قوله :" فَعَقَرُوا النَّاقَةَ " أصل العَقْرِ : كَشْفُ العَراقِيبِ في الإبل، وهو أن يضرب قَوَائمَ البَعِيرِ أو النَّاقَةِ فتقع، وكانت هذه سنتهم في الذَّبْحِ.
قال امرؤ القيس :[ الطويل ]
وَيَوْمَ عَقَرْتُ لِلْعَذَارَى مَطِيَّتِي *** فَيَا عَجَباً مِنْ رَحْلِهَا المُتَحَمَّلِ١
ثم أطلق على كل نَحْرِ " عَقْرٌ "، وإن لم يكن فيه كشف عراقيب تسمية للشَّيء بما يلازمه غالباً، إطلاقاً للمسبّب على مسببّبه هذا قول الازهري٢.
وقال ابن قتيبة :" العَقْرُ : القتل كيف كان، عَقَرْتُها فهي معقورة ".
وقيل : العقر : الجرح. وعليه قول امرئ القيس :[ الطويل ]
تَقُولُ وَقَدْ مَالَ الغَبِيطُ بِنَا معاً *** عَقَرْتَ بَعِيرِي يَا امْرَأ القَيْسِ فانْزِلِ٣
يريد : جَرَحْتَهُ بثقلك وتمايلك، والعَقْر والعُقر بالتفح، والضمّ [ الأصل ]٤، ومنه عَقَرْتُه أي : أصبتُ عقره يعني أصله كقولهم : كَبَدْتُه ورَأسْتُه أي : أصبت كَبِدَهُ ورأسه، وعَقَرْتُ النخل : قطعته من أصله، والكَلْبُ العقور منه، والمرأة عَاقِرٌ، وقد عُقِرَت.
والعقر بالضَّمِّ آخر الولد وآخر بيضة يقال : عُقر البيض.
والعَقار بالفتح : الملك من الأبنية، ومنهُ " ما غُزِيَ قومٌ في عُقْرِ دارِهمِ إلاَّ ذُلُّوا "، وبعضهم يخصه بالنَّخل.
والعُقارُ بالضمِّ : الخمر ؛ لأنَّها كالعَاقِرَة للعقل، ورفع عَقِيْرَتَهُ أي : صَوْتَهُ، وأصله أن رجلاً عَقَر رجْلَه فرفع صوته فاستعير لكلِّ صائحٍ، والعُقر بالضمِّ : المَهْرُ.
وأضاف العقر إليهم مع أنَّه ما كان باشره إلا بعضهم ؛ لأنَّهُ كان برضاهم.
قوله :" وَعَتَوْا " العُتُوُّ، والعُتِيُّ : النُّبُوُّ أي : الارتفاع عن الطَّاعة يقال منه : عَتَا يَعْتُوا عُتْوّاً وعُتِيّاً بقلب الواوين ياءين، والأحسن فيه إذا كان مصدراً تصحيح الواوين كقوله : وَعَتَوْ عُتُوّاً كَبِيراً [ الفرقان : ٢١ ] وإذا كان جمعاً الإعلالُ نحو : قوم عُتِيٌّ، لأنَّ الجمع أثقلُ، قياسُه الإعلال تخفيفاً.
وقوله : أَشَدُّ عَلَى الرحمن عِتِيّاً [ مريم : ٦٦ ] محتمل للوجهين قوله : وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكبر عِتِيّاً [ مريم : ٨ ] أي : حالة تتعذر مداواتي فيها كقوله :[ الكامل ]
. . . *** وَمِنَ العَنَاءِ رِيَاضَةُ الهَرِمِ٥
وقيل : العاتي : الجاسي أي اليَابِسُ. ويقال : عَثَا يَعْثُوا عُثُوّاً بالثاء المثلثة من مادة أخرى ؛ لأنَّهُ يقال : عَثِي يَعْثَى عِثِيّاً وعثا يَعْثُو عُثُواً، [ فهو في إحْدَى لغتيه يشاركه " عَتَا " بالمثناة وزناً ومعنى، ويقاربه في حروفه. والعيث أيضاً - بتقديم الياء من أسْفَل ]٦ على الثاي المثلثة - هو الفساد، فيحتمل أن يكون أصلاً، وأن يكون مقلوباً فيه.
وبعضهم يجعل العَيْث الفساد المدرك حِسّاً، والعِثِيَّ في المدرك حكماً، وقد تقدَّم طرفٌ من هذا.
ومعنى الآية : استكبورا عن امتثال أمر ربّهم وكذّبوا بنبيهم.
قوله : وَقَالُواْ يَاصَالِحُ ائتنا يجوزُ لك على رواية من يسهِّل الهمزة وهو وَرْشٌ والسوسي أن تقلب الهمزة واواً، فتلفظ بصورة " يَا صالح وُتِنا " في الوصل خاصة تُبْدل الهمزة بحركة ما قبلها، وإن كانت منفصلة من كلمة أخْرَى.
وقرأ عاصمْ٧ وعيسى بْنُ عُمَرَ " أُوْتِنَا " بهمزة وإشباع ضم ولعله عاصم الجحدريّ لا عاصم بن أبي النجود، وهذه القراءة لا تبعد عن الغلطِ ؛ لأن همزة الوصل في هذا النحو مكسورة فمن أين جاءت ضمة الهمزة إلاَّ على التوهُّم ؟
قوله :" بِمَا تَعِدُنَا " العائِدُ محذوف أي :" تَعِدُناه " ولا يجوز أن تقدر " تَعِدُنا " متعدياً غليه بالباء، وإنْ كان الأصْلُ تعديته إليه بها، لئلا يلزم حذف العائد المجرور بحرف من غير اتّحاد متعلقهما لأن " بِمَا " متعلِّقٌ ب " الإتيان "، و " به " متعلق ب " الوعد " ثم قالوا إِن كُنتَ مِنَ المرسلين وإنما قالوا ذلك ؛ لأنَّهم كانوا مكذبين في كل ما أخبر عنه من الوَعْدِ والوَعِيدِ.
٢ ينظر: تهذيب اللغة ١/٢١٥..
٣ تقدم..
٤ سقط من أ..
٥ البيت ينظر: عيون الأخبار ٢/٣٦٩، وشرح المفضليات ١/٦٥، اللسان (جسا)، الدر المصون ٣/٢٩٥..
٦ سقط من أ..
٧ ينظر: البحر المحيط ٤/٣٣٤، والدر المصون ٣/٢٩٥..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود