ﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰ

وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ ٨٠ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ ٨١ وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ٨٢ فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ٨٣ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ٨٤
قصة لوط عليه السلام
خير ما يعرف به لوط عليه السلام أنه ابن أخي إبراهيم خليل الرحمن ( صلى الله على نبينا وعليهما وسلم ) كما في كتب الأنساب العربية وسفر التكوين وفيه أن اسم والده ( حاران ) وأنه ولد في ( أور الكلدانيين ) وهي في طرف الجانب الشرقي من جنوب العراق الغربي من ولاية البصرة وكانت تلك البقعة تسمى أرض بابل. وأنه بعد موت والده سافر مع عمه إبراهيم عليه السلام إلى ما بين النهرين الذي كان يسمى جزيرة قورا ومنه ما يسمى الآن بجزيرة ابن عمر وهو مكان تحيط به دجلة فقط ( وهناك كانت مملكة أشور ) فإلى أرض كنعان من سوريا. ثم أسكنه إبراهيم في شرق الأردن باختياره لها لجودة مراعيها، وكان في ذلك المكان المسمى بعمق السديم بقرب البحر الميت الذي سمي ببحر لوط أيضا القرى أو المدن الخمس : سدوم وعمورة وأدمة وصبوبيم وبالع التي سميت بعد ذلك صوغر لصغرها، فسكن لوط عليه السلام في عاصمتها سدوم التي كانت تعمل الخبائث، ولا يعلم أحد الآن أين كانت تلك القرى من جوار حبر لوط إذ لم يوجد من الآثار ما يدل عليها، فمن المؤرخين من يظن أن البحر غمر موضعها ولا دليل على ذلك. وكانت عمورة تلي سدوم في الكبر وفي الفساد، وهما اللتان يحفظ اسمهما الناس إلى الآن.
واسم لوط مصروف وإن كان أعجميا لكونه ثلاثيا ساكن الوسط كنوح وقال بعض المفسرين إنه عربي من مادة لاط الشيء بالشيء لوطا أي لصق ولكن بعض أهل الكتاب يقول إن معنى كلمة لوط بالعبرانية " ستر " فهي من الكلمات التي تختلف معنى مادتها العربية عن مادتها العبرية والسريانية أختي العربية الصغريين، على أنه يقرب منه فإن اللصوق ضرب من الستر. ويراجع ما ذكرناه في لغة إبراهيم في تفسير الآية ( ٧٥س ٦ ) ( ج ٧ ).
وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا أي أرسلنا عليهم مطرا عجيبا أمره وهو الحجارة التي رجموا بها قال الزمخشري في الكشاف : الفرق بين مطر وأمطر أن معنى مطرتهم السماء أصابتهم بالمطر كقولهم غاثتهم ووبلتهم وجادتهم ورهمتهم١ ويقال أمطرت عليهم كذا بمعنى أرسلته عليهم إرسال المطر اه وعن بعض أئمة اللغة أن مطر وأمطر بمعنى واحد كما في الصحاح وقال آخرون إن :" مطر " لا يستعمل إلا في الرحمة و " أمطر " لا يستعمل إلا في العذاب نقل هذا عن أبي عبيدة وتبعه الراغب والفيروزبادي في القاموس. والتحقيق أنه يقال : مطرتهم السماء وأمطرتهم وسماء ماطرة وممطرة قاله الزمخشري في حقيقة المادة من أساس البلاغة. ثم قال : ومن المجاز أمطر الله عليهم الحجارة اه فالأمطار حقيقة في المطر مجاز فيما يشبهه في الكثرة من خير وشر حسيين أو معنويين مما يجيء من السماء أو من الأرض. وما قال من قال إنه خاص بالشر إلا من تكرر الآيات في إرسال الحجارة على قوم لوط، وقوله تعالى حكاية عن بعض كفار قريش : وإذ قالوا اللهم إن كان هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ( الأنفال ٣٢ ) وغفلوا عن قوله في سورة الأحقاف : فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا ( الأحقاف ٢٤ )
نحن نؤمن بهذه الآية كما وردت في سورة القرآن ولا نقول في حقيقتها وصفتها قولا جازما، ولكن يجوز عقلا أن يكون سبب إمطار الحجارة على قوم لوط إرسال إعصار من الريح حملتها وألقتها عليهم، ومثل هذا معهود وقد أخبرنا بعض أهل ساحل البحر أن السماء أمطرت عليهم مرة طينا ومرة سمكا أي مع المطر وسألوا من أين جاء ذلك ؟ فقلنا : أما التراب فأثارته السافياء من الريح فحملته إلى السحاب فنزل مع المطر طينا، وأما السمك فهذا الإعصار الذي يرى متدليا من السحاب إلى البحر أو مرتفعا من البحر إلى السحاب كعمود من الدخان وتسمونه التنين هو الذي يرفع الماء من البحر إلى السحاب، فاتفق أن كان فيما رفعه سمك حملته الريح إليكم لقربكم من البحر.
ويحتمل أن تكون تلك الحجارة من بعض النجوم المحطمة التي يسميها الفلكيون الحجارة النيزكية وهي بقايا كوكب محطم تجذبه الأرض إليها إذا صارت بالقرب منها وهي تحترق غالبا من سرعة الجذب وشدته وهي الشهب التي ترى في الليل فإذا سلم منها شيء من الاحتراق ووصل إلى الأرض ساخ فيها، وكان لسقوطه صوت شديد، وقد اهتدى الناس إلى بعض هذه الحجارة ووضعوها في المتاحف، ولم يعهد أن تكون كثيرة، والآيات تخالف المعهود وتخترق المعتاد وإن كانت موافقة لسنن خفية في الكون بفعل الله عز وجل. وفي سورتي هود والحجر أنها حجارة من سجيل مسومة. واختلف رواة التفسير في تفسير السجيل قال مجاهد هو بالفارسية أولها حجارة وآخرها طين، وفي قوله :" مسومة " قال معلمة. ومثله عن شيخه ابن عباس رضي الله عنه قال : حجارة فيها طين وقال السوم بياض في حمرة وقال الراغب : والسجيل حجر وطين مختلط وأصله فيما قيل فارسي معرب اه وهذا يرجح الوجه الأول وهو كون تلك الحجارة من الأرض وقلعتها أعاصير من أرض رطبة من المطر أو غيره. وحجارة النيازك لا تكون إلا جافة بل تسقط حامية من شدة الجذب ثم تبرد، وقال الأستاذ الإمام في تفسير سورة الفيل السجيل طين متحجر. والصواب الأول وأنه فارسي الأصل. وسنعوذ إلى هذا البحث في تفسير سورة هود إن شاء الله تعالى، وفيها أن الله تعالى جعل عالي تلك القرى سافلها، ونبين أن وقوع هذا وذاك بالسنن الإلهية الجلية أو الخفية لا ينافي كونها آية.
فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ الخطاب لكل من يسمع القصة أو يقرؤها من أهل النظر والاعتبار والمراد أن يعلم أن عاقبة القوم المجرمين لا تكون إلا وبالا وعقابا فإن الأمم تعاقب على ذنوبها في الدنيا قبل الآخرة باطراد. وقد بينا من قبل أن عقابها إما أن يكون أثرا طبيعيا للذنب كالترف والسرف في الفسق يفسد أخلاق الأمة ويذهب ببأسها أو يجعله بينها شديدا بتفرق كلمتها واختلاف أحزابها وتعاديهم، فيترتب على ذلك تسلط أمة أخرى عليها تستذلها بسلب استقلالها، وتسخيرها في منافعها، حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين بذهاب مقوماتها ومشخصاتها، أو اندغامها في الأمة الغالبة أو انقراضها، وإما أن يكون بما يحدث بسنن الله تعالى في الأرض من الجوائح الطبيعية كالزلازل والخسف وإمطار النار والمواد المصطهرة التي تقذفها البراكين من الأرض والأوبئة او الانقلابات الاجتماعية كالحروب والثورات والفتن. وهنالك نوع ثالث وهو ما كان من آيات الرسل ( ع. م ) وقد انقضى زمانه بختمهم بنبي الرحمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم راجع تفسير قل هل القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم او يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض ( الأنعام ٦٥ ) ( ج ٧ ).
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:حظر اللواطة والعقاب عليها ومفاسدها
أجمع العلماء على أن اللواطة من كبائر المعاصي لأن الله تعالى سماها فاحشة وخبيثة وقد وردت عدة أحاديث في لعن فاعلها عند النسائي وابن حبان وصححه الطبراني والبيهقي وصحح بعضها الحاكم، وهي على كل حال يؤيد بعضها بعضا في أمر قطعي بالنص معلوم من الدين بالضرورة. وروى الترمذي وابن ماجه والحاكم من حديث جابر بن عبد الله مرفوعا " إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط " ٢ صححه الحاكم وقال الترمذي حسن غريب ومن حديثه عند الطبراني " إذا ظلم أهل الذمة كانت الدولة دولة العدو، وإذا كثر الزنا كثر السباء، وإذا كثر اللوطية رفع الله يده عن الخلق فلا يبالي في أي واد هلكوا " وإسناده ضعيف.
وروى أحمد وغير النسائي من أصحاب السنن من طريق عكرمة عن ابن عباس مرفوعا " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به " ٣ قال الحافظ ابن حجر في التلخيص واستنكره النسائي ورواه ابن ماجه والحاكم من حديث أبي هريرة وإسناده أضعف من الأول بكثير. ثم نقل عن ابن الطلاع في أحكامه تصحيح الحديث ورده بأن حديث أبي هريرة لا يصح وأن ابن ماجه رواه من طريق عاصم بن عمر العمري بلفظ " فارجموا الأعلى والأسفل " وقال عاصم متروك وحديث ابن عباس مختلف في ثبوته اهـ ملخصا. ولكن الشوكاني قال في حديث ابن عباس إن الحافظ قال : رجاله موثقون إلا أن فيه اختلافا، وأن الشيخين احتجا بعمرو بن أبي عمير الذي ضعف به، ثم ذكر عبارة ابن الطلاع وتعقب الحافظ لها. وأورد بعض الأخبار والآثار في ذلك ثم قال في أحكامها ما نصه :
" وقد اختلف أهل العلم في عقوبة الفاعل للواط والمفعول به بعد اتفاقهم على تحريمه وأنه من الكبائر للأحاديث المتواترة في تحريمه ولعن فاعله ( أي تواترا معنويا ) فذهب من ذكر من الصحابة ( يعني الذين استشارهم أبو بكر في المسألة ) وعلي ( وهو منهم وابن عباس ) إلى أن حده القتل ولو كان بكرا سواء كان فاعلا أو مفعولا وإليه ذهب الشافعي والناصر والقاسم بن إبراهيم، واستدلوا بما ذكره المصنف ( يعني صاحب المنتقى ) من حديث عكرمة عن ابن عباس في رجمه اللوطية، وذكرناه في هذا الباب وهو بمجموعه ينتهض للاحتجاج به. وقد اختلفوا في كيفية قتل اللوطي فروي عن علي أنه يقتل بالسيف ثم يحرق لعظم المعصية وإلى ذلك ذهب أبو بكر كما تقدم عنه ( أي عملا برأي علي في الشورى ) وذهب عمر وعثمان إلى أنه يلقى عليه حائط، وذهب ابن عباس إلى أنه يلقى من أعلى بناء في البلد ( أقول والروايتان ضعيفتان وأهونهما الثانية لأن أبنيتهم كانت واطئة جدا ) وقد حكى صاحب الشفاء إجماع الصحابة على القتل. وقد حكى البغوي عن الشعبي والزهري ومالك وأحمد وإسحاق أنه يرجم ثم ذكر قول من قالوا إن اللواطة كالزنا فحدهما واحد وبحث في تخصيص اللوطي بعقاب. وقفى عليه بقوله :
" وما أحق مرتكب هذه الجريمة، ومقارف هذه الرذيلة الذميمة، بأن يعاقب عقوبة يصير بها عبرة للمعتبرين، ويعذب تعذيبا يكسر شهوة الفسقة المتمردين، فحقيق بمن أتى بفاحشة قوم ما سبقهم بها من أحد من العالمين، أن يصلى من العقوبة بما يكون في الشدة والشناعة مشابها لعقوبتهم وقد خسف الله تعالى بهم، واستأصل بذلك العذاب بكرهم وثيبهم. وذهب أبو حنيفة والشافعي في قول له والمرتضى والمؤيد بالله إلى أنه يعزر اللوطي فقط. ولا يخفى ما في هذا المذهب من المخالفة للأدلة المذكورة في خصوص اللوطي، والأدلة الواردة في الزاني على العموم اهـ.
أقول ومما قاله الحنفية في هذا التعزير أنه يكون بالجلد والحبس في أنتن بقعة وبالسجن حتى يموت أو يتوب. وقد تقدم في تفسير واللائي يأتين الفاحشة من نسائكم ( النساء ١٤ ) الآيتين إن أبا مسلم الخراساني فسر اللائي يأتين الفاحشة من النساء بالمساحقات واللذين يأتيانها من الرجال باللائط والملوط به، وإن الجلال قال إنها في الزنا واللواط جميعا. وبينا أن الأستاذ الإمام رجح قول أبي مسلم في الآيتين. وهو يوافق قول من قالوا إن عقاب اللواطة التعزير ولكن بما فيه إيذاء لا مطلقا، فالتعزير يكون بالقول والفعل وبما فيه تعذيب وما لا تعذيب فيه ( راجع ج ٤ ).
ابتلاء مترفي الحضارة بهذه الفاحشة
ليس لدينا أثارة من التاريخ في سبب ابتلاء قوم لوط بهذه الفاحشة ولكن روى ابن إسحاق عن بعض رواة ابن عباس أن إبليس تزيا لهم في صورة أجمل صبي رآه الناس فدعاهم إلى نفسه ثم جروا على ذلك. وهذا أثر لا يثبت به شيء. وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس أنه كانت لهم ثمار بعضها على ظهر الطريق وإنه أصابهم قحط وقلة ثمار فتواطؤوا على منع ثمارهم الظاهرة أن يصيب منها أبناء السبيل بأن يعاقبوا كل غريب يأخذونه في ديارهم بإتيانه وتغريمه أربعة دراهم. قالوا : فإن الناس لا يظهرون ببلادكم إذا فعلتم ذلك. ففعلوه فألفوه. وإنا لنعلم أن العرب كانت تنزه أنفسها عن هذه الفاحشة في الجاهلية وفي أول الإسلام بالأولى، وما أشرنا إليه آنفا من تشاور الصحابة في العقاب عليها كان سببه أن خالد بن الوليد رضي الله عنه كتب إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه : أنه وجد رجلا في بعض ضواحي بلاد العرب ينكح كما تنكح المرأة. فجمع لذلك أبو بكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واستشارهم في هذا الأمر إذ لم يسبق له مثل، فأشار علي كرم الله وجهه بأن يحرق بالنار أي بعد قتله كما تقدم فوافقه الصحابة وكتب أبو بكر إلى خالد بذلك فأمضاه. رواه ابن أبي الدنيا والبيهقي من طريقه بإسناد جيد، والمراد بقول خالد رضي الله عنه ضواحي بلاد العرب ما يلي بلاد فارس منها إذ كان هناك، ولم نعلم جنس ذلك الرجل ولا بد أن يكون من الأعاجم. وروى البيهقي عن عائشة : أول من اتهم بالأمر القبيح تعني عمل قوم لوط رجل على عهد عمر فأمر عمر بعض شباب قريش أن لا يجالسوه أي لمجرد التهمة.
هذه الفاحشة من سيئات ترف الحضارة وهي تكثر في المسرفين في الترف ولاسيما حيث يتعسر الاستمتاع بالنساء، كثكنات الجند والمدارس التي لا تشتد المراقبة الدينية الأدبية فيها على التلاميذ. ومن أسباب ابتلاء بعض فساق المسلمين بها في عنفوان حضارتهم احتجاب النساء وعفتهن مع ضعف التربية الدينية، وكثرة المماليك من أبناء الأعاجم الحسان الصور والاتجار بهم. قال الفقيه ابن حجر في آخر الكلام على هذه الكبيرة من كتابه الزواجر ما نصه :
" وأجمعت الأمة على أن من فعل بمملوكه فعل قوم لوط من اللوطية المجرمين الفاسقين الملعونين، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وقد فشا ذلك في التجار والمترفين فاتخذوا حسان المماليك سودا وبيضا لذلك، فعليهم أشد اللعنة الدائمة الظاهرة، وأعظم الخزي والبوار والعذاب في الدنيا والآخرة، ما داموا على هذه القبائح الشنيعة الفظيعة، الموجبة للفقر وهلاك الأموال وانمحاق البركات والخيانة في المعاملات والأمانات. ولذلك تجد أكثرهم قد افتقر من سوء ما جناه، وقبيح معاملته لمن أنعم عليه وأعطاه، ولم يرجع إلى بارئه وخالقه، وموجده ورازقه، بل بارزه بهذه المبارزة المبنية على خلع جلباب الحياء والمروة، والتخلي عن سائر صفات أهل الشهامة والفتوة، والتحلي بصفات البهائم بل بأقبح وأفظع صفة وخلة، إذ لا نجد حيوانا ذكرا ينكح مثله، فناهيك برذيلة تعفف عنها الحمير، فكيف يليق فعلها بمن هو في صورة رئيس أو كبير ؟ كلا بل هو أسفل من قدره، وأشأم من خبره، وأنتن من الجيف، وأحق بالشرور والسرف، وأخو الخزي والمهانة، وخائن عهد الله وما له عنده من الأمانة فبعدا له وسحقا، وهلاكا في جهنم وحرقا اهـ.
وقال السيد الآلوسي في آخر تفسير هذه القصة من روح المعاني : وبعض الفسقة اليوم دمرهم الله تعالى يهونون أمرها ويتمنون بها ويفتخرون بالإكثار منها، ومنهم من يفعلها أخذا للثار ولكن من أين ؟ ومنهم من يحمد الله سبحانه عليها مبنية للمفعول، وذلك لأنهم نالوا الصدارة بأعجازهم نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة اهـ.
وأقول إن هذه الفتن بالمرد هي التي حملت بعض الفقهاء على تحريم النظر إلى الغلام الأمرد ولاسيما إذا كان جميل الصورة، أطلقه بعضهم وخصه آخرون بنظر الشهوة الذي هو ذريعة الفاحشة. روى ابن أبي الدنيا والبيهقي عن الوضين بن عطاء عن بعض التابعين قال : كانوا يكرهون أن يحد الرجل النظر إلى وجه الغلام الجميل وعن الحسن بن ذكوان أنه قال : لا تجالسوا أولاد الأغنياء فإن لهم صورا كصور النساء وهم أشد فتنة من العذارى وعن النجيب بن السدي قال كان يقال : لا يبيت الرجل في بيت مع المرد وعن ابن سهل قال سيكون في هذه الأمة قوم يقال لهم اللوطيون على ثلاثة أصناف : صنف ينظرون، وصنف يصافحون، وصنف يعملون ذلك العمل.
وعن مجاهد قال : لو أن الذي يعمل ذلك العمل ( يعني عمل قوم لوط ) اغتسل بكل قطرة في السماء وكل قطرة في الأرض لم يزل نجسا. وأخرج البيهقي عن عبد الله بن المبارك قال دخل سفيان الثوري الحمام، فدخل عليه غلام صبيح فقال أخرجوه فإني أرى مع كل امرأة شيطانا ومع كل غلام بضعة عشر شيطانا. يعني أن الوسوسة والإغراء بالغلام الجميل يزيد على الإغراء بالمرأة بضعة عشر ضعفا لسهولة الوصول إليه وكثرة وسائله، وهل كان من الممكن أن تدخل المرأة الحمام على الرجال كما دخل فيه الغلام وكما يدخل النساء في غير بلاد المسلمين، حتى أنهن يتولين تنظيف الرجال في الحمامات. ومن وسائل الافتتان بالمرد التعليم والانتساب إلى طريقة المتصوفة فيجعل الخير وسيلة إلى الشر، وكم فتن أستاذ من هؤلاء وأولئك بمريده وتلميذه وأخفى هواه حتى فسدت حاله، وساء مآله، وكم تهتك متهتك ففضح سره، واشتهر أمره، كالشيخ مدرك الذي عشق عمرا النصراني أحد التلاميذ الذين كانوا يأخذون عنه علم الأدب، فكتم هواه زمنا حتى غلبه فباح به فانقطع الغلام عن مجلسه فكتب إليه قصيدته المزدوجة المشهورة التي قال فيها :

إن كان ذنبي عنده الإسلام فقد سعت في نقضه الآثام
واختلت الصـلاة والصيام وجاز في الدين له الحرام

وجملة القول في هذه الفاحشة أنها :


١-
جناية على الفطرة البشرية.

٢-
مفسدة للشبان بالإسراف في الشهوة لأنها تنال بسهولة.

٣-
مذلة للرجال بما تحدثه فيهم من داء الأبنة، وقد أشرنا آنفا إلى ما فيه من خزي ومهانة.

٤-
مفسدة للنساء اللواتي تصرف أزواجهن عنهن، حتى يقصروا فيما يجب عليهم من إحصانهن، حدثني تاجر أنه دخلت دكانه مرة امرأة بارعة الجمال فأسفرت عن وجهها فقام لخدمتها دون أعوانه، فلما رأته دهشا بروعة حسنها قالت له : انظر أتجد فيَّ عيبا ؟ قال : أنى ولم أر مثلك قط ؟ قالت : ولكن زوجي فلانا يتركني عامة لياليه كالشيء اللقا ( هو الذي يلقى ويرمى لعدم الانتفاع به ) في غرف الدار ويلهو عني في الدور السفلي بغلمان الشوارع حتى مساحي الأحذية، وهو لا يشكو مني شيئا من خلق ولا خلق ولا تقصير في عمل ولا خيانة في مال ولا عرض. على أنه يعلم أنني أعلم هذا ولا يبالي به ولا يحسب حسابا لعواقبه...
ومن البديهي أنه يقل في النساء من تصبر على هذا الظلم طويلا في مثل هذه البلاد ( المصرية ) التي تروج في مدنها أسواق الفسق بما له فيها من المواخير السرية والجهرية، وأما المدن التي يعسر فيها السفاح، واتخاذ الأخدان فكثيرا ما يستغني فيه

١ رهمتهم: أي أصابتهم بالويل والغيث والجود بفتح أولهن، والرهام والرهمة بكسر أولهما: بمعنى المطر إلا أن اول المطر الشديد ووالرهام المطر الخفيف الين المتواصل..

حظر اللواطة والعقاب عليها ومفاسدها
أجمع العلماء على أن اللواطة من كبائر المعاصي لأن الله تعالى سماها فاحشة وخبيثة وقد وردت عدة أحاديث في لعن فاعلها عند النسائي وابن حبان وصححه الطبراني والبيهقي وصحح بعضها الحاكم، وهي على كل حال يؤيد بعضها بعضا في أمر قطعي بالنص معلوم من الدين بالضرورة. وروى الترمذي وابن ماجه والحاكم من حديث جابر بن عبد الله مرفوعا " إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط " ٢ صححه الحاكم وقال الترمذي حسن غريب ومن حديثه عند الطبراني " إذا ظلم أهل الذمة كانت الدولة دولة العدو، وإذا كثر الزنا كثر السباء، وإذا كثر اللوطية رفع الله يده عن الخلق فلا يبالي في أي واد هلكوا " وإسناده ضعيف.
وروى أحمد وغير النسائي من أصحاب السنن من طريق عكرمة عن ابن عباس مرفوعا " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به " ٣ قال الحافظ ابن حجر في التلخيص واستنكره النسائي ورواه ابن ماجه والحاكم من حديث أبي هريرة وإسناده أضعف من الأول بكثير. ثم نقل عن ابن الطلاع في أحكامه تصحيح الحديث ورده بأن حديث أبي هريرة لا يصح وأن ابن ماجه رواه من طريق عاصم بن عمر العمري بلفظ " فارجموا الأعلى والأسفل " وقال عاصم متروك وحديث ابن عباس مختلف في ثبوته اهـ ملخصا. ولكن الشوكاني قال في حديث ابن عباس إن الحافظ قال : رجاله موثقون إلا أن فيه اختلافا، وأن الشيخين احتجا بعمرو بن أبي عمير الذي ضعف به، ثم ذكر عبارة ابن الطلاع وتعقب الحافظ لها. وأورد بعض الأخبار والآثار في ذلك ثم قال في أحكامها ما نصه :
" وقد اختلف أهل العلم في عقوبة الفاعل للواط والمفعول به بعد اتفاقهم على تحريمه وأنه من الكبائر للأحاديث المتواترة في تحريمه ولعن فاعله ( أي تواترا معنويا ) فذهب من ذكر من الصحابة ( يعني الذين استشارهم أبو بكر في المسألة ) وعلي ( وهو منهم وابن عباس ) إلى أن حده القتل ولو كان بكرا سواء كان فاعلا أو مفعولا وإليه ذهب الشافعي والناصر والقاسم بن إبراهيم، واستدلوا بما ذكره المصنف ( يعني صاحب المنتقى ) من حديث عكرمة عن ابن عباس في رجمه اللوطية، وذكرناه في هذا الباب وهو بمجموعه ينتهض للاحتجاج به. وقد اختلفوا في كيفية قتل اللوطي فروي عن علي أنه يقتل بالسيف ثم يحرق لعظم المعصية وإلى ذلك ذهب أبو بكر كما تقدم عنه ( أي عملا برأي علي في الشورى ) وذهب عمر وعثمان إلى أنه يلقى عليه حائط، وذهب ابن عباس إلى أنه يلقى من أعلى بناء في البلد ( أقول والروايتان ضعيفتان وأهونهما الثانية لأن أبنيتهم كانت واطئة جدا ) وقد حكى صاحب الشفاء إجماع الصحابة على القتل. وقد حكى البغوي عن الشعبي والزهري ومالك وأحمد وإسحاق أنه يرجم ثم ذكر قول من قالوا إن اللواطة كالزنا فحدهما واحد وبحث في تخصيص اللوطي بعقاب. وقفى عليه بقوله :
" وما أحق مرتكب هذه الجريمة، ومقارف هذه الرذيلة الذميمة، بأن يعاقب عقوبة يصير بها عبرة للمعتبرين، ويعذب تعذيبا يكسر شهوة الفسقة المتمردين، فحقيق بمن أتى بفاحشة قوم ما سبقهم بها من أحد من العالمين، أن يصلى من العقوبة بما يكون في الشدة والشناعة مشابها لعقوبتهم وقد خسف الله تعالى بهم، واستأصل بذلك العذاب بكرهم وثيبهم. وذهب أبو حنيفة والشافعي في قول له والمرتضى والمؤيد بالله إلى أنه يعزر اللوطي فقط. ولا يخفى ما في هذا المذهب من المخالفة للأدلة المذكورة في خصوص اللوطي، والأدلة الواردة في الزاني على العموم اهـ.
أقول ومما قاله الحنفية في هذا التعزير أنه يكون بالجلد والحبس في أنتن بقعة وبالسجن حتى يموت أو يتوب. وقد تقدم في تفسير واللائي يأتين الفاحشة من نسائكم ( النساء ١٤ ) الآيتين إن أبا مسلم الخراساني فسر اللائي يأتين الفاحشة من النساء بالمساحقات واللذين يأتيانها من الرجال باللائط والملوط به، وإن الجلال قال إنها في الزنا واللواط جميعا. وبينا أن الأستاذ الإمام رجح قول أبي مسلم في الآيتين. وهو يوافق قول من قالوا إن عقاب اللواطة التعزير ولكن بما فيه إيذاء لا مطلقا، فالتعزير يكون بالقول والفعل وبما فيه تعذيب وما لا تعذيب فيه ( راجع ج ٤ ).
ابتلاء مترفي الحضارة بهذه الفاحشة
ليس لدينا أثارة من التاريخ في سبب ابتلاء قوم لوط بهذه الفاحشة ولكن روى ابن إسحاق عن بعض رواة ابن عباس أن إبليس تزيا لهم في صورة أجمل صبي رآه الناس فدعاهم إلى نفسه ثم جروا على ذلك. وهذا أثر لا يثبت به شيء. وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس أنه كانت لهم ثمار بعضها على ظهر الطريق وإنه أصابهم قحط وقلة ثمار فتواطؤوا على منع ثمارهم الظاهرة أن يصيب منها أبناء السبيل بأن يعاقبوا كل غريب يأخذونه في ديارهم بإتيانه وتغريمه أربعة دراهم. قالوا : فإن الناس لا يظهرون ببلادكم إذا فعلتم ذلك. ففعلوه فألفوه. وإنا لنعلم أن العرب كانت تنزه أنفسها عن هذه الفاحشة في الجاهلية وفي أول الإسلام بالأولى، وما أشرنا إليه آنفا من تشاور الصحابة في العقاب عليها كان سببه أن خالد بن الوليد رضي الله عنه كتب إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه : أنه وجد رجلا في بعض ضواحي بلاد العرب ينكح كما تنكح المرأة. فجمع لذلك أبو بكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واستشارهم في هذا الأمر إذ لم يسبق له مثل، فأشار علي كرم الله وجهه بأن يحرق بالنار أي بعد قتله كما تقدم فوافقه الصحابة وكتب أبو بكر إلى خالد بذلك فأمضاه. رواه ابن أبي الدنيا والبيهقي من طريقه بإسناد جيد، والمراد بقول خالد رضي الله عنه ضواحي بلاد العرب ما يلي بلاد فارس منها إذ كان هناك، ولم نعلم جنس ذلك الرجل ولا بد أن يكون من الأعاجم. وروى البيهقي عن عائشة : أول من اتهم بالأمر القبيح تعني عمل قوم لوط رجل على عهد عمر فأمر عمر بعض شباب قريش أن لا يجالسوه أي لمجرد التهمة.
هذه الفاحشة من سيئات ترف الحضارة وهي تكثر في المسرفين في الترف ولاسيما حيث يتعسر الاستمتاع بالنساء، كثكنات الجند والمدارس التي لا تشتد المراقبة الدينية الأدبية فيها على التلاميذ. ومن أسباب ابتلاء بعض فساق المسلمين بها في عنفوان حضارتهم احتجاب النساء وعفتهن مع ضعف التربية الدينية، وكثرة المماليك من أبناء الأعاجم الحسان الصور والاتجار بهم. قال الفقيه ابن حجر في آخر الكلام على هذه الكبيرة من كتابه الزواجر ما نصه :
" وأجمعت الأمة على أن من فعل بمملوكه فعل قوم لوط من اللوطية المجرمين الفاسقين الملعونين، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وقد فشا ذلك في التجار والمترفين فاتخذوا حسان المماليك سودا وبيضا لذلك، فعليهم أشد اللعنة الدائمة الظاهرة، وأعظم الخزي والبوار والعذاب في الدنيا والآخرة، ما داموا على هذه القبائح الشنيعة الفظيعة، الموجبة للفقر وهلاك الأموال وانمحاق البركات والخيانة في المعاملات والأمانات. ولذلك تجد أكثرهم قد افتقر من سوء ما جناه، وقبيح معاملته لمن أنعم عليه وأعطاه، ولم يرجع إلى بارئه وخالقه، وموجده ورازقه، بل بارزه بهذه المبارزة المبنية على خلع جلباب الحياء والمروة، والتخلي عن سائر صفات أهل الشهامة والفتوة، والتحلي بصفات البهائم بل بأقبح وأفظع صفة وخلة، إذ لا نجد حيوانا ذكرا ينكح مثله، فناهيك برذيلة تعفف عنها الحمير، فكيف يليق فعلها بمن هو في صورة رئيس أو كبير ؟ كلا بل هو أسفل من قدره، وأشأم من خبره، وأنتن من الجيف، وأحق بالشرور والسرف، وأخو الخزي والمهانة، وخائن عهد الله وما له عنده من الأمانة فبعدا له وسحقا، وهلاكا في جهنم وحرقا اهـ.
وقال السيد الآلوسي في آخر تفسير هذه القصة من روح المعاني : وبعض الفسقة اليوم دمرهم الله تعالى يهونون أمرها ويتمنون بها ويفتخرون بالإكثار منها، ومنهم من يفعلها أخذا للثار ولكن من أين ؟ ومنهم من يحمد الله سبحانه عليها مبنية للمفعول، وذلك لأنهم نالوا الصدارة بأعجازهم نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة اهـ.
وأقول إن هذه الفتن بالمرد هي التي حملت بعض الفقهاء على تحريم النظر إلى الغلام الأمرد ولاسيما إذا كان جميل الصورة، أطلقه بعضهم وخصه آخرون بنظر الشهوة الذي هو ذريعة الفاحشة. روى ابن أبي الدنيا والبيهقي عن الوضين بن عطاء عن بعض التابعين قال : كانوا يكرهون أن يحد الرجل النظر إلى وجه الغلام الجميل وعن الحسن بن ذكوان أنه قال : لا تجالسوا أولاد الأغنياء فإن لهم صورا كصور النساء وهم أشد فتنة من العذارى وعن النجيب بن السدي قال كان يقال : لا يبيت الرجل في بيت مع المرد وعن ابن سهل قال سيكون في هذه الأمة قوم يقال لهم اللوطيون على ثلاثة أصناف : صنف ينظرون، وصنف يصافحون، وصنف يعملون ذلك العمل.
وعن مجاهد قال : لو أن الذي يعمل ذلك العمل ( يعني عمل قوم لوط ) اغتسل بكل قطرة في السماء وكل قطرة في الأرض لم يزل نجسا. وأخرج البيهقي عن عبد الله بن المبارك قال دخل سفيان الثوري الحمام، فدخل عليه غلام صبيح فقال أخرجوه فإني أرى مع كل امرأة شيطانا ومع كل غلام بضعة عشر شيطانا. يعني أن الوسوسة والإغراء بالغلام الجميل يزيد على الإغراء بالمرأة بضعة عشر ضعفا لسهولة الوصول إليه وكثرة وسائله، وهل كان من الممكن أن تدخل المرأة الحمام على الرجال كما دخل فيه الغلام وكما يدخل النساء في غير بلاد المسلمين، حتى أنهن يتولين تنظيف الرجال في الحمامات. ومن وسائل الافتتان بالمرد التعليم والانتساب إلى طريقة المتصوفة فيجعل الخير وسيلة إلى الشر، وكم فتن أستاذ من هؤلاء وأولئك بمريده وتلميذه وأخفى هواه حتى فسدت حاله، وساء مآله، وكم تهتك متهتك ففضح سره، واشتهر أمره، كالشيخ مدرك الذي عشق عمرا النصراني أحد التلاميذ الذين كانوا يأخذون عنه علم الأدب، فكتم هواه زمنا حتى غلبه فباح به فانقطع الغلام عن مجلسه فكتب إليه قصيدته المزدوجة المشهورة التي قال فيها :
إن كان ذنبي عنده الإسلام فقد سعت في نقضه الآثام
واختلت الصـلاة والصيام وجاز في الدين له الحرام
وجملة القول في هذه الفاحشة أنها :
١- جناية على الفطرة البشرية.
٢- مفسدة للشبان بالإسراف في الشهوة لأنها تنال بسهولة.
٣- مذلة للرجال بما تحدثه فيهم من داء الأبنة، وقد أشرنا آنفا إلى ما فيه من خزي ومهانة.
٤- مفسدة للنساء اللواتي تصرف أزواجهن عنهن، حتى يقصروا فيما يجب عليهم من إحصانهن، حدثني تاجر أنه دخلت دكانه مرة امرأة بارعة الجمال فأسفرت عن وجهها فقام لخدمتها دون أعوانه، فلما رأته دهشا بروعة حسنها قالت له : انظر أتجد فيَّ عيبا ؟ قال : أنى ولم أر مثلك قط ؟ قالت : ولكن زوجي فلانا يتركني عامة لياليه كالشيء اللقا ( هو الذي يلقى ويرمى لعدم الانتفاع به ) في غرف الدار ويلهو عني في الدور السفلي بغلمان الشوارع حتى مساحي الأحذية، وهو لا يشكو مني شيئا من خلق ولا خلق ولا تقصير في عمل ولا خيانة في مال ولا عرض. على أنه يعلم أنني أعلم هذا ولا يبالي به ولا يحسب حسابا لعواقبه...
ومن البديهي أنه يقل في النساء من تصبر على هذا الظلم طويلا في مثل هذه البلاد ( المصرية ) التي تروج في مدنها أسواق الفسق بما له فيها من المواخير السرية والجهرية، وأما المدن التي يعسر فيها السفاح، واتخاذ الأخدان فكثيرا ما يستغني فيه

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير