الجنة، وفتنوا عنها كما أخرج أبويهم منها. وإذا الذين خالفوا الشيطان فأطاعوا الله، قد ردوا إلى الجنة، ونودوا من الملأ الأعلى :( أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ).. فكأنما هي أوبة المهاجرين، وعودة المغتربين، إلى دار النعيم !
وفي هذا التناسق بين القصة السابقة والتعقيبات عليها، ومشاهد القيامة اللاحقة من مبدئها إلى منتهاها من الجمال ما فيه. فهي قصة تبدأ في الملأ الأعلى، على مشهد من الملائكة - يوم أن خلق الله آدم وزوجه وأسكنهما الجنة، فدلاهما الشيطان عن مرتبة الطاعة والعبودية الكاملة الخالصة، وأخرجهما من الجنة - وتنتهي كذلك في الملأ الأعلى على مشهد من الملائكة.. فيتصل البدء بالنهاية. ويضمان بينهما فترة الحياة الدنيا ومشهد الاحتضار في نهايتها. وهو يتسق في الوسط مع البدء والنهاية كل الاتساق.
والآن نأخذ في استعراض هذه المشاهد العجيبة :
وبهذا ينتهي ذلك المشهد الساخر الأليم، ليتبعه تقرير وتوكيد لهذا المصير الذي لن يتبدل - وذلك قبل عرض المشهد المقابل للمؤمنين في دار النعيم - :
( إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء، ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، وكذلك نجزي المجرمين. لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش، وكذلك نجزي الظالمين )..
ودونك فقف بتصورك ما تشاء أمام هذا المشهد العجيب.. مشهد الجمل تجاه ثقب الإبرة. فحين يفتح ذلك الثقب الصغير لمرور الجمل الكبير، فانتظر حينئذ - وحينئذ فقط - أن تفتح أبواب السماء لهؤلاء المكذبين، فتقبل دعاءهم أو توبتهم - وقد فات الأوان - وأن يدخلوا إلى جنات النعيم ! أما الآن، وإلى أن يلج الجمل في سم الخياط، فهم هنا في النار، التي تداركوا فيها جميعاً وتلاحقوا ؛ وتلاوموا فيها وتلاعنوا، وطلب بعضهم لبعض سوء الجزاء، ونالوا جميعاً ما طلبه الأولياء للأولياء !
( وكذلك نجزي المجرمين )..
ومن هنا يأخذ السياق في عرض مشهد الاحتضار - عند نهاية الأجل المشار إليه في نهاية الجولة الماضية :( ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) ثم مشهد الحشر والحساب. ومشهد الفصل والجزاء.. كأنها تفصيل لذلك الإجمال عن شأن المتقين والمستكبرين ؛ وتصوير لحال المتقين وحال المستكبرين ؛ بعد الأجل المعلوم. تصوير على طريقة القرآن الفريدة التي تستحضر المشهد حياً متحركاً يراه قارىء القرآن وسامعه ؛ ويشهده، بكل كينونته.
لقد عني المنهج القرآني بمشاهد القيامة.. البعث والحساب، والنعيم والعذاب.. عناية واضحة. فلم يعد ذلك العالم الذي وعده الله الناس، بعد هذا العالم الحاضر، موصوفاً فحسب، بل عاد مصوراً محسوساً، وخفقت قلوبهم تارة، واقشعرت جلودهم تارة، وسرى في نفوسهم الفزع مرة، وعاودهم الاطمئنان أخرى، ولاح لهم من بعيد لفح النار، ورفت إليهم من الجنة أنسام ! ومن ثم باتوا يعرفون ذلك العالم تمام المعرفة قبل اليوم الموعود.. والذي يراجع كلماتهم ومشاعرهم عن ذلك العالم يحس أنهم كانوا يعيشون فيه عيشة أعمق وأصدق من حياتهم في هذه الدار الدنيا ؛ وكانوا ينتقلون بحسهم كله إليه، كما ينتقل الإنسان من دار إلى دار، ومن أرض إلى أرض، في هذه الحياة المشهودة المحسوسة.. ولم يكن ذلك العالم مستقبلاً موعوداً في حسهم، وإنما كان واقعاً مشهوداً..
وربما كانت هذه المشاهد - المعروضة هنا - أطول مشاهد القيامة في القرآن، وأحفلها بالحركة، وبالمناظر المتتابعة، وبالحوار المتنوع، في حيوية فائضة يعجب الإنسان كيف تنقلها الألفاظ، حيث لا ينقلها للحس هكذا إلا المشاهدة !
وهي تجيء في السورة - كما أسلفنا - تعقيباً على قصة آدم، وخروجه من الجنة هو وزوجه بإغواء الشيطان لهما، وتحذير الله لبني آدم أن يفتنهم الشيطان كما أخرج أبويهم من الجنة، وتحذيرهم من اتباع عدوهمالقديم فيما يوحي به إليهم ويوسوس، وتهديدهم بتولية الشيطان لهم إن هم اختاروا اتباعه على اتباع ما سيرسل به الرسل إليهم من الهدى والشريعة.. ثم يأخذ في عرض مشهد الاحتضار، ومشاهد القيامة - وكأنها تالية له بلا فاصل من الزمان ! - فإذا الذي يقع فيها مصداق ما ينبىء به هؤلاء الرسل، وإذا الذين يطيعون الشيطان قد حرموا العودة إلى الجنة، وفتنوا عنها كما أخرج أبويهم منها. وإذا الذين خالفوا الشيطان فأطاعوا الله، قد ردوا إلى الجنة، ونودوا من الملأ الأعلى :( أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ).. فكأنما هي أوبة المهاجرين، وعودة المغتربين، إلى دار النعيم !
وفي هذا التناسق بين القصة السابقة والتعقيبات عليها، ومشاهد القيامة اللاحقة من مبدئها إلى منتهاها من الجمال ما فيه. فهي قصة تبدأ في الملأ الأعلى، على مشهد من الملائكة - يوم أن خلق الله آدم وزوجه وأسكنهما الجنة، فدلاهما الشيطان عن مرتبة الطاعة والعبودية الكاملة الخالصة، وأخرجهما من الجنة - وتنتهي كذلك في الملأ الأعلى على مشهد من الملائكة.. فيتصل البدء بالنهاية. ويضمان بينهما فترة الحياة الدنيا ومشهد الاحتضار في نهايتها. وهو يتسق في الوسط مع البدء والنهاية كل الاتساق.
والآن نأخذ في استعراض هذه المشاهد العجيبة :
وبهذا ينتهي ذلك المشهد الساخر الأليم، ليتبعه تقرير وتوكيد لهذا المصير الذي لن يتبدل - وذلك قبل عرض المشهد المقابل للمؤمنين في دار النعيم - :
( إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء، ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، وكذلك نجزي المجرمين. لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش، وكذلك نجزي الظالمين )..
ودونك فقف بتصورك ما تشاء أمام هذا المشهد العجيب.. مشهد الجمل تجاه ثقب الإبرة. فحين يفتح ذلك الثقب الصغير لمرور الجمل الكبير، فانتظر حينئذ - وحينئذ فقط - أن تفتح أبواب السماء لهؤلاء المكذبين، فتقبل دعاءهم أو توبتهم - وقد فات الأوان - وأن يدخلوا إلى جنات النعيم ! أما الآن، وإلى أن يلج الجمل في سم الخياط، فهم هنا في النار، التي تداركوا فيها جميعاً وتلاحقوا ؛ وتلاوموا فيها وتلاعنوا، وطلب بعضهم لبعض سوء الجزاء، ونالوا جميعاً ما طلبه الأولياء للأولياء !
( وكذلك نجزي المجرمين )..