قال تعالى :[ ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون( ٤٣ ) ]( الأعراف : آية ٤٣ ).
[ ونزعنا ما في صدورهم من غل ]( الأعراف : آية ٤٣ ) لما كان أهل الدنيا على مصادقتهم والقرابات بينهم يكون بينهم الغل، والغش، والبغضاء، والحسد، بين الله أن أهل الجنة سالمون من هذا الداء الذي يصاب به أهل الدنيا.
[ ونزعنا ] صيغة الجمع للتعظيم، والله ( جل وعلا ) هو الذي نزع [ ما في صدورهم ] أي : صدور عبادنا المؤمنين الذين هم أصحاب الجنة، نزعنا جميع ما في صدورهم من غل. واختلفت عبارات العلماء في الغل إلى معاني متقاربة، والظاهر أنه يشملها كلها، فبعضهم يقول : الغل : الحقد الكامن، وبعضهم يقول : هو البغض، وبعضهم يقول : هو الحسد والكراهية. وهو يشمل ذلك كله ؛ لأن الإنسان قد يكون في قلبه للآخر حقد كامن، وحسد، وبغض، يكون هذا بين الآدميين، فالله ( جل وعلا ) يوم القيامة ينزع من صدور المؤمنين في الجنة جميع الأحقاد، فلا يكون هنالك أحد يضمر حقدا لأخيه، ولا بغضا، ولا حسدا، ولا غشا، بل ليس بينهم إلا التواد الكامل، والتعاطف والتناصح، يحب بعضهم بعضا، ومن آثار ذلك أن منازلهم متفاوتة ينظر بعضهم منازل بعض فوقه كما ننظر النجم في السماء، ومع ذا لا يحسده على ارتفاع منزلته، بل هو يحبه ولا يضمر له في ذلك حسدا ولا غلا، وذكر غير واحد عن علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) أنه قال :" أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله فيهم :[ ونزعنا ما في صدورهم من غل ] " ذكره عن علي '( رضي الله عنه ) غير واحد، قتادة وغيره، وكثير من طرقه فيها انقطاع، والله أعلم بصحته إليه، ولكنه مشهور فائض على ألسنة المفسرين والعلماء والله اعلم بصحته عنه. ولا شك أنهم إن كان بينهم في الدنيا شيء ؛ لأن طلحة والزبير ممن قاتل عليا ( رضي الله عنه ) يوم الجمل. وبعضهم يزعم أنه كان بينه وبين عثمان بن عفان بعض الشيء. مع أن الذي يظهر أن عليا وعثمان لم يكن احدهما يضمر للآخر إلا الطيب، وكان تسليم الحسن بن علي رضي الله عنه الخلافة إلى معاوية بن أبي سفيان ( رضي الله عن الجميع ) فيها أعظم منقبة لعلي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) ؛ لأن كثيرا من الناس كانوا يتهمون عليا ( رضي الله عنه ) بما هو بريء منه، أن له ضلعا في قتل عثمان، وانه يقول له الوليد بن عقبة بن أبي معيط أخي عثمان من أمه، يعرض بعلي :
| بني هاشم ردوا سلاح ابن أختكم | ولا تنهبوه لا تحل مناهبه |
| بني هاشم كيف التعاقد بيننا | وعند علي سيفه وحرائبه |
وقوله جل وعلا :[ ونزعنا ما في صدورهم ]( الأعراف : آية ٤٣ ) قال بعض العلماء : الله ينزعه من صدورهم بعد أن يدخلوا الجنة. وقال بعض العلماء : ينشئهم النشأة الجديدة على فطرة سليمة خالية من الأحقاد. فظاهر الآية أنهم يوم القيامة يبعثون وهو موجود فيهم، إلا أن الله يسله وينزعه منهم، بدليل قوله :[ ونزعنا ما في صدورهم من غل ]( الأعراف : آية ٤٣ ) وقد قال في سورة الحجر :[ ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين( ٤٧ ) ]( الحجر : آية ٤٧ ) وهذا من أعظم كمال اللذات حيث يكون الإنسان خالدا مخلدا، وحيث يكون هو وإخوانه ورفقاؤه في ذلك النعيم ليس بين اثنين منهم شحناء، ولا عداوة، ولا حقد، ولا حسد، ولا مخاصمة، وكل هذا من كمال النعيم.
وقوله :[ تجري من تحتهم الأنهار ]( الأعراف : آية ٤٣ ) أعربه بعضهم حالا، وبعضهم منع إتيان الحال هنا لأنه قال :[ ونزعنا[ فاعلها لا دخل له في الجملة فلا يمكن أن يكون حالا، وبعضهم يقول : يصح أن تكون حالا. فعلى أن الجملة حالية فلا إشكال، وعلى امتناع الحالية فيها- كما زعمه بعض علماء العربية- فهي كلام آخر مستأنف مما يعطيهم الله.
[ وتجري من تحتهم الأنهار ] أي : من تحت قصورهم وغرفهم العالية [ تجري من تحتهم الأنهار ] سائلة. يقول بعض العلماء : انهار الجنة تجري في غير أخدود. ويذكرون أن المؤمن في غرفته العالية قد يشير إلى النهر تحته فيصعد إليه حتى يقضي منه حاجته. كما يأتي في تفسير قوله :[ عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا( ٦ ) ]( الإنسان : آية ٦ ) ولا غرابة في ارتفاع الماء إلى ولي الله في غرفته من الأرض ؛ لأنه يشاهد في الدنيا ما هو أعظم من هذا وأغرب ؛ لأنك أيام البلح تأخذ بلحة من نخلة طويلة سحوق، فإذا ضغطت على البلحة بضرسك طار منها الماء ! ! وهذا الماء إنما أخذته من عروقها، فصعد من ثرى الأرض ومن عروق النخلة وطلع مع هذا الجذع القوي الخشن، طلع معه الماء ورفعه الله من هذا البعد العالي بقدرته، فمن فعل هذا فلا يصعب عليه أن يرفع الماء إلى غرف المؤمنين العالية. وهذه الأنهار مختلفة الألوان والأشكال، كما قال تعالى :[ فيها انهار من ماء غير أسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ]( محمد : آية ١٥ ). وهذا معنى :[ تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم ] ( في هذا الموضع وقع للشيخ ( رحمه الله ) سهو حيث ساق خاتمة الآية التي في سورة يونس :" [ في جنات النعيم ] وفسر هذا القدر منها، وقد نبه الشيخ- رحمه الله- على ذلك أثناء الدرس ولم يتفطن له. وعلى كل فلم يفت من تفسير آية الأعراف شيء، وإنما صار الكلام على ذلك القدر من سورة يونس من باب الزيادة ) ( يونس : آية ٩ ) تارة يفرد الجنة نظرا إلى أنها اسم جنس، وتارة يجمعها. وإضافتها إلى النعيم لأنهم يتنعمون فيها بجميع اللذائذ، وتظهر على وجوههم نضرة النعيم، فهم في غاية النعيم، والنعيم ضد البؤس، فهم في نعمة دائمة ظاهرة آثارها على أبدانهم، في نضرة وجمال وسرور وغبطة، لا يشيبون ولا يهرمون ولا يمرضون ؛ ولذا قال :[ في جنات النعيم ]( يونس : آية ٩ ).
[ وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا ]( الأعراف : آية ٤٣ ) بين الله انه لما أدخل أهل الجنة حمدوا الله على نعمه، وذلك ذكره عنهم في مواضع كثيرة كقوله عنهم أنهم قالوا :[ الحمد لله الذي اذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب( ٣٥ ) ]( فاطر : الآيتان٣٥، ٣٤ ) وقال عنهم أنهم حمدوه أيضا فقالوا :[ الحمد لله ] الحمد : معناه كل ثناء جميل ثابت لله ( جل وعلا ) ؛ لأنه يستحقه لذاته ؛ ولأنه يستحقه علينا بما أنعمم علينا حيث أدخلنا هذا النعيم الخالد الذي لا يزول.
[ الحمد لله الذي هدانا لهذا ] أي : وفقنا للطريق التي ينال بها هذا الثواب العظيم وهو الجنة. نحمد الله على أن وفقنا في دار الدنيا، وهدانا إلى الإيمان به واتباع رسله حتى نلنا بذلك العمل الصالح هذا الجزاء المقيم، والنعيم العظيم. [ الذي هدانا لهذا ] ثم قالوا :[ وما كنا لنهتدي ]( الأعراف : آية ٤٣ ) هذه اللام هي التي تسمى في النحو بلام الجحود، وهي تؤكد النفي، تؤكد نفي هدايتهم لولا الله هداهم، وتسمى ( لام الجحود ) ولا تكون إلا بعد كون منفي، نحو : ما كان، ولم يكن، والفعل منصوب بعدها ب( أن ) مضمرة.
[ وما كنا لنهتدي ] إلى الطريق التي هذا ثوابها وجزاؤها [ لولا أن هدانا الله ]( الأعراف : آية ٤٣ ) المصدر المنسبك من ( أن ) وصلتها في محل رفع ؛ لأن ما بعد ( لولا ) مبتدأ خبره محذوف غالبا. والمعنى : لولا هداية الله موجودة لما نلنا هذا الجزاء ؟، ولما هدينا إلى هذا العمل الذي هذا جزاؤه. وقرأ هذا الحرف عامة القراء ما عدا الشامي، اعني ابن عامر :[ وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ] وقرأه ابن عامر وحده :[ ما كنا لنهتدي ] بلا واو. والمصاحف التي أرسلت إلى الشام ليس فيها الواو، وإنما فيها :[ ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ] بلا واو، وهما قراءتان سبعيتان، ولغتان فصيحتان ؛ لأجل هذا الاختلاف بزيادة حرف في بعض القراءات الصحيحة وحذفه من القراءات الأخرى كان ذلك سبب تعدد نسخ المصحف العثماني، تعدد نسخه لتكون نسخة فيها الواو ونسخة لا واو فيها، فبعض المصاحف التي أرسلت إلى الشام ليس فيها الواو وإنما فيها :[ ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ] بلا واو، وهي قراءة الشامي، وهو ابن عامر. وهذا معنى قوله :[ وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ].
ثم قالوا على سبيل الفرح والغبطة والسرور :[ لقد جاءت رسل ربنا بالحق ]( الأعراف : آية ٤٣ ) والله لقد جاءتنا رسل ربنا في دار الدنيا بالحق ؛ لأن العمل الصالح الذي أمرتنا به، والجزاء الذي وعدتنا أن نناله هذا هو قد تحقق لنا، ودخلنا الجنة التي كانوا يعدوننا في دار الدنيا على الأعمال الصالحة. والله لقد جاءتنا رسل ربنا في دار الدنيا بالحق الثابت الذي لا شك فيه فما كذبونا ولا دلسوا لنا، وإنما جاؤونا بالحق. وقالوا هذا على وجه السرور والغبطة ؛ لأن من دخل في غبطة وسرور يتكلم بهذا الكلام تلذذا لا يقصد غير ذلك.
ولما قالوا هذا الكلام :[ لقد جاءت رسل ربنا بالحق ] قالوا : هذا [ ونودوا ]( الأعراف : آية ٤٣ ) أي : نودوا من قبل الله، ناداهم الله أو ملك من الملائكة بأمر الله[ أن تلكم الجنة ]( الأعراف : آية ٤٣ ) ( أن ) هذه فيها وجهان : زعم بعضهم انها المخففة من الثقيلة. و( أن ) إذا خففت من الثقيلة- ( أن ) المفتوحة- لم يبطل عملها، ويكون اسمها ضمير الشأن، والجملة بعدها خبرها. وأظهر القولين أنها هنا هي التفسيرية. ومعنى التفسيرية أن ما بعدها يفسر ما قبلها، فنفس النداء الذي نودوا به هو قوله :[ تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون[ ( الأعراف : آية ٤٣ ) وضابط أن التفسيرية : التي يكون ما بعدها تفسيرا لما قبلها هي أن يتقدمها ما فيه معنى القول وليس فيه حروف القول، أعني :( القاف، والواو، واللام ) وقد تقدمها ما فيه معنى القول ؛ لأن النداء فيه معنى القول، وليس فيه حروف القول، فيظهر أنها تفسيرية، خلافا لمن زعم أنها مخففة من الثقيلة.
[ تلكم الجنة ] ( تلك ) إشارة إلى الجنة، نظرا إلى أنها اسم جنس. وقوله :" كم " هو حرف خطاب للمخاطبين ؛ لأنهم جمع كثير [ وتلكم الجنة أورثتموها ]معناه : أعطيتموها. فإيراث الجنة : إعطاؤها وليس المراد به أنها مأخوذة من أموات كميراث الم
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير