تفسير المفردات : البأس : العذاب والقائلون : هم الذين ينامون استراحة وسط النهار أي حين القائلة يقال : قال يقيل قيلا وقيلولة، والدعوى : ما يدعيه الإنسان، وتطلق على القول أيضا.
المعنى الجملي : بعد أن بين سبحانه فيما سلف أنه أنزل الكتاب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لينذر به الناس ويكون موعظة وذكرى لأهل الإيمان، وأنه طلب إليه أن يأمر الناس بإتباع ما أنزل إليهم من ربهم وألا يتبعوا من دونه أحدا يتولونه في أمر التشريع ـ أردف هذا التخويف من عاقبة المخالفة لذلك ولما يتبعه من أصول الدين وفروعه، والتذكير بما حل بالأمم قبلهم بسبب إعراضهم عن الدين وإصرارهم على أباطيل أوليائهم.
الإيضاح : فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين أي فما كان دعاؤهم واستغاثتهم حين جاءهم العذاب إلا أن اعترفوا بظلمهم فيما كانوا عليه، وشهدوا ببطلانه، تحسرا وندامة وطمعا في الخلاص ولكن أنى ينفع الندم، وقد أزفت الآزفة، ليس لها من دون الله كاشفة ؟
وفي الآية من العبرة : أن كل مذنب يقع عليه عقاب ذنب فعله في الدنيا، يعترف بجرمه ويندم على ما فرط منه إذا هو علم سبب العقاب، وقلما يشعر المرء بعقاب في الدنيا على الذنوب، لأنه يأتي على التراخي غالبا فالأمراض التي تتولد من شرب الخمر كأمراض القلب والكبد والجهاز التناسلي وضعف النسل واستعداده للأمراض إلى نحو ذلك من الأمراض الجسدية والعقلية تحصل ببطء، وقلما يعرفها غير الأطباء، ومن ثم لا يشعر بها السكارى وإنما يشعرون بما يعقب الشرب من صداع وغثيان يسهل عليهم احتماله وترجيح لذة النشوة عليه.
إلى أنه لو علمها بعد فقلما يفيد علمه بها شيئا بعد بلوغ تأثيرها هذه الدرجة في السكر حتى تحمله على التوبة، إذ داء الخمار يزمن، وحب السكر يضعف الإرادة.
وعقاب الأفراد على الذنوب في الدنيا لا يطرد، كما يطرد في الأمم، فعقابها في الدنيا على ما تجترح حتم لا شبهة فيه، ولكن له آجال ومواقيت أطول مما يكون في الأفراد، ويختلف باختلاف أحوال الأمة في القوة والضعف، فأمة نشأ فيها الظلم والطغيان وعدمت الثقة بين أفرادها واختل نظام الأمن فيها وكثر فيها الفسق والفجور تسوء حالها وتنحل قواها وتتفكك روابط الألفة والمودة بين أفرادها وتضعف منعتها، فتحسب أهلها جميعا وقلوبهم شتى، ولا يزال أمرها يأخذ في التدهور والفساد حتى يستولي عليها العدو القاهر ويمتص ثروتها ويجعل أهلها أذلة مستضعفين، وقلما تشعر أمة بعاقبة ذنوبها قبل وقوع العقوبة، كما لا يجديها نفعا أن يقول حكماؤها : يا ويلنا إنا كنا ظالمين. وربما عمها الجهل، وران على قلوبها الفساد، فلا تشعر بأن ما حل إنما كان جزاء وفاقا، ونكالا من الله على ما قدمت من عمل واقترفت من إثم فترضى باستذلال الغاصب كما رضيت من قبل بما اجترحت من الآثام والذنوب، وقد يكون ذلك سبيلا لانقراضها بما يعقبه الفسق والفجور من قلة النسل، ولاسيما إذا فشا الزنى والسكر، أو تبقى فيها بقية تدغم في الكثرة الغالبة، فلا تعد أمة على سبيل الاستقلال، وربما توالت عليها المصائب والآثام حتى تضيق بها ذرعا فتطلب لها مخرجا وترجع إلى الوراء لتبحث عن أسبابها فلا تجدها إلا في أنفسها كما يرشد إلى ذلك قوله تعالى : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم [ الشورى : ٣٠ ].
وإذا أرادت لها علاجا وتمنت لها دواء من دائها الدوي وتلفتت يمنة ويسرة سرا وعلانية لم تجده إلا ما وصفه الكتاب الكريم : إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم [ الرعد : ١١ ] ولن يكون ذلك إلا بالإقلاع عما ترتكب من الجرائم والتوبة الصادقة والعمل الطيب الذي به تصلح القلوب وتستقيم الأمور، وهاكم ما قاله العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم حين توسل به عمر والصحابة بتقديمه لصلاة الاستسقاء لما انقطع الغيث وعم الجدب : اللهم إنه لا ينزل بلاء إلا بذنب، ولا يرفع إلا بتوبة.
وفي هذا عبرة أيما عبرة للشعوب الإسلامية التي ثلت عروشها، وخوت صروح عظمتها، وقد كانت أجدر بهدى القرآن، ولكن أنى لها بذلك، وقد هجره الخاصة وتبعهم العامة، إذ جهلوا أحكامه وحكمه، حتى لقد بلغ الأمر بنابتتها، ألا ترى سببا لركود ريحها إلا إتباع القرآن والعمل بهذا الدين كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا [ الكهف : ٥ ].
تفسير المراغي
المراغي