وعلى هذا فالفتح يراد به الكشف والتبيين، ويؤكد هذا ما روى سعيد (١) عن قتادة في هذه الآية قال: (اقض بيننا وبين قومنا) (٢).
٩٢ - قوله تعالى: الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا. هذا ترجمة وتفسير للأسماء المكنية التي في قوله: فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ (٣) [الأعراف: ٩١] علي تأويل: فأصبح الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا [هود: ٦٧ - ٦٨]، مثل قوله: عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ [المائدة: ٧١]، قاله أبو علي الجرجاني (٤).
وقوله تعالى: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا. يقال: غني (٥) القوم في دارهم: إذا طال مقامهم فيها، والمغاني: المنازل التي كان بها أهلوها، واحدها
(٢) سبق تخريجه.
(٣) في (ب): فىِ دِيَارِهِمْ والجمع جاء في سورة هود: ٦٧ و٩٤ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ.
(٤) لم أقف عليه.
(٥) الغِنَى مقصور مكسور الأول من اليسار وكثرة المال والغناء ممدود ومفتوح الأول النفع والكفاية، والغناء ممدود مكسور الأول من الصوت، وغَني القوم في دارهم: أقاموا كأنهم استغنوا بها، ومَغَانيهم: منازلهم. انظر: "العين" ٤/ ٤٥٠، و"الجمهرة" ٢/ ٩٦٤، و"اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص ١١٩، و"البارع" ص ٤١٩، و"تهذيب اللغة" ٣/ ٢٧٠٣، و"الصحاح" ٦/ ٢٤٤٩، و"مقاييس اللغة" ٤/ ٣٩٧، و"المجمل" ٣/ ٦٨٧، و"المفردات" ص ٦١٥، و"اللسان" ٦/ ٣٣٠٨ (غنى).
مَغْنى، قال الأسود (١) بن يعفر:
| وَلَقَد غَنُوا فِيهَا بِأَنْعَمِ عِيشَةٍ | فيِ ظِلِّ مُلْكٍ ثَابتِ الأَوتادِ (٢) |
قال المفسرون (٣): (كأن لم يقيموا فيها ولم ينزلوا فيها). قال الزجاج: (ويكون كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا: كأن لم يعيشوا فيها مستغنين، كما قال الشاعر:
| غَنينا زمانًا بالتصَعْلُكِ والغِنى | وكُلاًّ سَقَاناهُ بكَأسَيهِما الدّهْرُ (٤) |
(٢) الشاهد في "المفضليات" ص ٢١٧، و"الحماسة البصرية" ٢/ ٤١٢، و"وضح البرهان" للغزنوي ١/ ٣٦٢، و"تفسير الرازي" ١٤/ ١٨٢، و"الخازن" ٢/ ٢٦٤، و"الدر المصون" ٥/ ٣٨٧، وهو من قصيدته الدالية المشهورة التي كانت مثار إعجاب الخلفاء والولاة، انظر: "الأغاني" ١٣/ ٢٢.
(٣) انظر: "تفسير الطبري" ٩/ ٥، وأخرجه من عدة طرق جيدة عن ابن عباس وقتادة وابن زيد، وانظر: "معاني النحاس" ٣/ ٥٥، والسمرقندي ١/ ٥٥٦، والماوردي ٢/ ٢٤٠، والبغوي ٣/ ٢٥٩.
(٤) الشاهد لحاتم الطائي في "ديوانه" ص٥١، و "معاني الزجاج" ٢/ ٢٥٨، و"تفسير الثعلبي" ١/ ٦، وابن عطية ٦/ ١١، وابن الجوزي ٣/ ٢٣٢، والقرطبي ٧/ ٢٥٢، و"البحر" ٤/ ٣٤٦، وفي "الديوان":
| غنينا زمانًا بالتصعلك والغنى | كما الدّهرُ في أيّامِه العُسْرُ واليُسرُ |
| كَسَينا صُرُوفَ الدَّهرِ لِينًا وغِلظَة | وكُلا سَقَاناه بكأسيهما الدهرُ |
ووافقه ابن الأنباري على هذا المعنى، فقال في قوله: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا: (كأن لم يستغنوا فيها، يقال: غني الرجل يغنى (١): إذا استغنى) (٢) وعلى هذا هو من الغنى الذي هو ضد الفقر، وليس من الإقامة (٣) في شيء، يؤكد هذا المعنى ما روي عن قتادة أنه قال في هذه الآية: (كأن لم ينعموا فيها) (٤). ووجه التشبيه في: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أن حال المكذبين يشبه حال من لم يكن قط في تلك الديار، كما قال الشاعر:
| كأنْ لم يكُن بينَ الحَجُونِ إلى الصَّفا | أنيسٌ ولم يَسْمُرْ بمكَّةَ سَامِرُ |
| بَلَى نحنُ كنَّا أهلَهَا فأبادَنا | صُروُفُ الليالي والجُدُودُ العَواثرُ (٥) |
(٢) لم أقف عليه.
(٣) قال ابن عطية في "تفسيره" ٦/ ١٠: (الذي استقريت عن العرب أن غنيت في المكان إنما يقال في الإقامة التي هي مقترنة بتنعم وعيش مرضي) اهـ. والمشهور عن أهل اللغة والتفسير أنها لمطلق الإقامة، قال أبو عبيدة في "مجاز القرآن" ١/ ٢٢١: (أي: لم ينزلوا فيها ولم يعيشوا فيها) وانظر: "غريب القرآن" لليزيدي ص ١٤٨، و"تفسير غريب القرآن" ص ١٧٩، و"نزهة القلوب" ص ٤٨٧، و"تفسير المشكل" ص ٨٦.
(٤) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" ١/ ٢/٢٣٣، والطبري ٩/ ٥، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٢٤ بسند جيد بلفظ: (كأن لم يعيشوا فيها كأن لم ينعموا فيها) اهـ.
(٥) البيتان في "السيرة" لابن هشام ١/ ١٢٦، و"العقد الفريد" ٥/ ٥٩، و"شرح القصائد" لابن الأنباري ص ٢٥٦، و"الأغاني" ١٥/ ١٠ - ١٦ - ٢٣، و"وضح البرهان" للغزنوي ١/ ٣٦٢، و"الروض الأنف" ١/ ١٢٧، والرازي ١٤/ ١٨٢، و"معجم البدان" ٢/ ٢٢٥، و"الحماسة البصرية" ٢/ ٤١١، و"اللسان" ٢/ ٧٩٢ =
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي