ﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚ

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٩٣:ت٨٣
ولا بد أن نلفت النظر هنا إلى نقطة جوهرية وردت فيما حكاه كتاب الله عن شعيب عليه السلام : وقال يا قوم أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم، فكيف آسى على القوم الكافرين فها هنا يتحدث شعيب عن النصيحة الخالصة التي لم يزل يسديها إلى قومه، فلم يعر لها الملأ منهم التفاتا ولا اعتبارا، ونفس الشيء تحدث عنه نوح وهود وصالح من قبل شعيب، كما حكى الله ذلك عنهم جميعا، فعلى لسان نوح جاء قوله، أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون وعلى لسان هود جاء قوله : أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين وعلى لسان صالح جاء قوله : يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، ولكن لا تحبون الناصحين .
وهكذا نجد أن إسداء النصح إلى الخلق كان شعار الأنبياء والمرسلين واحدا بعد الآخر، وأنهم بذلوا كل المستطاع، بل ما فوق المستطاع، في سبيل هداية الخلق إلى الله وإلى صراطه المستقيم، ولم تزل النصيحة دينا متبعا وسنة متوارثة، إلى أن أنزل الله الوحي على رسوله الكريم، فجدد الأمر بها، وأكدها الذكر الحكيم، وفرض الإسلام بمقتضى نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية تبادل النصح والإرشاد في شؤون الدين والدنيا على الراعي والرعية. لكن النصيحة لا تعتبر نصيحة في الإسلام إلا إذا كانت خالية من كل غش أو تدليس أو خيانة، وخالصة من جميع الأغراض الشخصية.
ورد في الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( الدين النصيحة، قلنا لمن يا رسول الله. قال : لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ). وفي الحديث الشريف أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم، إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم ) – رواه أصحاب السنن. وفي الحديث الشريف أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( ما من عبد استرعاه الله رعية فلم يحطها بنصيحته إلا لم يجد رائحة الجنة ) – رواه البخاري في صحيحه في " باب من استرعي رعية فلم ينصح " قال الحافظ ابن حجز :" لم يحطها أي لم يصنها، والاسم الحياطة " ثم زاد قائلا :" ويحصل ذلك – أي عدم حياطتهم – بظلمه لهم بأخذ أموالهم، أو سفك دمائهم، أو انتهاك أعراضهم، أو حبس حقوقهم، وبترك تعريفهم ما يجب عليهم في أمر دينهم ودنياهم، وبإهمال إقامة الحدود فيهم، وإهمال ردع المفسدين منهم، وترك حمايتهم، ونحو ذلك ".
وقال حجة الإسلام الغزالي مبينا أدب النصيحة :" ينبغي أن يكون ذلك في سر لا يطلع عليه أحد، فما كان على الملأ فهو توبيخ وفضيحة، وما كان في السر فهو شفقة ونصيحة ". ثم نقل عن الإمام الشافعي أنه قال :" من وعظ أخاه سرا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه " وختم كلامه قائلا :" فالفرق بين التوبيخ والنصيحة بالإسرار والإعلان ".
وقول شعيب هنا كما حكى عنه كتاب الله فكيف آسى على قوم كافرين يتفق معناه تمام الاتفاق مع قوله تعالى في آية أخرى : يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم، لا يضركم من ضل إذا اهتديتم بمعنى أن المؤمنين إذا استقاموا على الطريقة المثلى كما أمروا، وأدوا ما عليهم من حقوق الله وحقوق العباد، وفي طليعتها حق إسداء النصح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، ثم أصر العصاة على الاسترسال في المعاصي والفواحش دون أن يستجيبوا لنصيحة ولا إرشاد، فإن أولئك الناصحين لهم بعد أن أدوا ما عليهم، واستنفدوا وسائل الدعوة والإصلاح التي يملكونها تصبح ذممهم خالية من المسؤولية، ويصدق عليهم وقتئذ قوله تعالى : لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ، وقوله تعالى : فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها ، وقوله تعالى مخاطبا لنبيه : فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمصيطر .
وبعدما تحدثت الآيات الكريمة عن جملة من قصص الأنبياء وأممهم امتن الحق سبحانه وتعالى على خاتم رسله بما قصه عليه وعلى أمته من أنباء الأمم السالفة ومواقفها من أنبيائها السالفين، إذ إن الحكمة في ذلك هي تمكين رسوله وأمته من وسائل التدبر والاعتبار، حتى يكون الرسول وأمته على بصيرة من سنن الله الثابتة في خلقه، التي مهما اختلفت الأعصار والأمصار، فهي تنتج نفس النتائج وتحدث نفس الآثار، تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض .
ثم أجمل كتاب الله معركة الحق مع الباطل، وصراع الخير مع الشر، خلال العصور الغابرة، فقال تعالى : وما وجدنا لأكثرهم من عهد، وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين وواضح أن هذه الآية تنطبق على كثير من الأمم والشعوب في هذا العصر.



نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٩٠:ومما يلاحظ في هذا السياق أمران اثنان : أولهما ما قدح به كبار قوم شعيب في الذين آمنوا به من قومه، إذ واجهوهم، مؤكدين لهم بجميع وجوه التأكيد أنهم بسبب اتباع شعيب خاسرون وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون . وثانيهما ما رد به الحق سبحانه وتعالى عليهم رد صدق وحق، مثبتا لهم ولمن بعدهم أن صفة " الخسران " التي وصفوا بها شعيبا وصحبه إنما كانت في الواقع من نصيب الملأ الكافرين لا من نصيب المؤمنين، وذلك قوله تعالى : الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها، الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرون . إذ كرر كتاب الله نفس الوصف فأطلقه عليهم وألصقه بهم، وفي مثل هذا المقام يصدق المثل العربي الذائع :" وافق شن طبقة " ؛ فما أوفق الكفران بالخسران.

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير