الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها ]( الأعراف : ٩١-٩٢ ) فرد الله على الذين قالوا ما قالوا في شعيب : تولى الله الرد عنه عليهم ؛ لأنهم قالوا لقومهم :[ لأئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون ]( الأعراف : آية ٩٠ ) فرد الله عليهم فقال :[ الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها ]( الأعراف : آية ٩٢ ) اهلكوا وكأنهم لم يقيموا فيها أحياء أبدا، ثم قال وهو محل الشاهد من الرد :[ الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين ]وهو الخسران الحق لا الذين اتبعوه.
ومعنى قوله :[ الذين كذبوا شعيبا كان لم يغنوا فيها ]( الذين ) هنا اسم موصول، ومحله من الإعراب : مبتدأ، وخبر المبتدأ جملة :[ كان لم يغنوا فيها ] و( كأن ) مخففة من الثقيلة، وإذا خففت من الثقيلة نوي اسمها وقدر محذوفا كثيرا، وربما ظهر كما هو معروف في محله. والمعنى : كأنهم، أي : كأنه أي : الأمر والشأن لم يغنوا فيها أبدا.
وقوله :[ يغنوا ] هو مصدر ( غني يغنى غنى ) بفتحتين على القياس ؛ لأن المقرر في فن العربية : أن ( فاعل ) مكسورة العين إذا كانت لازمة ينقاس مصدرها على ( فعل ) بفتحتين، والعرب تقول :" غني بالمكان يغنى به غناء ". إذا أقام به في رفاهية، ومكان إقامته يسمى :( المغنى ) ويجمع على ( المغاني ) وهو معروف في لغة العرب كثيرا، ومنه قول الشاعر :
| ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة | في ظل ملك ثابت الأوتاد |
| غنينا زمانا بالتصعلك والغنى | فكل سقاناه بكأسيهما الدهر |
| فما زادنا بغيا على ذي قرابة | غناها ولا أزرى بأحسابنا الفقر |
أما ( الغنى ) بفتح وقصر فهو محل الشاهد هنا، وهو مصدر غني بالمكان يغنى به غناء إذا أقام به على الدوام.
أما ( الغناء ) بفتح الغين مع المد إلى الهمزة فهو الملاء. تقول العرب : " ماله غناء " أي : ماله ملاء. ومنه قول الشاعر :
قل الغناء إذا لاقى الفتى تلفا *** قول الأحبة : لا تبعد وقد بعدا
و( الغنى ) بكسر فقصر هو ضد الفقر، وهو أن يكون الإنسان غنيا مؤسرا.
وأما المطرب الخسيس الخبيث- الأصوات المطربة- فهو ( الغناء ) بكسر الغين ومدها إلى الهمزة.
فالغناء بالكسر والمد هو المطرب، والغنى بالكسر والقصر ضد الفقر، والغنى بالفتح والقصر هو الإقامة، والغناء بالفتح والمد هو الملاء، ومنه قول الشاعر :
قل الغناء إذا لاقى الفتى تلفا *** قول الأحبة : لا تبعد وقد بعدا
ومنه قول هبيرة ابن أبي وهب المخزومي-على إحدى الرواتين في بيته- يخاطب زوجه أم هانئ بنت أبي طالب لما هرب يوم الفتح إلى نجران ومات بها كافرا، أرسل لها يخاطبها :
| لعمري ما وليت ظهري محمدا | وأصحابه جبنا ولا خفية القتل |
| ولكنني قلبت أمري فلم أجد | لسيفي غناء إن ضربت ولا نبلي |
| وقفت فلما خفت ضيعة موقفي | رجعت كضرغام هزبر أبي شبل |
والمعنى : الذين كذبوا شعيبا دمرهم الله وأهلكهم إهلاكا مستأصلا حتى كأنهم لم يقيموا في دارهم يوما من الدهر أبدا ولم يوجدوا، والذي زال زوالا كليا تقول العرب : كأنه لم يكن يوما ما، كما قال أحد الجرهميين لما طردهم الخزاعيون من مكة :
| كان لم يكن بين الحجون إلى الصفا | أنيس ولم يسمر بمكة سامر |
ثم قال :[ الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين ] فرد عليهم كذبهم ردا فصيحا بليغا، يعني : ليس الخاسر من اتبع شعيبا ولكن من كذب شعيبا هم الخاسرون، وهذا معنى قوله :[ الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين ] والإتيان بالضمير بعد ( كان ) يدل على التوكيد.
وقد قدمنا في هذه الدروس مرارا معنى ( الخسران ) وما ضرب العلماء له من الأمثال. فالخاسرون : جمع الخاسر، وأصل الخسران في اللغة هو : ذهاب بعض مال التاجر، كأن يرزأ بشيء من ماله من ربح كان أو رأس مال، ولكن الخسران أقسم الله في كتابه على انه لا ينجى منه أحد إلا بأمور معينة بينها في سورة عظيمة من كتابه وهي قوله :[ والعصر( ١ ) إن الإنسان لفي خسر( ٢ ) ] أي : إن كل إنسان كائنا من كان لفي خسر [ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر( ٣ ) ] فهؤلاء هم الذين يخرجون من هذا الخسران.
وقد ضرب العلماء لهذا الخسران مثلين معروفين يعطيان موعظة لطالب العلم وفكرة صادقة. قالوا : احد هذين المثلين : أن الله تبارك وتعالى أعطى كل نفس رأس مال، وأمرها بالتجارة معه فيه- ورأس هذا المال المذكور قد قدمنا مرارا في هذه الدروس بيانه، وكررناه المرة بعد المرة- قصدا –لنعظ به إخواننا المسلمين ونحاول نفعهم بلينة قلوبهم على ضوء القرآن العظيم- قالوا : رأس المال هذا المذكور المنوه عنه : هو الجواهر النفيسة العظيمة الذي لا يوجد في الدنيا شيء يماثلها أبدا، وهذه الجواهر النفيسة، والأعلاق العظيمة، هي-أيها الإخوان-هي ساعات العمر ولحظاته، فهذا رأس مال الإنسان، وهو أنفس شيء يعطاه الإنسان، وخالق السماوات والأرض يأمرنا أن نتجر معه في رأس هذا المال، فنحرك رأس هذا المال، وهي هذه اللحظات والدقائق من ساعات العمر المعدودة، فنتجر مع خالق السماوات والأرض فيها، فننظر ما يتوجه إلينا طول حياة العمر ودقائقه من أوامر الله ونواهيه فنبادر بإرضاء خالق السماوات والأرض بامتثال ما أمر به واجتناب ما نهى عنه، وربنا ( جل وعلا ) يعطينا أرباحا هائلة بائنة على هذا : يسكننا الجنة، وهي : زوجة حسناء، وغرفة عالية، ونهر مطرد، وشجرة مثمرة، وملك لا ينفذ أبدا، فنربح ربحا لا نفاد له، وعافية لا كدر فيها، وحياة لا موت بعدها، وصحة لا يخالطها مرض أبدا، فمن حرك رأس هذا المال على الوجه الكيس الصحيح مع رب العالمين ربح الأرباح الهائلة، فإنه يربح منه مجاورة رب العالمين في دار كرامته، والنظر إلى وجهه الكريم. وإن كان صاحب رأس هذا المال- وهو ساعات العمر ودقائقه- كان رجلا غير عاقل-يعني اخرق لا يفهم الحقائق ولا يقدر عمره- فإن المسكين يضيع هذه الأعلاق النفيسة، وهذه الجواهر العظيمة في قال وقالوا، ولا يراقب ما يتوجه إليه من قبل خالقه بالامتثال والاجتهاد فيضيعها دائما، وربما صرفها فيما لا يرضي الله من المعاصي والملاهي- والملائكة تكتب عليه- حتى ينقضي الوقت المحدد فيذهب إلى القبر وهو مفلس- والعياذ بالله- فعند ذلك يندم حيث لا ينفع الندم، فعلينا جميعا، ما دامت الفرصة ممكنة أن نعتبر في رأس هذا المال، وأن لا نضيعه، ولا نكون حمقى جهلاء، بل نعتبر به، ونتصرف مع الله بتجارة مرضية ؛ لأن طاعتنا لله وإثابته لنا سماه في كتابه :( تجارة ) ( بيعا ) ( شراء ) إلى غير ذلك، قال :[ هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم( ١٠ ) تؤمنون بالله ] إلى آخر الآيات ( الصف : الآيتان١١، ١٠ )، وقال :[ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بان لهم الجنة ] إلى أن قال :[ فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم ]( التوبة : آية ١١١ ) وسماه ( قرضا ) في قوله :[ من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ]( البقرة : ٤٥ ) إلى غير ذلك. ومقصودنا- أيها الإخوان- أن ننبهكم وأنفسنا إلى مكانة العمر وعظمها، وأن من خسره خسر كل شيء، وان من كان حازما في تحريكه والعمل في رأس ماله الذي أعطاه الله- وهو عمره إذا ضيعه، ولم يبق منه شيئا- كان اخسر الخاسرين، وإذا خسر هو رأس المال علم انه ليس هناك ربح أبدا كما هو معروف.
واعلموا- أيها الإخوان- أن العمر كما أن الله ( جل وعلا ) جعله رأس المال، وهو التجارة الرابحة من خسرها خسر كل شيء، فإنه مع ذلك جعله حجة على المعمر، فأعماركم كما أنها رؤوس أموالكم، وأصل فوائدكم، فكذلك هي حجة عليكم ؛ لأن الله جعل العمر مع الرسول لأن كلا منهما حجة على المعمر كالمرسل إليه، كما قال تعالى في العمر :[ أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير ]( فاطر : آية ٣٧ ) فجاء بالعمر والرسول مقترنين ؛ لأن الرسول ينذرك ويعظك، والعمر مهلة تقدر فيها أن تتدارك ما فات وتصلح الخلل، وتنيب إلى الله، وترجع من ما يسخطه إلى ما يرضيه، فهذه الآية العظيمة من عظام مواعظ القرآن [ أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير ] احتج به على أهل النار الذين لم يحركوا أعمارهم في خير، ولم يعتبروا بها ؛ ولذا قال :[ فذوقوا فما للظالمين من نصير ]( فاطر : آية ٣٧ ) والعياذ بالله جل وعلا. هذا أحد المثلين المضروبين، الذين جعلهما العلماء لهذا الخسران.
المثل الثاني : ما ذكره بعض العلماء من أن الله ( جل وعلا ) خلق لكل إنسان كائنا من كان-جعل له- منزلا في الجنة ومنزلا في النار، فكل إنسان له منزل في الجنة وله منزل في النار، فإذا ادخل الله أهل الجنة الجنة أطلعهم على مساكنهم في النار- لو أنهم كفروا وعصوا- لتزداد غبطتهم وسرورهم وفرحهم بما هم فيه، فيقول الواحد منهم عند ذلك :[ الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ]( الأعراف : آية ٤٣ ) أي : إنه ( جل وعلا ) يطلع أهل النار على منازلهم في الجنة لو أنهم آمنوا وأطاعوا لتزداد ندامتهم وحسرتهم- والعياذ بالله- وعند ذلك يقول الواحد منهم :[ لو أن الله هداني لكنت من المتقين ]( الزمر : آية ٥٧ ) ثم إن الله ( جل وعلا ) يجعل منازل أهل الجنة في النار لأهل النار، ومنازل أهل النار في الجنة لأهل الجنة، ومن كانت معاملته أن استبدل منزل غيره في النار بمنزلته في الجنة فمعلوم أن صفقته خاسرة كما لا يخفى، ومضمون هذا جاء في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، والظاهر أن سنده لا بأس به والله تعالى أعلم.
هذان المثلان اللذان ضربهما العلماء في الخسران الذي أقسم الله انه لا ينجو منه أحد إلا من استثنى في قوله :[ والعصر( ١ ) إن الإنسان لفي خسر ( ٢ ) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر( ٣ ) ]( العصر : الآيات١-٣ ) وبهذا تعرفون أن هذه السورة العظيمة سورة العصر التي قال الإمام الشافعي :" إنها لو لم ينزل من القرآن إلا هي لكفت " ؛ لاشتمالها على جميع تشاريع الإسلام، بين الله فيها الأسس الكبار، والأصول العظام من وجه التجارة بالعمر مع خالق السماوات والأرض الذي يحصل منه الربح الأبدي الذي لا ينتهي، وأنه تحريك العمر والتجارة فيه مع الله، بقوله :[ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر( ٣ ) ]( العصر : آية ٣ ) فإن الآية شملت إيمان القلوب وأعمال الجوارح، ودعت إلى النفع إلى الغير بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر، فجاء بها كل شيء،
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير