ومن قرأ (١) بالياء فمعناه: ولكن لا يعلم كل فريق مقدار عذاب الفريق الآخر (٢)، فيحمل الكلام على (كل)؛ لأنه وإن كان للمخاطبين فهو اسم ظاهر موضوع للغيبة فحمل على اللفظ دون المعنى (٣).
قوله تعالى: فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ، قال الضحاك: (لأنكم كفرتم كما كفرنا، فنحن وأنتم في الكفر شرع سواء، وفي العذاب أيضًا) (٤).
وقال أبو مِجْلَز (٥): (فما لكم علينا من فضل في ترك الضلال) (٦).
٤٠ - قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا.
قال أبو إسحاق: (أي: كذبوا بحججنا (٧) وأعلامنا التي تدل على نبوة الأنبياء وتوحيد الله عز وجل) (٨).
(٢) هذا قول الزجاج في "معانيه" ٢/ ٣٣٧، والنحاس في "معانيه" ٣/ ٣٣.
(٣) هذا قول أبي علي في "الحجة" ٤/ ١٧، وانظر: "معاني القراءات" ١/ ٤٠٥، و"الحجة" لابن زنجلة ص ٢٨١، و"الكشف" ١/ ٤٦٢.
(٤) ذكره بدون نسبة السمرقندي في "تفسيره" ١/ ٥٤٠، و"الثعلبي" ١٩٠ أ، والبغوي ٣/ ٢٢٨.
(٥) أبو مجلز: لاحق بن حميد بن سعيد السدوسي البصري، إمام، تابعي، ثقة.
(٦) أخرجه الطبري ٨/ ١٧٥، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٧٦ بسند جيد بلفظ: (يقول: فما فضلكم علينا، وقد بين لكم ما صنع بنا وحذرتم؟) اهـ. وذكره السيوطي في "الدر" ٣/ ١٥٤.
(٧) في (أ): (بحجتنا).
(٨) "معاني الزجاج" ٢/ ٣٣٧، وانظر: "تفسير الطبري" ٨/ ١٧٥، والسمرقندي ١/ ٥٤٠.
وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا، معنى الاستكبار (١): طلب الترفع بالباطل، وصفة مستكبر صفة ذم في جميع العباد، ومعنى وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا ترفعوا (٢) عن الإيمان بها والانقياد لأحكامها.
وقوله تعالى: لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ قرأ (٣) أكثر القراء تُفَتَّحُ بالتاء والتشديد، ووجهها قوله مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ [ص: ٥٠] فقياس مُفَتَّحَةً تُفَتَّح، وقرأ أبو عمرو تُفَتَّحُ خفيفة، وحجته قوله: فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ [الأنعام: ٤٤] فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ [القمر: ١١]، [وقرأ حمزة والكسائي يُفَتَّحُ بالياء خفيفة، لتقدم الفعل.
ومعنى: لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ] (٤) لا تصعد أعمالهم إليها (٥).
انظر: "العين" ٥/ ٣٦١، و"الجمهرة" ١/ ٣٢٧، و"تهذيب اللغة" ٤/ ٣٠٩١، و"الصحاح" ٢/ ٨٠١، و"المجمل" ٣/ ٧٧٦، و"المفردات" ص ٦٩٦، و"اللسان" ٦/ ٣٨٠٨ (كبر).
(٢) في (ب): (وقفوا).
(٣) قرأ أبو عمرو: تُفَتَّحُ بالتاء مع إسكان الفاء وتخفيف التاء الثانية، وقرأ حمزة والكسائي مثلها إلا أنه بالياء: يُفَتَّحُ، وقرأ الباقون: تُفَتَّحُ بالتاء مع فتح الفاء وتشديد التاء الثانية. انظر: "السبعة" ص ٢٨٠، و"المبسوط" ص ١٨٠، و"التذكرة" ٢/ ٤١٨ - ٤١٩، و"التيسير" ص ١١٠، و"النشر" ٢/ ٢٦٩.
(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٥) ما تقدم هو قول أبي علي في "الحجة" ٤/ ١٨ - ١٩، وانظر: "معاني القراءات" ١/ ٤٠٥، و"إعراب القراءات" ١/ ١٨٠، و"الحجة" لابن زنجلة ص ٢٨٢، و"الكشف" ١/ ٤٦٢.
قال ابن عباس: (يريد: لا تفتح لأعمالهم ولا لدعائهم ولا لشيء مما يريدون به الله) (١)، وهذا قول أكثر المفسرين (٢).
وقال السدي (٣) وغيره (٤): (لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء، وتفتح لأرواح المؤمنين).
يدل على صحة هذا التأويل ما روي في حديث طويل: "أن روح المؤمن يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال: مرحبًا بالنفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب، فيقال لها ذلك حتى تنتهي إلى السماء السابعة، ويستفتح لروح الكافر فيقال لها: ارجعي ذميمة فإنه لا يفتح لك أبواب السماء" (٥).
(٢) ومنهم الفراء في "معانيه" ١/ ٣٧٩، وأخرجه الطبري ٨/ ١٧٦، من طرق عن مجاهد وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير.
(٣) أخرجه الطبري ٨/ ١٧٥، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٧٦ بسند جيد.
(٤) أخرجه الطبري ٨/ ١٧٥، ١٧٦، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٧٦ بسند ضعيف عن الضحاك عن ابن عباس.
(٥) أخرجه ابن ماجه في "سننه" رقم (٤٢٦٢) كتاب الزهد، باب: ذكر الموت والاستعداد له، بسند جيد عن أبي هريرة، وأخرج أبو داود الطيالسي في "مسنده" ص ١٠٢ - ١٠٣، وعبد الرزاق في "المصنف" ٣/ ٥٨٠، وأحمد في "المسند" ٤/ ٢٨٧ - ٢٨٨، وأبو داود رقم (٤٧٥٣) كتاب السنة، باب: في المساءلة في القبر، والطبري ٨/ ١٧٧، والحاكم في "المستدرك" ١/ ٣٧ - ٤٠، من عدة طرق عن البراء بن عازب -رضي الله عنه- مطولًا نحوه، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين) أهـ. وله شواهد وطرق أخرى ذكرها السيوطي في "الدر" ٣/ ١٥٥، وانظر: مرويات الإِمام أحمد في "التفسير" ٢/ ١٠٦ - ١٠٧ و١٧٥ - ١٧٨، وص ٤٣٤ - ٤٣٥.
وأجمل الزجاج كل هذا فقال: (أي: لا تصعد أرواحهم ولا أعمالهم إلى السماء؛ لأن أعمال المؤمنين وأرواحهم تصعد إلى السماء) (١).
وقوله تعالى: وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ؛ الولوج معناه: الدخول، والإيلاج: الإدخال (٢)، وسئل ابن مسعود عن الجمل فقال: (الجمل: زوج الناقة) (٣).
(٢) انظر: "الجمهرة" ١/ ٤٩٣، و"تهذيب اللغة" ٤/ ٣٩٤٩، و"الصحاح" ١/ ٣٤٧، و"المجمل" ٤/ ٩٣٧، و"المفردات" ص ٨٨٢، و"اللسان" ٨/ ٤٩١٣ (ولج).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" ١/ ٢/ ٢٢٩، والطبري ٨/ ١٧٨، من عدة طرق جيدة إلا أنه مرسل؛ لأنه من طريق إبراهيم النخعي ومجاهد وهما لم يسمعا من ابن مسعود، انظر: "المراسيل" لابن أبي حاتم ص ٩ وص ٢٠٥، والأثر ذكره السيوطي في "الدر" ٥/ ١٥٧: (وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ والطبراني في "الكبير") وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٧/ ٢٣ وقال: (رواه الطبراني من طريقين ورجال أحدهما رجال الصحيح إلا أن إبراهيم النخعي لم يدرك ابن مسعود والأخرى ضعيفة) اهـ.
(والجمل) -بالفتح وتخفيف الميم-: معروف وهو زوج الناقة وهو الظاهر وقول جمهور المفسرين وذكر أثر ابن مسعود الزجاج في "معانيه" ٢/ ٣٣٨، والنحاس في "معانيه" ٣/ ٣٥ وقالا: (كأنه استجهل من سأله عما يعرفه الناس جميعًا).
وانظر: "معاني الفراء" ١/ ٣٧٩، و"تفسير السمرقندي" ١/ ٥٤٠، و"تفسير الماوردي" ٢/ ٢٢٣١.
قال الليث (١): (وإنما يستحق هذا الاسم إذا بزل) (٢).
والسم (٣): ثقب الإبرة، ويقال أيضًا: بالضم، وبه قرأ (٤) ابن سيرين، وكل ثقب في البدن لطيف فهو سم، وجمعه سموم.
وقال الفرزدق:
| فَنَفَّسْتُ عَنْ سَمَّيْهِ حَتى تَنَفَّسَا | وقُلتُ لَهُ لاَ تَخْشَ شَيْئًا وَرَائِيا (٥) |
(٢) بَزَل البعير يَبْزُل بُزُولًا فطر نابه أي: انشق وطلع. انظر: "اللسان" ١/ ٢٧٦ (بزل).
(٣) السَّمُّ -بفتح السين وضمها لغتان- قال أبو عبيدة في "مجاز القرآن" ١/ ٢١٤: (كل ثقب فهو سَمٌّ والجميع سموم) وانظر: "الجمهرة" ١/ ١٣٥، و"تهذيب اللغة" ٢/ ١٧٦١، و"الصحاح" ٥/ ١٩٥٣، و"المجمل" ٢/ ٤٥٥، و"المفردات" ص ٤٢٤، و"اللسان" ٤/ ٢١٠٢ (سمم).
(٤) ذكرها النحاس في "معانيه" ٣/ ٣٦، وابن عطية ٥/ ٥٠٣، والرازي ١٤/ ٧٦، والقرطبي ٧/ ٢٠٧، وهي قراءة جماعة منهم ابن مسعود وأبو رزين وأبو السمال وقتادة وابن محيصن وطلحة بن مصرف، انظر: "مختصر الشواذ" ص ٤٩، و"زاد المسير" ٣/ ١٩٨، و"البحر" ٤/ ٢٩٧.
(٥) ليس في "ديوانه"، وهو في "تفسير الطبري" ٨/ ١٧٨، و"الدر المصون" ٥/ ٣١٨، وصدره بلا نسبة في "تهذيب اللغة" ٢/ ١٧٦٣، و"اللسان" ٨/ ٢١٠٣ (سمم) ويعني بسميه: ثقبي أنفه، أفاده الطبري.
(٦) الخَيْط، بفتح الخاء وسكون الياء: واحد الخيوط معروف وهو السلك والخياط والمِخْيَط: الإبرة وما يخيط به.
انظر: "العين" ٤/ ٢٩٣، و"الجمهرة" ١/ ٦١١، و"تهذيب اللغة" ١/ ٩٦٤، =
كما يقال إزار ومِئْزر ولحِاف ومِلْحف وقِناع ومِقْنع) (١)
قال الزجاج: (والمعنى: لا يدخلون الجنة أبدًا) (٢).
قال ابن الأنباري: (وإنما خص الجمل من بين الحيوان بالذكر إذ كان أكثر شأنًا عند العرب من سائر الدواب، والعرب تقدمه في القوة علي سائرها من أجل أنه يوقر بحمله وهو بارك فينهض به، ولم تر العرب أعظم منها (٣) جسمًا فيما رأت من الحيوان) (٤).
وقال أهل المعاني (٥): علق الله تعالى (٦) دخولهم الجنة بولوج الجمل في سم الخياط. فكان ذلك نفيًا لدخولهم الجنة على التأبيد، وذلك أن العرب إذا علقت ما يجوز كونه بما لا يجوز كونه استحال كون (٧) ذلك الجائز الكون؛ كما يقال: لا يكون هذا حتى يَشِيبَ الغُرَاب، وحتى يَبْيَض القار (٨) وكما قال الشاعر:
(١) "معاني الفراء" ١/ ٣٧٩، ومثله ذكر الطبري ٨/ ١٧٨.
(٢) "معاني القرآن" ٢/ ٣٣٨، وهو قول عامة المفسرين. انظر: "الطبري" ٨/ ١٧٨، و"معاني النحاس" ٣/ ٣٥، والسمرقندي ١/ ٥٤٠، والماوردي ٢/ ٢٢٢.
(٣) كذا في النسخ: "منها" أي الجمال، والأولى (منه) أي الجمل.
(٤) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" ٣/ ١٩٧.
(٥) ذكره الخازن ٢/ ٢٢٩ عن بعض أهل المعاني.
(٦) لفظ: (تعالى) ساقط من (ب).
(٧) في (ب): (استحال دون).
(٨) ذكره ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" ص ١٧٧، وقولهم: (لا يكون هذا حتى يشيب الغراب ويبيض القار) يتمثل به في اليأس عن الشيء. انظر: "جمهرة الأمثال" ١/ ٣٦٣، و"المستقصى" للزمخشري ٢/ ٥٩.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي