ﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣ

ثم قال ( جل وعلا ) بعد أن ذكر ما للكفار- أتباعهم ومتبوعيهم- من عذاب النار، ومضاعفة العذاب- والعياذ بالله- قال :
[ إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها[ ( الأعراف : آية ٤٠ ) من الأتباع والمتبوعين الكفرة [ لا تفتح لهم أبواب السماء ] قرأ هذا الحرف أبو عمرو :[ لا تفتح لهم أبواب السماء ] بالتاء الفوقية مع التخفيف. وقرأه حمزة، والكسائي :[ لا تفتح لهم أبواب السماء ] وقرأه الباقون وهم ( نافع، وابن كثير، وابن عامر، وعاصم ) :[ لا تفتح لهم أبواب السماء ] ففي الكلمة الكريمة ثلاث قراءات سبعيات :[ لا يفتح لهم أبواب السماء ] وهي قراءة حمزة والكسائي. [ لا تفتح لهم أبواب السماء ] وهي قراءة أبي عمرو. [ لا تفتح لهم أبواب السماء ] وهي قراءة نافع، و وابن كثير، وعاصم، وابن عامر.
هذه القراءات الثلاث معناها واحد. [ إن الذين كذبوا بآياتنا ] وجحدوا أنها من عند الله، وتكبروا عن العمل بها من الكفار أتباعهم ومتبوعيهم قبحهم الله [ لا تفتح لهم أبواب السماء ]. في عدم فتح أبواب السماء لهم أقوال متقاربة معروفة، لا يكذب بعضا بعضا، وهي كلها حق، قال بعض العلماء :[ ولا تفتح لهم أبواب السماء ] فيرفع لهم منها عمل صالح ؛ لأن أعمالهم مردودة إلى الله، كما قال الله :[ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ]( فاطر : آية ١٠ ) والكفار ليس عندهم عمل صالح يرفع كلمهم، وليس عندهم كلم طيب، قالوا :[ لا تفتح لهم أبواب السماء ] لترفع أعمالهم الصالحة إلى الله. وقال بعض العلماء :[ لا تفتح لهم أبواب السماء ] لاستجابة دعواتهم ؛ لأن دعواتهم مردودة [ وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ]( الرعد : آية ١٤ ) وقال بعض العلماء :[ لا تفتح لهم أبواب السماء ] أي : لا تنزل إليهم البركات والرحمات من الله ( جل وعلا ) نازلة مفتحة لها أبواب السماء لكفرهم. وكل هذه الأقوال حق. وذهب جماهير من المفسرين أن معنى :[ لا تفتح لهم ] لأرواحهم عند الموت [ لا تفتح لهم أبواب السماء ] والآية تشمل هذا كله. لا تفتح لأعمالهم أبواب السماء فترفع، ولا تفتح لدعواتهم أبواب السماء لأنها غير مستجابة، ولا تفتح لهم أبواب السماء بالبركات، ولا تفتح أبواب السماء لأرواحهم إذا ماتوا. وحديث البراء المشهور المعروف عند العلماء يستدل به المفسرون على دخول القول الاخير في الاية ؛ لأن حديث البراء المذكور اخرجه ابو داود، والنسائي، وابن ماجه، والإمام أحمد، وغير واحد عن البراء : أن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم خرجوا معه في جنازة أنصاري، وجلس صلى الله عليه وسلم قبل أن يلحد الأنصاري، وأمرهم أن يستعيذوا بالله من عذاب القبر، ثم ذكر لهم حال الميت المسلم والميت الكافر، فقال صلى الله عليه وسلم ما حاصله وملخصه : إن الإنسان المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال إلى الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة بيض الوجوه، كان وجوههم الشمس، عندهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، فجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت فيجلس عند رأسه ويقول : أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، فتسيل نفسه كما تسيل القطرة من فم السقاء، فإذا سالت أخذها فلم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها ويجعلوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط، فتخرج منها ريح كأحسن ما يكون من نفحة مسك على وجه الأرض، ثم يصعدون بها إلى السماء، كلما مروا بملأ من الملائكة قالوا : ما هذه الروح الطبية ؟ قالوا : هذا فلان بن فلان. بأحسن أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا. حتى ينتهوا إلى السماء السابعة، فيقول الله ( جل وعلا ) : اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى. فترد روحه إلى جسده، ويأتيه ملكان فيقعدانه فيقولان له : من ربك ؟ فيقول : ربي الله. فيقولان : وما دينك ؟ فيقول : ديني الإسلام. فيقولان : ما هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟ فيقول : هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيقولان : وما علمك هذا ؟ فيقول : قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت. فينادي مناد من السماء : أن صدق عبدي، فافرشوا له من الجنة وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة يأتيه روحها ونعيمها. ثم إن الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال الى الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح- والمسوح : جمع مسح وهو الثوب الخلق البالي الخبيث الخشن السيئ والعياذ بالله- فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت فيجلس عند رأسه ويقول : أيتها الروح الخبيثة، اخرجي إلى سخط وغضب من الله ( جل وعلا ). فتتفرق روحه في جسده، فينزعها من جسده، كما ينزع السفود من الصوف المبلول، فإذا أخرجها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلونها في تلك المسوح، وتخرج منها ريح كأنتن جيفة وجدت على وجه الأرض، ثم يصعدون بها إلى السماء كلما مرت على ملأ من الملائكة قالوا : ما هذه الروح الخبيثة ؟ قالوا : فلان بن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يدعى بها في الدنيا، حتى ينتهوا به إلى السماء فيستفتحوا له فلا يؤذن له- والعياذ بالله- وتطرح روحه طرحا. وفي حديث البراء المذكور أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ :[ لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ]( الأعراف : آية ٤٠ ) وأنه عند طرح روحه قرأ :[ ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير ]( الحج : آية ٣١ ) وفي القراءة الأخرى [ فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق ] ثم ترد روحه إلى جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه ويسألانه ويقولان : من ربك ؟ فيقول : هاه هاه لا أدري. ما دينك ؟ فيقول : هاه هاه لا ادري. ما هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟ فيقول : هاه هاه لا ادري. فينادي مناد من السماء : أن كذب عبدي، فافرشوه من النار، وألبسوه من النار وافتحوا له بابا إلى النار. وفي بعض روايات الحديث : أنه يسلط عليه أعمى وأبكم، عنده مرزبة من حديد لو ضرب بها جبلا لبقي ترابا. يضربونه فيصرخ صرخة يسمعها كل الناس إلا الثقلين والعياذ بالله جل وعلا. وحديث البراء هذا جاءت بمثله أحاديث تدل على أن السماوات(... )( في هذا الموضع وجد انقطاع في التسجيل ).
[ ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ] التحقيق أن المراد بالجمل هنا هو البعير زوج الناقة المعروف. وعن ابن مسعود أنه سأله رجل عن الجمل هنا فاستهجن سؤاله وقال له : الجمل هو زوج الناقة. كأنه يستهجن سؤاله، وان هذا لا ينبغي أن يسأل عنه.
والمراد ب( السم ) هو الثقب. و( الخياط ) : الإبرة، والمعنى : أن الجمل- وهو البعير الكبير- لا يمكن أن تدخله من ثقب إبرة الخياطة هذه، لا يمكن أن تدخل من وسطها جملا بعظمه وتفرق قوائمه. فالجمل لا يدخل في ثقب إبرة أبدا، فهم لا يدخلون الجنة أبدا. فهذا أسلوب عربي معروف، يعلقون الشيء على ما لا يكون، فيدل على انه لا يكون، فيقولون : لا يقع كذا حتى يقع كذا. فيكون وقوع الشيء محالا، وهو أسلوب معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر :

إذا شاب الغراب أتيت أهلي وصار القار كاللبن الحليب
القار : الزفت، وهو لا يبيض أبدا، والغراب لا يشيب أبدا. ومنه قول بشر بن أبي خازم :
فرجي الخير وانتظري إيابي إذا ما القارظ العنزي آبا
والقارظان العنزيان لا يؤوبان أبدا. وهذا أسلوب عربي معروف. والتحقيق أن المراد بالجمل هنا هو الجمل المعروف من الإبل، وان العرب الذين نزل القرآن بلغتهم يضربون ( المثل )( ما بين المعقوفتين ( ) زيادة يقتضيها السياق ) في العظم بالجمل كما قال الشاعر :
......................... جسم الجمال وأحلام العصافير
وقال ( جل وعلا ) في شرر النار :[ إنها ترمي بشرر كالقصر( ٣٢ ) كأنه جمالات صفر( ٣٣ ) ]( المرسلات : الآيتان٣٣، ٣٢ ) وفي القراءة الأخرى :[ كأنه جمالات صفر ] هذا هو التحقيق، وان المعنى : أنهم لا يدخلون الجنة حتى يدخل الجمل- البعير- الضخم الكبير مع عظمه وتفرق قوائمه حتى يدخل من ثقب إبرة الخياطة، وهذا لا يكون أبدا ! ! فدخولهم الجنة لا يكون أبدا. وهذا أسلوب عربي معروف. وهذا هو التحقيق.
القراءات الكثيرة التي تروى عن السلف :[ حتى يلج الجمل ] [ حتى يلج الجمل ] [ حتى يلج الجمل ] وغيرها من القراءات كلها قراءات شاذة. ومعانيها لا يعتمد عليها ؛ لأنهم رووا عن ابن عباس أنه قرأ :[ حتى يلج الجمل في سم الخياط ] وزعموا أن المراد بالجمل هو الحبال الغليظة التي تجر بها السفينة، وأن هذه لا تدخل في عين الإبرة. فكل القراءات التي تشير إلى الجمل أو إلى الجمل، أو إلى الجمل، أو إلى الجمل، وغير ذلك من أنها حبال غليظة لا يمكن أن تدخل في الإبرة، كلها لا معول عليها، لأنها قراءات شاذة، ومعانيها غير صحيحة. والتحقيق هو قراءة الجمهور التي عليها السبعة بل والعشرة [ حتى يلج الجمل ]( الأعراف : آية ٤٠ ) أي : حتى يدخل البعير الضخم العظيم في ثقب الإبرة. وهذا لا يكون أبدا، فدخولهم لا يكون أبدا. كقول الشاعر :
إذا شاب الغراب أتيت أهلي وصار القار كاللبن الحليب
فالغراب لا يشيب أبدا، والقار :- وهو الزفت- لا يبيض أبدا، فلا آتي أبدا.
وهذا هو معنى قوله :[ حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين ] كذلك العذاب- والعياذ بالله- وإدخال النار، وتحريم الجنة [ نجزي المجرمين ] المجرمون : جمع تصحيح للمجرم، وهو فاعل الإجرام، والإجرام : ارتكاب الجريمة، والجريمة في لغة العرب : الذنب العظيم الذي يستحق صاحبه النكال، ومادته تكون رباعية وثلاثية، تقول :( أجرم ) إذا ارتكب جريمة. وتقول العرب :( جرم ) ثلاثيا، والثلاثي لم يرد في القرآن، ولم يرد في القرآن إلا بصيغة الرباعي [ إن الذين أجرموا ]( المطففين : آية ٢٩ ) [ فعلى إجرامي ]( هود : آية ٣٥ ) [ وكذلك نجزي المجرمين ] كله بصيغة الإجرام بالرباعي. أما ( جرم ) ثلاثي فهو مسموع في اللغة وغير موجود في القرآن. ومن أمثلته في اللغة قول الشاعر :
وننصر مولانا ونعلم انه كما الناس مجروم عليه وجارم
لأن ( المجروم ) مفعول و( الجارم ) فاعل، والمفعول والفاعل لا يأتيان إلا من ثلاثي كما هو معروف في فن التصريف. وهذا معنى قوله :[ وكذلك نجزي المجرمين ].
ثم قال :[ لهم من جهنم ] أي : من النار[ مهاد ] المهاد : الفراش. فراشهم من النار [ ومن فوقهم غواش ] الغواشي : جمع غاشية، والغاشية : هي اللحاف الذي يتغطى به الإنسان. معناها : لحفهم التي تغطيهم من النار، وفرشهم التي تحتهم من النار والعياذ بالله. وهذا معنى قوله :[ لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش ]( الأعراف : آية ٤١ ) ثم قال :[ كذلك نجزي الظالمين ] الواضعين العبادة في غير موضعها، كالمشركين والعياذ بالله.

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير