ﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡ

والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون( ٤٢ ) ونزعنا ما في صدورهم من غل١ تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون( ٤٣ ) ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن٢ بينهم أن لعنة الله على الظالمين( ٤٤ )الذين يصدون٣ عن سبيل الله ويبغونها عوجا٤ وهم بالآخرة كافرون( ٤٥ ) .
الآيات استمرار للسياق كذلك كما هو المتبادر وهي بسبيل بيان المصير السعيد الذي يصير إليه المؤمنون الصالحون مقابلة لما سبق بيانه من مصير الكافرين والمستكبرين، وعبارتها واضحة لا تحتاج إلى بيان آخر.
وأسلوب الآيات قوي مشوق من شأنه بث الطمأنينة في نفوس المؤمنين الصالحين كما هو واضح ومن واجب الإيمان بما أخبر به القرآن من الحواريين أصحاب الجنة وأصحاب النار فإنه كما هو المتبادر متصل بهذا الهدف من جهة، وفيه إنذار بالمناسبة للكفار وبخاصة لزعمائهم الظالمين الباغين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا من جهة أخرى.
وما حكي في الآيات عن لسان المؤمنين في جملة الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله مفسر كما هو ظاهر في جملة لقد جاءت رسل ربنا بالحق حيث تبين أن ذلك هو ما جاء به رسل الله من بيانات وشرائع وتلقينات. وهذا متسق مع تقريرات القرآن العامة في حكمة إرسال الرسل لبيان ما لا يمكن معرفته بالعقل وحده من رسوم وحدود وحكم ربانية متنوعة. وقد جاءت الآيات مطلقة لتكون عامة الشمول والتقرير والبشرى والإنذار والتلقين كما هو المتبادر.
ولقد أورد مؤلف التاج في كتاب التفسير في سياق الآية [ ٤٣ ] حديثا رواه مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( ينادي مناد : إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبتئسوا أبدا ) فذلك قول الله عز وجل :( ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون }١. وفي الحديث من البشرى والتطمين للمؤمنين ما يتساوق من ذلك في الآيات كما هو واضح.
ولقد أورد ابن كثير في سياق جملة ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( واعلموا أن أحدكم لن يدخله عمله الجنة. قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل ). ولقد روى هذا الحديث الشيخان والنسائي عن أبي هريرة بهذه الصيغة :( قال النبي صلى الله عليه وسلم : قاربوا وسددوا، واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله قالوا : يا رسول الله ولا أنت ؟ قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل. وفي رواية : لا يدخل أحدا منكم عمله الجنة ولا يجيره من النار ولا أنا إلا برحمة الله )٢.
وإزاء الصراحة القطعية في الآية ليس من بد من حمل الحديث على قصد تنبيه المؤمنين إلى عدم إنهاك أنفسهم بما لا يطيقونه من الأعمال الصالحة ويكفي منهم ما يطيقونه. وهو ما ينطوي في أول الحديث حين التمعن فيه. وهناك حديث صحيح آخر قد يؤيد هذا التوجيه رواه البخاري عن أبي هريرة قال :( قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة )٣. والله تعالى أعلم.
تعليق على مدى جملة
لا نكلف نفسا إلا وسعها
وهذه الجملة وإن كانت في مقامها هي بسبيل تقرير كون الله تعالى لا يكلف الذين آمنوا وعملوا الصالحات إلا ما في وسعهم من ذلك، فإنها في إطلاقها تتضمن مبدأ من أمهات المبادئ القرآنية الذي تكرر تقريره بأساليب متنوعة وهو أن الله سبحانه وتعالى لا يكلف الناس إلا وسعهم. وهذا المعنى يتناول حدين أو معنيين :
الأول : أن ما يكلفه الله الناس هو ما يعرف أنه في نطاق قدرتهم ووسعهم أن يفعلوه.
والثاني : أن الله لا يطلب من الناس أن يتجشموا ما لا طاقة لهم به في سبيل القيام بما يكلفون به.
والوسع يتناول فيما يتناول عدم التعارض مع القابليات والإمكانيات وعدم التعرض للأخطار والأضرار. فالمسلمون حسب هذا المبدأ ليسوا مكلفين بما ليس في إمكانهم وقابليتهم الجسدية والنفسية والمالية ولا بما يكون فيه تعريض حياتهم للخطر والتهلكة والحرمان سواء أكان ذلك بسبيل الواجبات والتكاليف التعبدية أم غير التعبدية. وإنما يطلب ذلك منهم في نطاق الطاقة وحدود الإمكان والمعقول.
وهذا المبدأ يتسق مع طبيعة الأشياء ووقائع الأمور. ولعله من أعظم المبادئ التي ترشح المبادئ القرآنية للخلود والتطبيق في كل زمن ومكان. وقد تكرر تقريره كما قلنا بأساليب متنوعة مما ينطوي فيه حكمة التنزيل ؛ ومن الأمثلة على ذلك إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم ٤ [ البقرة : ١٧٣ ] و لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا ورحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين [ البقرة : ٢٨٦ ]. و ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج [ المائدة : ٦ ] و لا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها.. [ الأنعام : ١٥٢ ] و فاتقوا الله ما استطعتم... [ التغابن : ١٦ ] و لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها.. [ الطلاق : ٧ ] ولقد روي في سياق آية البقرة [ ٢٨٦ ] التي أوردناها آنفا حديث رواه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة قال :( لما نزلت لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير [ البقرة : ٢٨٤ ] اشتد ذلك على أصحاب النبي، فأتوه وبركوا على الركب وقالوا : أي رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها. فقال رسول الله : أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم : سمعنا وعصينا. بل قولوا : سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، قالها مرتين. فلما اقترأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في إثرها آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير [ البقرة : ٢٨٥ ] فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا [ البقرة : ٢٨٦ ] قال نعم ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا [ البقرة : ٢٨٦ ] قال : نعم ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به [ البقرة : ٢٨٦ ] قال نعم : واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين [ البقرة : ٢٨٦ ] قال : نعم )٥. حيث يفيد الحديث أن الله تعالى علم المؤمنين هذا الدعاء وآذنهم أنه قد استجاب دعاءهم. فقوي المبدأ القرآني قوة وإحكاما.
ولقد رويت أحاديث نبوية صحيحة متساوقة في تلقينها مع التلقين القرآني الذي تضمنته الآيات التي أوردناها وأمثالها. من ذلك حديث رواه مسلم والترمذي وأبو دود والنسائي عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان )٦. وحديث رواه مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به )٧. وحديث رواه الشيخان والترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم )٨. وحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن عائشة قالت :( إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة فقال : من هذه ؟ قالت : فلانة تذكر من صلاتها. قال : مه. عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا، وكان أحب الدين إلى الله ما داوم عليه صاحبه )٩. وحديث رواه الشيخان عن عبد الله بن عمرو قال :( قال لي النبي صلى الله عليه وسلم ألم أخبر أنك تقوم الليل وتصوم النهار ؟ قلت : إني أفعل ذلك. قال : فإنك إذا فعلت ذلك هجمت عينك ونفهت نفسك، وإن لنفسك حق ولأهلك حق فصم وأفطر وثم ونم )١٠. وحديث رواه البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة )١١. وحديث رواه الشيخان والترمذي عن عائشة قالت :( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي العمل أحب إلى الله ؟ قال : أدومه وإن قل )١٢. وحديث رواه الخمسة عن ابن عمر قال :( كنا نبايع رسول الله على السمع والطاعة ويلقننا فيما استطعتم )١٣. وحديث رواه النسائي والترمذي عن أميمة بنت رقيقة قالت :( كنا نبايع رسول الله على أن لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيك في معروف. فقال : فيما استطعتن واطقتن فقلنا : الله ورسوله أرحم بنا )١٤. وحديث رواه ابن ماجه عن ابن عباس قال :( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله قد وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه )١٥.

٤ - مثل هذه الآية أو قريبا منها جاء في سورة الأنعام والمائدة والنحل..
٥ التاج جـ ٤ ص ٦٢-٦٤..
٦ -التاج جـ١ ص ٢٤..
٧ - المصدر نفسه ص ٢٨ و ٣٧ و ٤٢..
٨ - المصدر نفسه..
٩ - المصدر نفسه..
١٠ - المصدر نفسه، نفهت: أي سئمت وكلت. اسم إن ضمير الشأن وجملة لنفسك حق خبرها..
١١ - المصدر نفسه..
١٢ - المصدر السابق نفسه..
١٣ - التاج جـ٣ ص ٣٨ و ٣٩..
١٤ - المصدر نفسه..
١٥ - التاج جـ١ ص ٢٩..

والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون( ٤٢ ) ونزعنا ما في صدورهم من غل١ تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون( ٤٣ ) ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن٢ بينهم أن لعنة الله على الظالمين( ٤٤ )الذين يصدون٣ عن سبيل الله ويبغونها عوجا٤ وهم بالآخرة كافرون( ٤٥ ) .
الآيات استمرار للسياق كذلك كما هو المتبادر وهي بسبيل بيان المصير السعيد الذي يصير إليه المؤمنون الصالحون مقابلة لما سبق بيانه من مصير الكافرين والمستكبرين، وعبارتها واضحة لا تحتاج إلى بيان آخر.
وأسلوب الآيات قوي مشوق من شأنه بث الطمأنينة في نفوس المؤمنين الصالحين كما هو واضح ومن واجب الإيمان بما أخبر به القرآن من الحواريين أصحاب الجنة وأصحاب النار فإنه كما هو المتبادر متصل بهذا الهدف من جهة، وفيه إنذار بالمناسبة للكفار وبخاصة لزعمائهم الظالمين الباغين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا من جهة أخرى.
وما حكي في الآيات عن لسان المؤمنين في جملة الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله مفسر كما هو ظاهر في جملة لقد جاءت رسل ربنا بالحق حيث تبين أن ذلك هو ما جاء به رسل الله من بيانات وشرائع وتلقينات. وهذا متسق مع تقريرات القرآن العامة في حكمة إرسال الرسل لبيان ما لا يمكن معرفته بالعقل وحده من رسوم وحدود وحكم ربانية متنوعة. وقد جاءت الآيات مطلقة لتكون عامة الشمول والتقرير والبشرى والإنذار والتلقين كما هو المتبادر.
ولقد أورد مؤلف التاج في كتاب التفسير في سياق الآية [ ٤٣ ] حديثا رواه مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( ينادي مناد : إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبتئسوا أبدا ) فذلك قول الله عز وجل :( ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون }١. وفي الحديث من البشرى والتطمين للمؤمنين ما يتساوق من ذلك في الآيات كما هو واضح.
ولقد أورد ابن كثير في سياق جملة ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( واعلموا أن أحدكم لن يدخله عمله الجنة. قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل ). ولقد روى هذا الحديث الشيخان والنسائي عن أبي هريرة بهذه الصيغة :( قال النبي صلى الله عليه وسلم : قاربوا وسددوا، واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله قالوا : يا رسول الله ولا أنت ؟ قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل. وفي رواية : لا يدخل أحدا منكم عمله الجنة ولا يجيره من النار ولا أنا إلا برحمة الله )٢.
وإزاء الصراحة القطعية في الآية ليس من بد من حمل الحديث على قصد تنبيه المؤمنين إلى عدم إنهاك أنفسهم بما لا يطيقونه من الأعمال الصالحة ويكفي منهم ما يطيقونه. وهو ما ينطوي في أول الحديث حين التمعن فيه. وهناك حديث صحيح آخر قد يؤيد هذا التوجيه رواه البخاري عن أبي هريرة قال :( قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة )٣. والله تعالى أعلم.

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير