ﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡ

لما بين ( جل وعلا ) ما اعد للكفار من العذاب الأليم، وانه يدخلهم جميعهم النار، وأنهم يلعن بعضهم بعضا- والعياذ بالله- ويطلب الأتباع زيادة مضاعفة العذاب للمتبوعين، لما بين –والعياذ بالله- ما يناله أصحاب النار من العذاب، وهم الكفرة العتاة المتمردون ؟، والذين يجاهرون بمعاصي الله- جل وعلا- لما بين ما للعصاة والكفار من الوعيد، بين ما للمطيعين المؤمنين من الوعد الكريم، وجرت العادة في القرآن أن الله يجمع بين الوعد والوعيد ؛ لأن مطامع العقلاء محصورة في أمرين هما : اجتلاب النفع، واجتناب الضر. فبين ما للمتقين من النفع يوم القيامة، وما للذين لم يتقوا من العذاب والنكال، ليكون الخوف والطمع حافزين للإنسان في دار الدنيا على طاعة الله. ومن أمثال العرب :( سوط وتمرة ) يعنون بالسوط : الشيء المؤلم الذي يخاف. وبالتمرة : الشيء الحلو الذي يرغب، وهذا كثير في القرآن- الجمع بين الوعد والوعيد- كقوله :[ *نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم( ٤٩ ) وأن عذابي هو العذاب الأليم( ٥٠ ) ]( الحجرات : الآيتان٥٠، ٤٩ ) وكقوله :[ حم( ١ ) تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم ( ٢ ) غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير( ٣ ) ]( غافر : الآيات١-٣ ) وكقوله :[ وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب ]( الرعد : آية ٦ ) والآيات بمثل ذلك كثيرة.
[ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ]( الأعراف : آية ٤٢ ) القاعدة المعروفة عند العلماء ان الإيمان إذا لم يعطف عليه العمل الصالح يشمل جميع خصال الدين من اعتقاديات وعمليات. فالإيمان على مذهب أهل السنة والجماعة قول وعمل، وإذا أفرد الإيمان شمل جميع مسائل دين الإسلام من الاعتقاد والعمل. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أن الإيمان " بضعّ- في بعض الروايات :- " وسبعون شعبة " - وفي بعضها :- " وستون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق " فسمى إماطة الذي عن الطريق إيمانا، وهو من الأعمال. وفي الحديث :" من صام رمضان إيمانا " الحديث. فسمى الصوم إيمانا. " من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا " الحديث، فسمى صلاة ليلة القدر إيمانا. [ وما كان الله ليضيع إيمانكم ]( البقرة : آية ١٤٣ ) أي : صلاتكم إلى بيت المقدس. وأمثال هذا كثيرة جدا.
أما إذا عطف العمل الصالح على الإيمان كقوله هنا :[ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ]( الأعراف : آية ٤٢ ) فإن الإيمان حينئذ ينصرف إلى ركنه الأكبر الأعظم وهو الاعتقاد القلبي، وهو إيمان القلب واعتقاده وانقياده بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبكل ما يجب الإيمان به مما بينته السنة الصحيحة والقرآن العظيم ؛ لأن العمل هنا نص عليه في قوله :[ وعملوا الصالحات ] ولو لم ينص على العمل لدخل في الإيمان ؛ لأن القلب إذا آمن إيمانا صحيحا تبعه جميع-سائر- الأعضاء ؛ لأن القلب أمير البدن، إذا توجه إلى جهة وجه إليها البدن، وفي الحديث الصحيح :" إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ".
وقوله :[ وعملوا الصالحات ] أي : آمنت قلوبهم، وظهرت آثار ذلك الإيمان في القلوب على الجوارح، فعملت الجوارح بطاعة الله جل وعلا.
وقوله :[ وعملوا الصالحات ] معناها : عملوا الفعلات الصالحات. والعمل الصالح ضابطه عند العلماء : هو ما استكمل ثلاثة أمور، فكل عمل استكملت فيه الأمور الثلاثة فهو صالح، وكل عمل اختل فيه واحد منها أو أكثر، فهو عمل غير صالح :
الأول من هذه الأمور الثلاثة : أن يكون ذلك العمل مطابقا لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الله لا يقبل التقرب إليه بغير ما شرع، فكل من تقرب إلى الله بعمل لم يشرعه الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم فعمله مردود عليه، وذلك التقرب لا يزيد من الله إلا بعدا. فلو قال جاهل مثلا : إن صلاة الصبح ركعتان، فهي قليلة، فأنا أريد أن أزيد بركعة تقربا لله. فيجعلها ثلاثا كالمغرب. فإنها تبطل وترد عليه، ويضرب بها وجهه ؛ لأنه جاء بها على غير الوجه الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم. فلا يزيد ولا ينقص، فالزيادات على ما شرعه الله بدعوى التقرب هي باطلة. مثالها عند العلماء كالورم، فهو زيادة في العين بان يكون العضو كبيرا وهو في الحقيقة نقصان ؛ لأنه ألم وفساد، فالذي ينبغي هو اتباع سنته صلى الله عليه وسلم- كما ينبغي طبق الأصل- من غير أن يزيد، وأن لا ينقص. فهذا هو الأول من الأمور الثلاثة، أن يكون مطابقا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الله يقول :[ وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ] ( الحشر : آية ٧ ) ويقول :[ من يطع الرسول فقد أطاع الله ] ( النساء : آية ٨٠ ) ويقول :[ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ]( آل عمران : آية ٣١ ).
الثاني : أن يكون ذلك العمل فيما بين العبد وربه. أي : في نية العبد الباطنة التي لا يطلع عليها إلا الله : أن يكون مخلصا ذلك العمل لله لا يشرك معه فيه غيره. فإن كان ذلك العمل- في نية العبد وباطنه الذي لا يعلمه إلا الله- غير خالص لله فليس بعمل صالح، وإنما هو عمل طالح ؛ لأن الله يقول :[ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ]( البينة : آية ٥ ) فالذي عبد الله بغير الإخلاص له جاء بما لم يؤمر به، والله يقول :[ قل إني أمرت أن اعبد الله مخلصا له الدين( ١١ ) ]( الزمر : آية ١١ ) وفي الآية الأخرى :[ مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه ] ( الزمر : آية ١٥ ).
فالأول : مطابقة الشرع في الظاهر.
والثاني : الإخلاص من العبد فيما بينه وبين الله في السر الذي لا يعلمه إلا الله.
الثالث : أن يكون ذلك العمل مبنيا على أساس الإيمان والعقيدة الصحيحة ؛ لأن العقيدة الصحيحة كالأساس، والعمل كالسقف، فإذا وجد السقف أساسا ثبت عليه، وإن لم يجد أساسا انهار، فالذي ليس عنده عقيدة صحيحة لو عمل الأعمال المطابقة، وأخلص فيها لله لا تنفعه في الآخرة ؛ لأنها لم تبن على أساس ؛ ولهذا يقول الله :[ ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ]( النساء : آية ١٢٤ ) فيشترط الإيمان بالعقيدة الصحيحة. ويقول في عمل غير المؤمن :[ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا( ٢٣ ) ]( الفرقان : آية ٢٣ ) ويقول في أعمال غير المؤمنين :[ مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد ]٥إبراهيم : آية ١٨ ) وفي آية :[ كسراب ]( النور : آية ٣٩ ) فأعمالهم باطلة- والعياذ بالله- فالكفار الذين لا عقيدة لهم ولا إيمان بالعقيدة الصحيحة قد يعملون أعمالا صالحة يريدون بها وجه الله، كأن يبر الواحد والديه، وينفس عن المكروب، ويقري الضيف ويعين المظلوم، فهذه اعمال صالحة أخلص فيها لله ولكنها لا تنفعه يوم القيامة ؛ لأنها لم تبن على أساس عقيدة صحيحة، وإيمان بما يجب الإيمان به في الكتاب والسنة، لكن أعمال الكفار إن وقعت في الدنيا صالحة مطابقة للشرع مخلصون فيها يثيبهم الله بها في دار الدنيا ؛ لأن الله لا يضيع عنده شيء، كما قال جل وعلا :[ من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها/ أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون( ١٦ ) ]( هود : الآيتان١٦، ١٥ ) وثبت في صحيح مسلم من حديث أنس أن الله ( جل وعلا ) يطعم الكافر بحسناته في الدنيا حتى يرد على الله يوم القيامة ولا جزاء له. وهو أحد التفسيرين في قوله ( جل وعلا ) :[ ووجد الله عنده فوفاه حسابه ]( النور : آية ٣٩ ) فأحد التفسيرين : فوفاه حسابه في دار الدنيا، يعني عمل الكافر بالعافية والمال والرزق والتنعم في الدنيا على احد القولين كما سيأتي.
فحيث اجتمعت هذه الأمور الثلاثة- بان كان العمل مطابقا للشرع، وصاحبه مخلص فيه فيما بينه وبين الله، وكان صاحبه بانيه على عقيدة صحيحة- فهذا عمل صالح ينفعه يوم القيامة، وهو الذي وعد الله أهله بالجنة في هذه الآية التي نحن بصددها وغيرها من الآيات، وحيث اختل أحد تلك الأمور الثلاثة لم يكن عملا صالحا كما بينا.
وقوله :[ الصالحات ]( الأعراف : آية ٤٢ ) أصله يستشكل طالب العلم : ما مفرد الصالحات ؟ لأن العمل الصالح لا يجمع على صالحات. وإذا فما مفرد الصالحات ؟.
والتحقيق أن مفرد الصالحات : صالحة ؛ لأن العرب تسمي الخصلة الطيبة : حسنة، وتسميها : صالحة. وهذا معروف في كلامهم، تقول مثلا : فعل فلان حسنة، وفعل صالحة. كما قال تعالى :[ من جاء بالحسنة ]( الأنعام : آية ١٦٠ ) أي : بالخصلة الحسنة، وكذلك من فعل الصالحة كالحسنة، أي : هي الخصلة الطيبة التي ترضي الله. وهذا معروف في كلام العرب. ومن إطلاق الصالحة على الخصلة الطيبة : قول أبي العاص بن الربيع في زوجه زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أبياته المشهورة :

ذكرت زينب بالأجزاع من إضما فقلت سقيا لشخص يسكن الحرما
بنت الأمين جزاك الله صالحة وكل بعل سيثني بالذي علما
فقوله :" صالحة أي : خصلة حسنة. ومنه بهذا المعنى قول الحطيئة :
كيف الهجاء ولا تنفك صالحة من آلام لأم بظهر الغيب تأتيني
يمدح بني لأم من الطائيين يقول :
كيف الهجاء ولا تنفك صالحة.................................
أي : فعلة صالحة طيبة
........................... من آلام لأم بظهر الغيب تأتيني
وسئل أعرابي فقيل له : ما الحب ؟ فقال :
الحب مشغلة عن كل صالحة وسكرة الحب تنفي سكرة الوسن
وقوله :" عن كل صالحة " أي : كل خصلة طيبة. فمعنى [ وعملوا الصالحات ]( الأعراف : آية ٤٢ ) فعلوا في دار الدنيا الفعلات- الخصلات- الطيبات من كونها مطابقة للشرع، وكون فاعلها مخلصا فيها لله، مبنية على عقيدة صحيحة، وإيمان صحيح بالله وبرسله، وبكل ما يجب الإيمان به.
وقوله :[ لا نكلف نفسا إلا وسعها ]( الأعراف : آية ٤٢ ) جملة اعتراضية بين المبتدأ وخبره، واعتراضها هنا من ألطف شيء ؛ لأن الله لما بين أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يدخلون الجنة كأنه قال : والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة، هم فيها خالدون. فكأن الإنسان يخطر في ذهنه أولا : الجنة مع عظمها وما فيها من الملاذ والكرامات لا يمكن أن يستحقها أحد إلا بعد تعب هائل، وعناء شديد عظيم طويل، فبين الله انه في هذه الشريعة السمحة، التي جاء بها هذا النبي الكريم، أن الجنة تنال- مع عظم قدرها، وما فيها من اللذات والكرامة، وجميع الخيرات- بعمل سهل، لا مشقة فيه، ولا عناء ولا تعبا شديدا فيه ؛ ولذا قال قبل أن يأتي بالخبر الذي هو :[ أولئك أصحاب الجنة ]( الأعراف : آية ٤٢ ) قال :[ لا نكلف نفسا إلا وسعها[ اعلموا أن جنتي التي بينت لكم ما فيها من الخير، وما فيها من النعيم، والحور، والولدان، والجنان، والأشجار المثمرة، والغرف العالية، وانهار العسل، والماء واللبن، وغير ذلك، والنساء الحسان، وغير ذلك من اللذات والمكارم ونضرة النعيم والخلود الذي لا يزول، الذي لا يداخله سقم ألبتة، ولا هرم ولا مرض. اعلموا أن هذه الجنة التي هي بهذه المثابة من العظم، وعلو الأمر، وارتفاع الشأن، أني أدخلكم إياها عمل ليس بالصعب، ولا بالشديد، لا يستلزم المشقة القادحة

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير