فأنجيناه يعني هودا من العذاب الذي نزل بقومه والذين معه في الدين يعني المؤمنين به برحمة منا عليهم وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا الدابر الأصل أو الكائن خلف الشيء وقطع الدابر عبارة عن الاستئصال وإهلاك كلهم بحيث لا يبقى منهم أحد وما كانوا مؤمنين تعريض بمن آمن منهم وتنبيه على أن الفارق بين من نجا ومن هلك هو الإيمان وقصة عاد على ما ذكر محمد ابن إسحاق وغيرهم وأنهم كانوا ينزلون اليمن وكانت مساكنهم بالأحقاف وهي رمال بين عمان وحضرموت وكانوا قد أفسدوا في الأرض كلها وقهروا أهلها بفضل قوتهم التي آتاهم الله عز وجل وكانوا أصحاب أوثان يعبدونها يقال لها صدا وسمود والهبا، فبعث الله تعالى إليهم هودا عليه السلام نبيا وهو من أوسطهم نسبا وأفضلهم حسبا فأمرهم أن يوحدوا الله ويكفوا عن ظلم الناس ولم يأمرهم بغير ذلك فكذبوه وقالوا من أشد منا قوة بنوا المصانع وبطشوا بطشة الجبارين، فلما فعلوا ذلك أمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين حتى جهدهم ذلك وكان الناس في ذلك الزمان إذا نزل بهم بلاء وطلبوا منه الفرج أنابوا إلى الله عز وجل عند بيته الحرام بمكة مسلمهم ومشركهم فيجتمع بمكة ناس كثير مختلفة الأديان كلهم معظمين لمكة وأهل مكة يومئذ العماليق أبناء عمليق بن لاود بن سام بن نوح وكان سيدهم معاوية بن بكر وكانت أم معاوية كلهدة بنت الخير رجل من عاد، فلما قحط المطر عن عاد وجهدوا قالوا جهزوا وفد أمتكم إلى مكة فليستقر لكم، فبعثوا له قيل : بن عنز ويقيم بن هزال بن هزيل وعتيل بن ضد بن عاد الأكبر ومرثد بن سعد بن عفير كان مسلما يكتم إسلامه وجثيمة بن الجيثر خال معاوية بن بكر ثم بعثوا لقمان بن عاد الأصغر بن هاد الأكبر، فانطلق كل رجل من هؤلاء ومعه رهط من قومه حتى بلغ عدة وفدهم سبعين رجلا، فلما قدموا مكة نزلوا على معاوية بن بكر وكانوا أخواله وأصهاره، فأقاموا عنده شهرا يشربون الخمر ويغنيهم الجرادتان قينتا لمعاوية بن بكر فكان مسيرهم شهرا ومقامهم شهرا، فلما رأى معاوية بن بكر طول مقامهم وقد بعثهم قومهم يتغوثون بهم من البلاء الذي أصابهم شق ذلك عليه وقال : هلك أخوالي وأصهاري وهؤلاء مقيمون عندي وهم ضيفي والله ما أدري كيف أصنع بهم أستحيى أن آمرهم بالخروج إلى ما بعثوا إليه فيظنون أني ضيق من مقامهم وقد هلك من ورائهم من قومهم جهد وعطشا، فشكا ذلك من أمرهم إلى قينته الجرادتين فقلتا قل شعرا نغنيهم لا يدرون من قاله لعل ذلك يحركهم، فقال معاوية بن بكر شعر
ألا يا قيل : ويحك قم فهينم *** لعل الله يسقينا غماما
فيسقي أرض عاد إن عادا *** قد أمسوا ما يبيتون الكلاما
من العطش الشديد فليس نرجوا *** به الشيخ الكبير ولا الغلاما
وقد كانت نسائهم بخير *** فقد أمست نسائهم غياما
وإن الوحش يأتيهم جهارا *** ولا يخشى لعادي سهاما
وأنتم هاهنا فيما اشتهيتم *** نهاركم وليلكم التماما
فقبح وفدكم من وفد قوم *** ولا لقوا التحية والسلام
فلما غنتهم الجردتان بهذا، قال : بعضهم لبعض يا قوم إنما بعثكم قومكم يتغوثون بكم من البلاء الذي نزل بهم وقد أبطاتم عليهم فادخلوا هذا الحرم فاستسقوا لقومكم، فقال مرثد بن مسعود بن عفير وكان قد آمن بهود عليه السلام سرا أنكم والله لا تسقون بدعائكم ولكن إن أطعتم نبيكم وتبتم إلى ربكم سقيتم فأظهر إسلامه عند ذلك فقال شعر
عصت عاد رسولهم فأمسوا *** عطاشا ما يبلهم السماء
لهم صنم يقال له صمود *** يقابله صداء والهباء
فبصرنا الرسول سبيل رشد *** فأبصرنا الهدى وجلى العماء
وإن إله هود هو إلهي *** على الله التوكل والرجاء
فقالوا لمعاوية بن بكر احبس عنا مرثد بن سعد فلا يقدمن مكة، وخرج مرثد بن سعد من منزل معاوية حتى أدركهم قبل عاد أن يدعوا الله فيجابوا بشر مما خرجوا له، فلما انتهى إليهم قام يدعوا الله ووفد عاد يدعون، فقال اللهم أعطيني سؤالي وحدي ولا تدخلني في شيء مما يدعوك به وفد عاد وكان قيل : بن عنز رأس وفد عاد فقال وفد عاد اللهم أعط قيلا ما سألك واجعل سؤالنا مع سؤاله، وقد كان تخلف عن وفد عاد حين دعوا لقمان بن عاد وكان سيد عاد حتى إذا فرغوا من دعوتهم قام فقال اللهم إني جئتك وحدي في حاجتي فأعطيني سؤالي وسأل الله طول العمر فعمر عمر سبعة أشر، وقال : قيل : بن عنز حين دعا يا إلهنا إن كان هود صادقا فاسقنا فإنا قد هلكنا فأنشأ الله سحائب ثلاثا بيضاء وحمراء وسوداء ثم ناده مناد من السحاب يا قيل : اختر لنفسك وقومك من هذا السحائب، فقال قيل : اخترت السحابة السوداء فإنها أكثر السحاب ماء فناداه مناد اخترت رمادا رمدا لا يبقى من آل عاد أحد، وساق الله السحابة السوداء التي اختارها قيل : بما فيها من النقمة إلى عاد حتى خرجت عليهم من واد لهم يقال له المغيث فلما رأوها استبشروا، و قالوا هذا عارض ممطرنا يقول الله عز وجل بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم ( ٢٤ ) تدمر كل شيء بأمر ربها ١ أي كل شيء مرت به، وكان من أبصر ما فيها وعرف أنها ريح مهلكة امرأة من عاد يقال لها مهدر فلما تبينت ما فيها صاحت ثم ضعفت فلما أفاقت قالوا لها ماذا رأيت قالت رأيت ريحا فيها كشهب النار أمامها رجال يقودونها، فسخر الله عليهم سبع ليال وثمانية حسوما فلم تدع من عاد أحدا إلا هلك، واعتزال هود ومن معه من المؤمنين في حظيرة ما يصيبه ومن معه من الريح إلا ما يلين عليه الجلود وتلتذ الأنفس وإنها لتمر من عاد بالظعن فتحملهم بين السماء والأرض فتدمغهم بالحجارة، وخرج وفد عاد من مكة حتى مروا بمعاوية بن بكر فنزلوا عليه فبينما هم عنده إذا أقبل رجل على ناقته في ليلة مقمرة هي ثالثة من مصاب عاد فأخبرهم الخبر، فقالوا : له فأين فارقت هود وأصحابه فقال فارقتهم بساحل البحر فكأنهم شكوا فيما حدثهم به، فقالت هرملة بنت بكر صدق ورب مكة وذكروا أن مرثد بن سعد ولقمان بن عاد وقيل : بن عنز حين دعوا بمكة قيل : لهم قد أعطيتم مناكم فاختاروا لأنفسهم إلا أنه لا سبيل إلى الخلود ولا بد من الموت، فقال مرثد اللهم أعطيني صدقا وبرا فأعطى ذلك، وقال : لقمان أعطيني يا رب عمرا فقيل له اختر فاختار عمر سبعة أنسر وكان يأخذ الفرخ حين يخرج من بيضة فيأخذ الذكر منها لقوته حتى إذا مات أخذ غيره فلم يزل يفعل ذلك حتى أتى على السابع وكان كل نسر يعيش ثمانين سنة وكان أخرها لبد فلما مات لُبدُ مات لقمان معه، وأما قيل : فإنه قال : أختار إن لقني ما أصاب قومي فقيل له إنه الهلاك فقال لا أبالي لا حاجة في البقاء بعدهم فأصابه الذي أصاب عادا من البلاء والعذاب فهلك، قال السدي : فبعث الله على عاد الريح فقلعت أبوابهم فدخلت عليهم فأهلكهم فيها ثم أخرجتهم عن البيوت فلما أهلكهم الله أرسل عليهم طيرا سوداء فحملتهم إلى البحر فألقتهم فيه وروى أن الله تعالى أمر الريح فأمالت عليهم الرمال فكانوا تحت الرمل سبع ليال وثمانية أيام لهم أنين تحت الرمل ثم أمر الريح فكشف عنهم الرمال فاحتملتهم ورمت بهم في البحر ولم يخرج ريح قط إلا بمكيال إلا يومئذ فإنها عتت على الخزنة فغلبتهم فلم يعلموا كم كان مكيال.
التفسير المظهري
المظهري