قيل: لا نكلف نفسًا منهم إلا وسعها، وحذف العائد للعلم به) (١).
٤٣ - قوله تعالى: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ، معنى نزع الشيء: قلعه عن مكانه (٢)، والغِلُّ: الحقد الكامن في الصدر (٣).
قال أهل اللغة (٤): (وهو الذي ينغل بلطفه (٥) إلى صميم القلب، أي: يدخل، ومنه الغُلول، وهو الوصول بالحيلة إلى دقيق الخيانة، يقال: انغل في الشيء وتغلغل فيه، إذا دخل فيه بلطافة (٦) كالحب يدخل في صميم الفؤاد).
(٢) انظر: "العين" ١/ ٣٥٧، و"الجمهرة" ٢/ ٨١٧، و"تهذيب اللغة" ٤/ ٣٥٥٢، و"الصحاح" ٣/ ١٢٨٩، و"المجمل" ٣/ ٨٦٣، و"اللسان" ٧/ ٤٣٩٥ (نزع).
(٣) انظر: "معاني الأخفش" ٢/ ٢٩٨، و"غريب الحديث" لأبي عبيد ١/ ٢٠٠، و"تفسير غريب القرآن" ص ١٧٧.
(٤) انظر: "العين" ٤/ ٣٤٧، و"الجمهرة" ١/ ١٥٩، و"تهذيب اللغة" ٣/ ٢٦٨٩، و"المجمل" ٣/ ٦٧٩، و"المفردات" ص ٦١٠، و"اللسان" ص ٣٢٨٥ (غلل).
(٥) في (ب): (بلفظه)، وهو تحريف.
(٦) في (ب): (بطاقة)، وهو تحريف.
قال ذو الرمة:
| أَصَابَ خَصاَصَةً فَبَدَا كَليلًا | كَللا وانْغَلَّ سَائِرُهُ انْغِلالًا (١) |
وذكر أهل التأويل هاهنا قولين محتملين:
أحدهما: وهو الذي عليه المعظم (٢) أن معناه: أذهبنا الأحقاد التي كانت لبعض على بعض في دار الدنيا، وإلى هذا أشار علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- فقال: (إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله جل ذكره: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ) (٣).
وقال الحسن في هذه الآية: (يعني: الجاهلية) (٤).
والقول الثاني: أن نزع الغل إنما هو لئلا يحسد بعضهم بعضًا في تفاضل منازلهم وتفاوت مراتبهم في الجنة، واختار الزجاج هذا فقال:
(٢) انظر: "معاني النحاس" ٣/ ٣٧، والسمرقندي ١/ ٥٤١، والماوردي ٢/ ٢٢٤.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" ١/ ٢/ ٢٢٩، والطبري ٨/ ١٨٣، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٧٨ بسند جيد عن قتادة عن علي -رضي الله عنه- وهو مرسل، قتادة لم يسمع من علي، انظر: "المراسيل" لابن أبي حاتم ص ١٦٨، وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" ٣/ ١١٣ عن إبراهيم النخعي، ومن طريق جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه، قال الحافظ ابن حجر في "الشاف الكاف" ص ٦٤: (أخرجه ابن سعد والطبري عن علي، وكلاهما منقطع، وأخرجه ابن أبي شيبة عن ربعي بن حراش عن علي وهو متصل) اهـ.
انظر: "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي ١/ ٤٦٢، و"الفتح السماوي" للمناوي ٢/ ٦٣٥ - ٦٣٦.
(٤) ذكره الماوردي في "تفسيره" ٢/ ٢٢٤؛ وأبو حيان في "البحر" ٤/ ٢٩٨.
(وحقيقته -والله أعلم- أنه لا يحسد بعض أهل الجنة بعضًا؛ لأن الحسد غل) (١).
وقوله تعالى: وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا. قال ابن عباس: (حمدوا الله على (٢) ما أرشدهم إليه ووفقهم له) (٣). وقال مقاتل: (إذا استقروا في منازلهم في الجنة وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا (٤).
ومعنى هَدَانَا لِهَذَا (٥) أي: هدانا لهذا الثواب بالعمل الذي أدّى إليه، وهو معنى قول سفيان الثوري (٦)، ونحو هذا قال الزجاج (٧): (هدانا لما صيرنا إلى هذا (٨)).
(٢) في (ب): (إلي).
(٣) في "تنوير المقباس" ٢/ ٩٥ نحوه، ونقل ابن الجوزي في "زاد المسير" ٣/ ٢٠١ عن ابن عباس في الآية أنه قال: (يعنون ما وصلوا إليه من رضوان الله وكرامته) اهـ.
(٤) "تفسير مقاتل" ٢/ ٣٨، وزاد فيه: (أي للإسلام ولهذا الخير) اهـ.
(٥) لفظ: (هدانا) ساقط من (ب).
(٦) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ١٩٠ أ، والبغوي ٣/ ٢٣٠ بلفظ: (معناه هدانا لعمل هذا ثوابه) اهـ. وانظر: "إعراب النحاس" ١/ ٦١٢.
(٧) "معاني الزجاج" ٢/ ٣٣٩، ومثله قال النحاس في "معانيه" ٣/ ٣٧، وقال الطبري في "تفسيره" ٨/ ١٨٤: (يقول أهل الجنة الحمد لله الذي وفقنا للعمل الذي أكسبنا هذا الذي نحن فيه من كرامة الله وفضله، وصرف عذابه عنا) اهـ. وانظر "تفسير السمرقندي" ١/ ٥٤١ - ٥٤٢، والماوردي ٢/ ٢٢٥.
(٨) لفظ: (إلى هذا) ساقط من (أ).
وقوله تعالى: وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ دليل على أن المهتدي مَنْ هَدَى الله (١) وأن من لم يهده الله لم يهتد (٢).
وقرأ ابن عامر (٣) مَا كُنَّا بغير واو، وكذلك هو في مصاحف أهل الشام (٤)، ووجه الاستغناء (٥) عن حرف العطف [هنا أن الجملة ملتبسة بما قبلها، فأغنى التباسُها به عن حرف العطف] (٦)، وقد تقدم ذكر هذه المسألة (٧).
وقوله تعالى: لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ)، [هذا من قول (٨) أهل الجنة حين رأوا ما وعدهم الرسل عيانًا قالوا: لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ] (٩).
(٢) في (ب): (لم يهتدوا) ومثله ذكر الرازي في "تفسيره" ١٤/ ٨١، و"الخازن" ٢/ ٢٣٠، وانظر: "تفسير القرطبي" ٧/ ٢٠٨.
(٣) قرأ ابن عامر: مَا كُنَّا بغير واوٍ قبل ما، وقرأ الباقون: وَمَا كُنَّا بالواو. انظر: "السبعة" ص٢٨٠، و"المبسوط" ص ١٨٠، و"التذكرة" ٢/ ٤١٩، و"التيسير" ص ١١٠، و"النشر" ٢/ ٢٦٩.
(٤) ذكره ابن مجاهد في "السبعة" ص ٢٨٠، وابن الجزري في "النشر" ٢/ ٢٦٩، وقال ابن أبي داود في "كتاب المصاحف" ص ٤٥: (في إمام أهل الشام وأهل الحجاز وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ وفي إمام أهل العراق: وَمَا كُنَّا) اهـ.
(٥) هذا قول أبي علي في "الحجة" ٤/ ٢٥، وانظر: "معاني القراءات" ١/ ٤٠٧، و"الحجة" لابن خالويه ص ١٥٦، و"الكشف" ١/ ٤٦٤.
(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٧) انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية ١/ ٨١ ب؛ ٨٢ أ
(٨) انظر: "تفسير الطبري" ٨/ ١٨٥، والسمرقندي ١/ ٥٤٢.
(٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
وقوله: وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ. قال أبو إسحاق: (أن) في موضع نصب، وهي مخففة من الثقيلة، والهاء مضمرة، المعنى: ونودوا بأنه تلكم الجنة أي: نودوا بهذا القول، قال: والأجود عندي أن تكون (أن) في معنى تفسير النداء، كأن المعنى: ونودوا أي تلكم الجنة (١)، المعنى: قيل لهم تلكم الجنة، كقوله: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا [ص: ٦] يعني (٢) امشوا.
قال: وإنما قال: تِلْكُمُ لأنهم وعدوا بها في الدنيا، فكأنه قيل لهم: هذه تلكم التي وعدتم بها، وجائز أن يكون عاينوها، فقيل لهم من قبل دخولها إشارة إلى ما يرونه: تِلْكُمُ الْجَنَّةُ.
وقوله تعالى: أُورِثْتُمُوهَا فيه قولان؛ أحدهما، وهو قول أهل المعاني (٣): (أن معناه: صارت إليكم كما يصير الميراث إلى أهله).
(٢) "معاني الزجاج" ٢/ ٣٤٠.
وقد ذكر الوجهين أكثرهم، انظر: "تفسير الطبري" ٨/ ١٨٥، ١٨٦، و"إعراب النحاس" ١/ ٢١٦، و"الكشاف" ٢/ ٧٩، و"تفسير ابن عطية" ٥/ ٥٠٨، و"التبيان" ص ٣٧٦، و"الفريد" ٢/ ٣٠٢، و"البحر المحيط" ٤/ ٣٠٠.
وقال النحاس في "معانيه" ٣/ ٣٨: (يجوز أن يكون المعنى (بأنه تلكم الجنة)، ويجوز أن تكون أن مفسرة للنداء، والبصريون يعتبرونها بأي، والكوفيون يعتبرونها بالقول، والمعنى واحد، كأنه ونودوا قيل لهم تلكم الجنة أي هذه تلكم الجنة التي وعدتموها في الدنيا، ويجوز أن يكون لما رأوها قيل لهم قبل أن يدخلوها تلكم الجنة) اهـ. وانظر: "الدر المصون" ٥/ ٣٢٤.
(٣) انظر: "تفسير الرازي" ١٤/ ٨١، ٨٢ فقد ذكر مثله.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي