ﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚ

القول في تأويل قوله: الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (٩٢)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فأهلك الذين كذبوا شعيبًا فلم يؤمنوا به، فأبادَهم، فصارت قريتهم منهم خاوية خلاءً= (كأن لم يغنوا فيها)، يقول: كأن لم ينزلوا قطّ ولم يعيشوا بها حين هلكوا.
* * *
يقال:"غَنِيَ فلان بمكان كذا، فهو يَغْنَى به غِنًى وغُنِيًّا"، (١) إذا نزل به وكان به، كما قال الشاعر. (٢)

وَلَقَدْ يَغْنَى بِهَا جِيرَانُكِ الْ مُمْسِكُو مِنْكِ بِعَهْدٍ وَوِصَالِ (٣)
(١) هذا المصدر الثاني"غنيا" ليس في شيء من مراجع اللغة، وضبطته بضم الغين وكسر النون وتشديد الياء، على زنة"فعول" وهكذا استظهرت. ولا أدري أيصح ذلك أم لا يصح.
(٢) هو عبيد بن الأبرص.
(٣) ديوانه: ٥٨، مختارات ابن الشجري ٢: ٣٧، والخصائص لابن جني ٢: ٢٤٥٥ والمنصف لابن جني ١: ٦٦، والخزانة ٣: ٢٣٧، وهي القصيدة الفاخرة التي لم يتجشم فيها إلا ما في نهضته ووسعه، عن غير اغتصاب واستكراه أجاءه إليه، فقاد القصيدة كلها على أن آخر مصراع كل بيت منها منته إلى (ال) التعريف، كما قال ابن جني في الخصائص، أولها:واستمر بها على ذلك النهج. وكان في المطبوعة: "المستمسكو"، وهو تغيير لما في المخطوطة، وللرواية معًا. وقوله: "الممسكو" يعني"الممسكون"، فحذف النون لطول الاسم، لا للإضافة. وهكذا تفعل العرب أحيانا، كما قال الأنصاري:وقول الأخطل:
يَا خَلِيلَيَّ اُرْبَعَا وَاُسْتَخْبِرَا الْـ مَنْزِلَ الدَّارِسَ مِنْ أهْلِ الحِلالِ
مِثْلَ سَحْقِ البُرْدِ عَفَّى بَعْدَكِ الْ قَطْرُ مَغْنَاهُ، وَتَأَوِيبُ الشَّمَالِ
وَلَقَدْ يَغْنَى بِه جِيرَانُكِ الْـ مُمْسِكُو مِنْكِ بِأَسْبَابِ الوِصَالِ
الْحَافِظُو عَوْرةَ العَشِيرَةِ لا يَأْتِيهِمُ مِنْ وَرَائِنَا نَطَفُ
أَبَنيِ كُلَيْبٍ، إِنْ عَمَّيَّ اللَّذَا قَتَلا المُلُوكَ وَفَكَّكَا الأَغْلالا
انظر سيبويه ١: ٩٥، والمنصف ١: ٦٧.

صفحة رقم 569

وقال رؤبة:
وَعَهْدُ مَغْنَى دِمْنَةٍ بِضَلْفَعَا (١)
إنما هو"مفعل" من"غني".
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٤٨٦٦-حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال، حدثنا معمر، عن قتادة. (كأن لم يغنوا فيها)، : كأن لم يعيشوا، كأن لم ينعموا.
١٤٨٦٧-حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: (كأن لم يغنوا فيها)، يقول: كأن لم يعيشوا فيها.
١٤٨٦٨-حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (كأن لم يغنوا فيها)، كأن لم يكونوا فيها قطُّ.
* * *
وقوله: (الذين كذبوا شعيبًا كانوا هم الخاسرين)، يقول تعالى ذكره: لم يكن الذين اتَّبعوا شعيبًا الخاسرين، بل الذين كذّبوه كانوا هم الخاسرين الهالكين. (٢) لأنه أخبر عنهم جل ثناؤه: أن الذين كذبوا شعيبًا قالوا للذين أرادُوا اتباعه: (لئن اتبعتم شعيبًا إنكم إذًا لخاسرون)، فكذبهم الله بما أحلَّ بهم من عاجلِ نَكاله، ثم قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ما خسر تُبَّاع شعيب، بل كانَ الذين كذبوا شعيبًا لما جاءت عقوبة الله، هم الخاسرين، دون الذين صدّقوا وآمنوا به.
* * *

(١) ديوانه: ٨٧، ومضى منها بيت فيما سلف ٢: ٥٤٠ في مديح قومه بني تميم، يقول:
هَاجَتْ، وَمِثْلي نَوْلُهُ أَنْ يَرْبَعَا حَمَامَةٌ هَاجَتْ حَمَامًا سُجَّعَا
أَبْكَتْ أَبَا الشَّعْثَاءِ وَالسَّمَيْدَعَا وعَهْدُ مَغْنَى دِمْنَةٍ بضَلْفَعَا
بَادَتْ وَأَمْسَى خَيْمُها تَذَعْذَعَا
و"أبو الشعثاء" يعني نفسه. و"ضلفع"، اسم موضع.
(٢) انظر تفسير"الخسران" فيما سلف ص: ٥٦٥، تعليق: ٢، والمراجع هناك.

صفحة رقم 570

جامع البيان في تأويل آي القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري

تحقيق

أحمد شاكر

الناشر مؤسسة الرسالة
الطبعة الأولى، 1420 ه - 2000 م
عدد الأجزاء 24
التصنيف كتب التفسير
اللغة العربية