ﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓ

قال تعالى : فأنجيناه والذين معه برحمة منا عليهم. قال القشيري : لا رتبةَ فوق رتبة النبوة، ولا درجة أعلى من درجة الرسالة، وقد أخبر سبحانه : أنه نجَّى هودًا برحمته، وكذا نجَّى الذين آمنوا معه برحمته، ليُعلَم أن النجاة لا تكون باستحقاق العمل، وإنما تكون ابتداء فضلٍ من الله ورحمة، فما نَجَا مَن نَجَا إلا بفضل الله سبحانه وتعالى. ه.
وقطعنا دابر الذين كذَّبوا بآياتنا أي : استأصلناهم، وما كانوا مؤمنين ، تعريض بمن آمن منهم، وتنبيه على أن الفارق بين من نَجَا وبين من هلك : هو الإيمان.
رُوِي أنهم كانوا يعبدون الأصنام، فبعث الله إليهم هودًا فكذبوه، وزادوا عتوا، فأمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين حتى جهدهم، وكان الناس حينئذٍ، مسلمهم ومشركهم، إذا نزل بهم بلاء توجهوا إلى البيت الحرام وطلبوا من الله الفرج، فجهزوا إليه " قيل بن عنز "، ومرثد بن سعد، في سبعين من أعيانهم، وكان إذ ذاك بمكة العمالقة ؛ أولاد عمليق بن لاود بن سام، وسيدهم : معاوية بن بكر، فلما قدموا عليه، وهو بظاهر مكة، أنزلهم وأكرمهم، وكانوا أخواله وأصهاره، فلبثوا عنده شهرًا يشربون الخمر، وتغنى عليهم الجرادتان قَينَتَانِ له فلما رأى ذهولهم عما بعثوا له أهمه ذلك، واستحيا أن يكلمهم فيه ؛ مخافة أن يظنوا به ثقل مقامهم، فعلم المغنيتين بيتين من الشعر، وأمرهما أن تغنيا به وهما :

ألاَ يا قَيلُ ويَحكَ، قُم، فَهَينِم لَعلَّ الله يسقِينَا الغَمَامَا
فيسقيِ أرضَ عَادٍ، إنَّ عَادًا قَدَ امسَوا لاَ يُبِينُونَ الكَلامَا
فلما غنيتا به أزعجهم ذلك، فقال مرثد : والله لا يُسقون بدعائكم، ولكن إن أطعتم نبيكم، وتبتم إلى الله، سقيتم، فقالوا لمعاوية : أحبسه عنا، لا يقدمنّ معنا مكة ؛ فإنه قد أتبع دين هود، وترك ديننا، ثم دخلوا مكة، فقال قيل : اللهم اسق عادًا ما كنت تسقيهم، فأنشأ الله سحابات ثلاثًا ؛ بيضاء وحمراء وسوداء، ثم ناداه منادٍ من السماء : يا قيل ؛ اختر لنفسك ولقومك. فقال : اخترت السوداء ؛ فإنها أكثرهن ماءً، فخرجت إلىعاد من وادي المغيث، فاستبشروا بها، وقالوا : هذا عارض ممطرنا، فجاءتهم، فيها ريح عقيم، فأهلكتهم، رُوِي أنها لما قربت من ديارهم حملت أنعامهم في الهواء، كأنها جراد، فاستمرت عليهم سبع ليالٍ وثمانية أيام، شدخَت رؤوسهم إلى الحجارة حتى هلكوا جميعًا، ونجا هو والمؤمنون معه، فأتوا مكة وعبدوا الله حتى هلكوا.
قاله البيضاوي وغيره.
وهاهنا بحث ؛ وهو أن البيت إنما بناه إبراهيم عليه السلام حسبما في الصحيح، ولم تعمر مكة إلا بعد إنزال إسماعيل فيها، وهود كان قبل إبراهيم، والبيت حينئذٍ خرب، كان خربه الطوفان، فكيف يتوجهون إليه وهو لم يكن ؟.
ويمكن الجواب : بأنهم كانوا يلتجؤون إلى رسومه وخربته التي بقيت بعد الطوفان ؛ لأن أول من بناه آدم عليه السلام فلما خربه الطوفان بقي أثره، فكانوا يتبركون به، وفي بعض التواريخ : أن العماليق بنوه قبل إبراهيم، فكانوا يطوفون به ويتبركون، ثم هُدم، وبناه بعدهم خليل الله إبراهيم. وبهذا إن صح - يزول الإشكال. والله تعالى أعلم. وأما من قال : إن هودًا تعدد، فغير سديد.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : قد تضمنت موعظة هود عليه السلام لقومه خصلتين، بهما النجاة من كل هول وشر، والفوز بكل خير، وهما : التوحيد والتقوى، وهي الطاعة لله ولرسوله فيما جاء به من أمر ونهي. فالتوحيد تطهير الباطن من الشرك الجلي والخفي، والتقوى : حفظ الجوارح من المخالفة في السر والعلانية، وهاتان الخصلتان هما أساس الطريق ونهايته. والله تعالى أعلم.

الإشارة : قد تضمنت موعظة هود عليه السلام لقومه خصلتين، بهما النجاة من كل هول وشر، والفوز بكل خير، وهما : التوحيد والتقوى، وهي الطاعة لله ولرسوله فيما جاء به من أمر ونهي. فالتوحيد تطهير الباطن من الشرك الجلي والخفي، والتقوى : حفظ الجوارح من المخالفة في السر والعلانية، وهاتان الخصلتان هما أساس الطريق ونهايته. والله تعالى أعلم.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير