٤- عذاب النّار يحيط بالكافرين من كلّ جانب، فلا يجدون فيها منفذا للخروج منها، أو التّخفيف من العذاب، فلهم منها غطاء ووطاء، وفراش ولحاف.
٥- المجرمون: هم الكافرون لأن الذين تقدّمت صفتهم هم المكذبون بآيات الله، المستكبرون عنها. والظالمون أيضا: هم الكافرون لأنهم الذين أشركوا بالله واتّخذوا من دونه إلها.
جزاء المؤمنين المتقين
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٤٢ الى ٤٣]
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٤٢) وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَأَنْ هَدانَا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)
الإعراب:
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ... الَّذِينَ آمَنُوا مبتدأ، وخبره: أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ. ولا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها اعتراض وقع بين المبتدأ وخبره. ويجوز أن يكون التقدير فيه: لا نكلف نفسا منهم، فحذف «منهم» كقوله تعالى: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ، إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [الشورى ٤٢/ ٤٣] أي إن ذلك الصبر منه، أي من الصابر. وقال الرازي: إنما حسن وقوع هذا الكلام المعترض بين المبتدأ والخبر، لأنه من جنس الكلام لأنه لما ذكر عملهم الصالح، ذكر أن ذلك العمل في وسعهم.
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ تَجْرِي جملة فعلية حال من الضمير صُدُورِهِمْ في صُدُورِهِمْ.
أَنْ هَدانَا اللَّهُ: أن وصلتها: في موضع رفع بالابتداء، والخبر محذوف، أي: لولا
هداية الله موجودة، لهلكنا أو شقينا. ولا يجوز إظهار خبر المبتدأ بعد: لطول الكلام بها، كما لا يجوز إظهاره بعد القسم في قوله تعالى: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [الحجر ١٥/ ٧٢] أي لعمرك قسمي، فلا يجوز إظهار الخبر لطول الكلام بجواب القسم.
أَنْ تِلْكُمُ أن مخففة من الثقيلة تقديره: ونودوا بأنه تلكم الجنة، والضمير ضمير الشأن، أو مفسرة، أي معنى تفسير النداء، والمعنى: ونودوا، أي تلكم الجنة، وهو الأجود عند الرازي.
المفردات اللغوية:
وُسْعَها طاقتها من العمل في الأحوال العادية، لا في وقت الشدة والضيق.
وَنَزَعْنا قلعنا. غِلٍّ حقد أو حسد وعداوة كان بينهم في الدنيا. تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ تحت قصورهم. وَقالُوا عند الاستقرار في منازلهم. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا أي وفقنا لموجب هذا الفوز العظيم، وهو الإيمان والعمل الصالح. وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ اللام لتوكيد النفي، يعنون: وما كان يستقيم أن نكون مهتدين، لولا هداية الله وتوفيقه.
لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فكان لنا لطفا وتنبيها على الاهتداء، فاهتدينا، يقولون ذلك سرورا واغتباطا بما نالوا، وتلذذا بالتكلم به، لا تقربا وتعبدا.
أُورِثْتُمُوها صارت إليكم كما يصير الميراث إلى أهله.
المناسبة:
جرت سنة القرآن الجمع بين الوعيد والوعد، فبعد أن ذكر سبحانه وعيد الكافرين والعصاة، أتبعه بوعد المؤمنين الطائعين.
التفسير والبيان:
لما ذكر الله تعالى حال الأشقياء وجزاءهم، عطف عليه بيان حال السعداء وجزاءهم، ليتميز المؤمن عن الكافر، والمحق عن المبطل، فقال: وَالَّذِينَ آمَنُوا.. أي والذين صدقوا بالله ورسله، وعملوا الصالحات، بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، هم أهل الجنة دون سواهم، وهم المخلدون فيها أبدا.
وجاء قوله تعالى: لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها جملة اعتراضية، للتنبيه
على أن الجنة مع عظم محلها يوصل إليها بالعمل السهل من غير تحمل الصعب، وأن العمل الصالح الموصل إلى الجنة سهل غير صعب، فهو ليس شاقا ولا خارجا عن طاقة البشر، بل يسهل على كل إنسان فعله، متى توافر الإيمان، وتأيد بهدي القرآن.
ومعنى الوسع: ما يقدر الإنسان عليه في حال السعة والسهولة، لا في حال الضيق والشدة.
ومن نعم الله تعالى على أهل الجنة صفاء نفوسهم وسلامة صدورهم، لا يكدرهم كدر، ولا يؤلمهم ألم، ولا يحزنهم فزع، ولا يحدث بينهم شر لأن الله نزع ما في صدورهم من حسد وحقد وعداوة وغل ونحوها من أمراض النفوس في الدنيا.
جاء في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا خلص المؤمنون من النار، حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فاقتص لهم مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى اذهبوا ونقوا، أذن لهم في دخول الجنة، فو الذي نفسي بيده، إن أحدهم بمنزلة في الجنة أدل منه بمسكنة الذي كان في الدنيا».
وروى ابن أبي حاتم عن الحسن البصري قال: بلغني أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «يحبس أهل الجنة بعد ما يجوزون الصراط، حتى يؤخذ لبعض من بعض ظلاماتهم في الدنيا، فيدخلون الجنة، وليس في قلوب بعضهم على بعض غلّ».
وروى ابن جرير الطبري عن قتادة قال: قال علي رضي الله عنه: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم:
وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً [الحجر ١٥/ ٤٧].
وروى عبد الرزاق عن الحسن قال: قال علي: فينا والله أهل بدر نزلت:
وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ.
وقال المؤمنون شاكرين نعمة الله وفضله: الحمد الله الذي هدانا في الدنيا للإيمان الصحيح والعمل الصالح، الذي كان جزاؤه هذا النعيم، وما كان من شأننا ومستوى تفكيرنا أن نهتدي إليه بأنفسنا، لولا هداية الله وتوفيقه إيانا لاتباع رسله.
وقالوا أيضا حين رأوا مطابقة كل شيء لما أخبر به الرسل: لقد جاءت رسل الله بالحق، وهذا مصداق وعد الله على لسان رسله.
ونادتهم الملائكة: سلام عليكم طبتم، فادخلوها خالدين، هذه الجنة التي أورثكم الله إياها جزاء أعمالكم الصالحة.
أخرج سعيد بن منصور والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «وما منكم من أحد إلا وله منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا مات فدخل النار، ورث أهل الجنة منزله، فذلك قوله: أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيتان على ما يأتي:
١- الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون.
٢- التكليف على قدر الطاقة والوسع، سواء في التكاليف الشرعية من عبادات وفرائض، أو في التكاليف المالية كنفقات الزوجات ونحوها.
٣- من نعم الله عز وجل على أهل الجنة: نزع الغلّ الذي كان في الدنيا من صدورهم. والنزع: الاستخراج، والغلّ: الحقد الكامن في الصدر.
٤- استحقاق إرث الجنة من جهة العدل بالعمل الصالح، ففي قوله تعالى:
أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ دليل على أن الإنسان يدخل الجنة بعمله. لكن دخولها يكون برحمة الله وفضله، كما قال تعالى: ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ [النساء ٤/ ٧٠] وقال: فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ [النساء ٤/ ١٧٥].
وجاء في صحيح مسلم: «لن يدخل أحدا منكم عمله الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل».
يتبين من هذا أن إرث منازل الجنة بالعمل، ودخولها بالرحمة والفضل الإلهي وهذا رأي القرطبي الذي قال: وبالجملة فالجنة ومنازلها لا تنال إلا برحمته، فإذا دخلوها بأعمالهم، فقد ورثوها برحمته، ودخلوها برحمته، إذا أعمالهم رحمة منه لهم وتفضل عليهم «١». وهذا قريب من رأي ابن كثير، فإنه قال: بسبب أعمالكم نالتكم الرحمة فدخلتم الجنة، وتبوأتم منازلكم بحسب أعمالكم «٢».
ويمكن التوفيق بنحو آخر أولى وهو أن عمل الإنسان مهما كثر لا يستحق به الجنة لذاته، لولا رحمة الله وفضله، فإنه جعل الجزاء العظيم على العمل القليل، فصار دخول الجنة برحمة الله وفضله.
والخلاصة: العمل الصالح في رأي أهل السنة لا بد منه لدخول الجنة في ميزان العدل وإيجاد تكافؤ الفرص بين جميع الناس، لكن لا بد أن ينضم إليه رحمة الله وفضله، فإنه جعل الجنة جزاء العمل فضلا منه ورحمة، وكافأ على القليل بالكثير فضلا منه ورحمة، لا أن ذلك مستحق عليه وواجب للعبادة وجوب الديون التي لا اختيار في أدائها، كما فهم المعتزلة لأنه يستحيل عقلا إيجاب شيء على الله تعالى.
(٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢١٥
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي