ثم إن الله بين مصير الجميع، قال :[ فأنجيناه والذين معه برحمة منا ]( الأعراف : آية٧٢ ) فأنجينا هودا والذين آمنوا معه- وهم طائفة قليلة- انجيناهم برحمة منا. وذلك الإنجاء من عذاب شديد، كما قال تعالى في سورة هود :[ ونجيناهم من عذاب غليظ ]( هود : آية ٥٨ ).
[ وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا ] قوله :" قطع الله دابرهم " معناه : استأصلهم عن آخرهم ؛ لأن النسل كأنه دابر للآباء، فالدابر هو الذي يتبعك عند دبرك، فكأن الآباء أمة سالفة، ونسلهم شيء تابع أدبارهم، ناشيء بعدهم. فإذا قطع الدابر معناه : أهلكوا عن آخرهم فلم يبق منهم نسل يدبرهم، أي : يمشي في دبرهم سالكا الحياة بعدهم. فقطع الدابر معناه : إهلاكهم المستأصل بحيث لا يبقى لهم نسل في الأرض يكون حيا عن دبر منهم، بل أهلكهم الله جميعا، ولم يترك منهم داعيا ولا مجيبا.
والمفسرون يذكرون قصتهم هنا، ويذكره الأخباريون وبعضها جاء به بعض الأحاديث، كما جاء في حديث عن الإمام أحمد.
والذي يعرف التاريخ معرفة لا بأس بها يظهر له انه كثيرا مما يزعمه المؤرخون في قصة عاد أنه ليس من الشيء الصحيح. ومعلوم أن التاريخ والسير كالإسرائيليات، منها ما هو صحيح، ومنها ما ليس بصحيح، فتحكى ليعتبر بما فيها من الغرائب والعجائب، وينتفع بما تشير إليه من اجتلاب المصالح وتجنب المضار، ولا يحكم بصحة شيء منها إلا شيء قام عليه دليل من كتاب أو سنة.
والمفسرون يذكرون في قصتهم أنهم لما تمردوا هذا التمرد العظيم على نبي الله هود، وأراد الله أن يهلكهم أمسك عنهم المطر ثلاث سنين،
فقحطعت أرضهم وأجدبوا وجاعوا، وأضعفهم القحط وكاد يهلكهم. ويزعمون أن عادة الناس في ذلك الزمان أن من أصابه كرب أو بلاء يرسلون من يدعو الله لهم عند بيته الحرام ؛ لأنهم يظنون أن الله إذا دعي عند بيته الحرام لا يرد من دعاه ولا يخيبه. فلما وقع بهم ما وقع جهزوا وفدا منهم، يزعمون انه يقرب من سبعين رجلا، كبيرهم : قيل بن عنز، المشهور في التاريخ، وأرسلوا معه جماعة من كبرائهم-يزعم المؤرخون أن منهم : نعيم بن هزالة، ومنهم : مرثد بن سعد. وكان مرثد بن سعد فيما يزعمون ممن آمن بهود، وكان يكتم إيمانه- ويزعمون ان الذين عند مكة في ذلك الوقت العمالقة، والعمالقة : أولاد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح، وان رئيسهم في ذلك الزمان يسمى : معاوية بن بكر، وان أخواله عاد، وهم أخواله وأصهاره، وأنه كان نازلا بظاهر مكة خارجا عن الحرم، وأن الوفد الذي أرسله عاد ليستسقي الله لهم عند بيت الله الحرام نزلوا عند معاوية بن بكر رئيس العماليق، وكان عاد أخواله وأصهاره، وكان عنده قينتان يغنيان، اسمهما : الجرادتان، وان رئيس العماليق- وهو معاوية بن بكر- مكث عنده الوفد العادي شهرا، يسقيهم الخمر، ويحسن إليهم، وتغنيهم الجرادتان، حتى نسوا ما جاؤوا من أجله.
وكان معاوية بن بكر- فيما يزعمه المؤرخون والمفسرون- رق لأخواله وأصهاره عاد، وأساءته حالة وفدهم، ولم يقدر أن يبين لهم شيئا لئلا يظنوا انه مستثقل بضيافتهم، فاستشار قينتيه فقالا : قل شعرا تنبههم به ونغنيهم بذلك الشعر لينتبهوا، وان معاوية بن بكر ابتدع الشعر المذكور المعروف الذي نبههم به، وأن الجرادتان ( غنتاهم )( في الأصل :" غنتهما " ) بذلك الشعر، ( وأنهم لما غنتاهم )( في الأصل :" وأنهما لما غنتهما " ). الجرادتان به انتبهوا وذهبوا إلى بيت الحرام فقام قيل يدعو عند البيت، ويزعم المؤرخون والمفسرون أنه طلعت سحابات، وناداه مناد : اختر أيها شئت ؟ ! وأنه اختار السوداء، وانه سمع فيها قائلا يقول : اخترت رمادا رمددا، لا يترك من عاد أحدا، لا والدا ولا ولدا. وأن تلك السحابة ذهبت إليهم وجاءت من قبل واد لهم يسمونه : المغيث، ففرحوا بها وقالوا :[ هذا عارض ممطرنا ]( الأحقاف : آية ٢٤ ) ويزعم المؤرخون أن منهم امرأة تسمى : مميد، انها صعقت، فلما أفاقت قالوا : ما بالك ؟ قالت : رأيت في العارض الذي تظنونه مطرا، شيئا كالنار معه رياح، تقوده رجال، وفيه هلاك. فأرسل الله عليهم الريح العقيم، ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم، كما قال تعالى :[ وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية ( ٦ ) سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية( ٧ ) ]( الحافة : الآيتان٧، ٦ ) إلى غير ذلك من الآيات.
والشعر الذي اخترعه معاوية بن بكر ونبه به وفد العاديين هو قوله فيما يذكر المفسرون وأصحاب السير والأخبار، أنه قال :
| ألا يا قيل ويحك قم فهينم | لعل الله يسقينا غماما |
| فيسقي ارض عاد إن عادا | قد أهمموا امسوا لا يبينون الكلاما |
| من العطش الشديد فليس نرجوا | به الشيخ الكبير ولا الغلاما |
| وقد كانت نساؤهم بخير | فقد أمست نساؤهم أياما |
| وإن الوحش تأتيهم جهارا | ولا تخشى لعادي سهاما |
| وأنتم ها هنا فيما اشتهيتم | نهاركم وليلكم التماما |
| ققبح وفدكم من وفد قوم | ولا لقوا التحية والسلاما |
والمؤرخون يذكرون أن الله لما انبع ماء زمزم لهاجر وإسماعيل أن أول من ساكنها العمالق، وهم أولاد عمليق. وهم من العرب البائدة ؛ لأن العرب نوعان : عرب بائدة : أي : هلكوا عن آخرهم ولم يبقى لهم نسل، وهم قبائل معروفة، منهم عاد وجرهم، ومنهم ثمود، ومنهم أميم وعبيل، وجديس وطسم من العرب البائدة المعروفة الذين هلكوا عن آخرهم. وجاء في بعض الأحاديث ما يدل على أن أول من ساكن هاجر جرهم ويمكن ان يحمل على أنهم أول من ساكنها بعد زوال العمالق.
والمذكور في التاريخ المعروف عند المؤرخين ان ماء زمزم لما نبع لهاجر وإسماعيل مر بهم قوم من العماليق كانوا مسافرين، وكانت مكة في ذلك الوقت لا يعرف بها ماء، فرأو طير الماء، فجاؤوا فوجدوا هاجر وإسماعيل واستأذنوهم في المساكنة، واشترطت عليهم هاجر أن الماء لها، ولم يزل العمالق معهم حتى بغوا وطغوا في الحرم، وشب إسماعيل، فسلط الله عليهم جرهما- وهم من العرب البائدة، من ذرية سام بن نوح، خلافا لمن قال من المؤرخين إن نفس جرهم كان مسلما من الذين دخلوا في السفينة مع نوح. والصحيح الذي عليه جمهور المؤرخين : انه من ذرية سام بن نوح-فسلط الله عليهم جرهما، وكان رئيسهم مضاض بن عمرو الجرهمي، الذي زوج ابنته رحلة لإسماعيل، وهي صاحبة القصة المشهورة الذي قال لها إبراهيم، إذا جاء زوجك فقولي له : ليثبت عتبة بابه. ولم تزل جرهم حتى شب فيهم إسماعيل، وتزوج منهم، وتعلم منهم العربية، وكانت سدانة البيت عند أولاد إسماعيل إلى آخرهم نابت بن إسماعيل، فلما مات نابت أخذ الجرهميون مفاتيح الكعبة، وصارت عندهم سدانة البيت، كما قال شاعرهم لما أجلتهم خزاعة :
| وكنا ولاة البيت من بعد نابت | نطوف بذاك البيت والخير ظاهر |
| فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله | رجال بنوه من قريش وجرهم |
ويزعم المؤرخون أن رجلا منهم يسمى( إسافا ) وامرأة تسمى( نائلة ) دخلا جوف الكعبة فزنى بها في جوف الكعبة، وان الله مسخهما حجرين، وأنهما هما الصنمان اللذان أخذهما الخبيث الخسيس اللعين : عمرو بن لحي- الذي ضيع بقايا دين إبراهيم، وجاء بعبادة الأصنام، وبحر البحائر والسوائب- ووضع أحدهما على الصفا، والثاني على المروة، وكانوا يسجدون لهما في المسعى ! ! وأشار لهما أبو طالب في لاميته المشهورة حيث قال :
| وحيث يلقي الأشعرون رحالهم | بملقى الرفاق من أساف ونائل |
وبعض العلماء يزعم أن خزاعة من أبناء قمعة الذين منهم عمرو بن لحي بن قمعة، وقمعة بن إلياس. وإلياس أولاده هم الذين يسمون : خندفا ؛ لأن إلياس بن مضر جد النبي صلى الله عليه وسلم يزعم أهل السير والأخبار أن امرأته تسمى : ليلى، وهي بنت الحارث بن قضاعة، وان إبلهم ضاعت فتبعها عمرو بن إلياس فأدرك الإبل فسمي مدركة، وهو جد النبي صلى الله عليه وسلم، مدركة بن إلياس. وان قمعة قمع بالبيت فقام به فسمي قمعة. ومن نسله عمرو بن لحي الخبيث.
وخزاعة على قول من يقول : إنهم خندفيون لا أنهم من سبأ، وأن أحد أولاده. اصطاد أرنبا فطبخه فسمي طابخة، وهو جد تميم، وأن تميم بن مر بن أد بن طابخة، وقبائل الرباب : بنو تيم، وبنو عدي، وبنو عكل، وضبة وبنو ثور وبنو عجل. وهم قبائل الرباب الذين تحالفوا على رب مع تميم وصاروا ينسبون إليهم وقال فيهم الشاعر :
| يعد الناسبون إلى تميم | بيوت المجد أربعة كبارا |
| يعدون الرباب وآل سعد | وعمرا ثم حنظلة الخيارا |
| ويسقط بينها المري عفوا | كما الغيت في الدية الحوارا |
| كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا | أنيس ولم يسمر بمكة سامر |
| بلى نحن كنا وأهلها فأبادنا | صروف الليالي والجدود العواثر |
| وكنا ولاة البيت من بعد نابت | نطوف بذاك البيت والخير ظاهر |
| باعت خزاعة بيت الله إذ سكرت | بزق خمر فبئست صفقت البادي |
| كنانية بانت وفي الصدر ودها | مجاورة غسان والحي يعمرا |
الكعبة لقصي. فأخذها قصي، وأخذ الوظائف المشهورة، وأعطاها لبني عبد الدار في خ
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير