ونزعنا أي أخرجنا صيغة ماض وضع موضع المستقبل تحقيقا لوقوعه ما في صدورهم من غل أي حسد وعداوة كانت بينهم في الدنيا حتى لا يكون بينهم إلا التواد لا بحسد بعضهم على بعض على شيء خص الله به بعضهم، أخرج سعيد بن منصور وأبو نعيم في الفتن وابن أبي شيبة والطبراني وابن مردويه عن علي رضي الله عنه أنه قال : إني أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم، قلت : قال : ذلك علي رضي الله عنه لما وقع بينهم فساد ظن في فتنة شهادة عثمان رضي الله عنه. أخرج البخاري والإسماعيلي في مستخرجه واللفظ له عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله تعالى ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين ( ٤٧ ) قال :( يخلص المؤمنون من النار فيجسون على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم حتى إذا هذبوا وقفوا أذن لهم في دخول الجنة فو الذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدي بمنزله في الجنة منه بمنزلة في الدنيا )١ قال : قتادة راوي الحديث كان يقال ما يشبه إلا أهل الجمعة انصرفوا عن جمعتهم، وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن البصري قال : بلغني أن رسول الله صلى الله عليه آله وسلم قال :( يحبس أهل الجنة بعدما يجوزون الصراط يؤخذ لبعضهم من البعض ظلماتهم في الدنيا ويدخلون الجنة ليس في قلوب بعضهم على بعض غل ) قال : القرطبي هذا في حق من لم يدخل النار أما من دخلها ثم أخرج منها فإنهم لا يحاسبون بل إذا خرجوا ذهبوا على أنهار الجنة، قال : ابن حجر قوله يخلص المؤمنون من النار أي ينجون من السقوط بمجاوزة الصراط. واختلف في القنطرة المذكورة ؟ فقيل إنه تتمة الصراط وهي طرفه الذي يلي الجنة، وقيل : الصراط آخر وبه جزم القرطبي، وقال : السيوطي والأول هو المختار، قلت : وذلك لأن القصاص إنما يكون بالحسنات والسيئات فإنه ليس ثمة دينار ولا درهم إن كان له يعني للظالم عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمة وإن لم يكن له حسنة أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه، كذا روى البخاري من حديث أبي هريرة مرفوعا وعند مسلم والترمذي عنه مرفوعا فإن فنيت حسناته قبل أن يقتص ما عليه من الخطايا أخذ من خطاياهم فتطرح عليه ثم طرح في النار )٢ قلت : والطرح في النار لا يتصور بعد مجاوزة الصراط بتمامه والله أعلم، قلت : وليس نزع الغل من الصدر منحصرا في صورة القصاص، ودفع الحسنات والسيئات من البعض إلى البعض بل قد يكون بغير ذلك، كما قال : البغوي، قال : السدي في هذه الآية الكريمة أن أهل الجنة إذا سبقوا إلى الجنة وجدوا عند بابها شجرة في أصل ساقها عينان فشربوا من أحدهما فينزع ما في صدروهم من غل وهو الشراب الطهور ومن الأخرى فجرت عليهم نضرة النعيم أن يشعثوا ولن يشحبوا بعدها أبدا { تجري من تحتهم من تحت منازلهم بعدما دخلوا الجنة الأنهار حال من هم في صدورهم فيها بمعنى الإضافة وقالوا أي أهل الجنة الحمد لله الذي هدانا لهذا أي إلى هذا يعني الجنة، وقال : سفيان الثوري معناه هدانا لعمل ثوابه هذا وما كنا لنهتدي اللام للجحود لتأكيد النفي كما في قوله تعالى وما كان الله ليعذبهم ٣ بعدها أن المصدرية مقدرة والمصدر بمعنى الفاعل أو بتقدير المضاف خبر لكان تقديره ما كنا ذا اهتدء أو مهتدين لولا أن هدانا الله وجواب لولا محذوف دل عليه ما قبله يعني لولا هداية الله ما كنا مهتدين، قرأ ابن عامر ما كنا بغير واو على أنها صبية للأولى والباقون بالواو على أنه حال من المفعول هدانا لقد جاءت رسل ربنا بالحق فاهتدينا بإرشادهم يقولون ذلك تبجحا حين رأوا ما وعدهم الرسل عيانا ونودوا أي أهل الجنة قيل : هذا النداء إذا رأوا الجنة من بعيد، قيل : هذا النداء يكون في الجنة واختاره السيوطي في البدور السافرة أن تلكم الجنة أن في المواضع الخمسة هي المفسرة لأن المناداة والتأذين بمعنى القول وجاز أن يكون مخففة وأرثتموها أعطيتموها بما كنتم تعملون أي بسبب أعمالكم الجملة حال من الجنة والعامل فيه معنى الإشارة أو خبر والجنة صفة تلكم، قال : صاحب المدارك سماها ميراثا لأنها لا تستحق بالعمل بل هي محض فضل الله تعالى وعده على الطاعات كالميراث من الميت ليس بعوض عن شيء بل هو وصلة خالصة، أخرج مسلم عن أبي سعيد الخداري وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه آله وسلم قال :( ينادي مناد إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا ولكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا وإن لكم أن تنغموا فلا تبأسوا أبد فذلك قوله تعالى : ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ٤ وأخرج ابن ماجة والبيهقي بسند صحيح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه آله وسلم :( ما منكم من أحد إلا له منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار فإذا مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله فذلك قوله تعالى أولئك الوارثون )٥
٢ أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تحريم الظلم (٢٥٨١) وأخرجه الترمذي في كتاب، صفة القيامة والرقائق والورع، باب: ما جاء في شأن الحساب والقصاص (٢٤١٨)..
٣ سورة الأنفال، الآية:..
٤ أخرج مسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: دوام نعيم أهل الجنة(٦٨٣٧)..
٥ أخرجه ماجة في كتاب: الزهد، باب: صفة الجنة (٤٣٤١)..
التفسير المظهري
المظهري