تفسير سورة سورة الحج

أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي

أحكام القرآن

أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (ت 458 هـ)

الناشر

مكتبة الخانجي - القاهرة

الطبعة

الثانية

نبذة عن الكتاب





صنف الإمام الشافعي - صاحب المذهب - (المتوفى 204هـ) ، كتابا في أحكام القرآن، وهو مفقود

أما كتابنا هذا فهو من تصنيف الإمام البيهقي (المتوفى: 458هـ) ، جمعه من كلام الشافعي، وقال - في مناقب الشافعي ج2 ص 368 -:

«وجمعت أقاويل الشافعي رحمه الله في أحكام القرآن وتفسيره في جزئين»

وقد تتبع البيهقي نصوص الإمام الشافعي تتبعا بالغا فى كتبه وكتب أصحابه

فمن كتب الشافعي: (أحكام القرآن) له، والأم، والرسالة، واختلاف الحديث، وغيرها

ومن كتب أصحابه أمثال المزني، والبويطى، والربيع الجيزى، والربيع المرادي، وحرملة، والزعفراني، وأبى ثور، وأبى عبد الرحمن، ويونس بن عبد الأعلى وغيرهم

وقد رتب البيهقي - رحمه الله - الكتاب، على مسائل الفقه، فيقول: «ما يؤثر عنه فى الزكاة» ، «ما يؤثر عنه فى الصيام» .. وهكذا

فينقل نصوص الشافعي في هذه الأبواب كما هى مع تأييد تلك المعاني المستنبطة بالسنن الواردة
(أَنَا) أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ، أَنَا الرَّبِيعُ، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ «١» :
«وَاجِبُ «٢» مَنْ أَهْدَى نَافِلَةً: أَنْ يُطْعِمَ الْبَائِسَ الْفَقِيرَ «٣» لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
(فَكُلُوا مِنْها، وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ: ٢٢- ٢٨) وَلِقَوْلِهِ «٤» عَزَّ وَجَلَّ:
(فَكُلُوا مِنْها «٥»، وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ: ٢٢- ٣٦). وَالْقَانِعُ «٦» هُوَ: السَّائِلُ وَالْمُعْتَرُّ هُوَ «٧» : الزَّائِرُ، وَالْمَارُّ بِلَا وَقْتٍ.»
(١) كَمَا فى اخْتِلَاف الحَدِيث (ص ٢٤٨). وَقد ذكر بِهَامِش الرسَالَة (ص ٢٤٠).
(٢) كَذَا بِالْأَصْلِ وَهُوَ صَحِيح قطعا. وفى اخْتِلَاف الحَدِيث: «أحب لمن» فَهَل هُوَ تَحْرِيف، أم قَول آخر للشافعى؟: الَّذِي نعرفه: أَن الْأَصْحَاب قد اخْتلفُوا فى نَافِلَة الْهدى وَالْأُضْحِيَّة (كَمَا فى الْمُهَذّب) : على وَجْهَيْن (ذكرهمَا صَاحب الْمِنْهَاج فى الْأُضْحِية خَاصَّة).
فَذهب ابْن سُرَيج وَابْن الْقَاص والإصطخرى وَابْن الْوَكِيل: إِلَى أَنه لَا يجب التَّصَدُّق بشىء بل: يجوز أكل الْجَمِيع. (وَنَقله ابْن الْقَاص عَن نَص الشَّافِعِي) : لِأَن الْمَقْصُود: إِرَاقَة الدَّم. وَذهب جُمْهُور الْأَصْحَاب: الى أَنه يجب التَّصَدُّق بشىء فَيحرم أكل الْجَمِيع: لِأَن الْمَقْصُود: إرفاق الْمَسَاكِين. وَلَعَلَّ نقل ابْن الْقَاص: لم يثبت عِنْد الْجُمْهُور أَو ثَبت: وَلَكنهُمْ رجحوا القَوْل الآخر، من جِهَة الدَّلِيل. هَذَا وصنيع بعض الْكَاتِبين-: كالجلال الْمحلى.-
شعر: أَنه لَا خلاف فى وجوب التَّصَدُّق بشىء: من الْهدى. انْظُر الْمَجْمُوع (ج ٨ ص ٤١٣ و٤١٦) وَشرح الْمِنْهَاج للمحلى (ج ٢ ص ١٤٦ وَج ٤ ص ٢٥٤).
(٣) كَذَا باخْتلَاف الحَدِيث وَهُوَ الْمُنَاسب. وفى الأَصْل: «وَالْفَقِير» وَلَعَلَّ الزِّيَادَة من النَّاسِخ.
(٤) فى اخْتِلَاف الحَدِيث: «وَقَوله».
(٥) هَذِه الْجُمْلَة لَيست فى اخْتِلَاف الحَدِيث.
(٦) فى اخْتِلَاف الحَدِيث: «القانع». وَهَذَا التَّفْسِير، وَمَا سَيَأْتِي عَن مُخْتَصر البويطى- ذكر فى السّنَن الْكُبْرَى (ج ٩ ص ٢٩٣). [.....]
(٧) هَذَا لَيْسَ فى اخْتِلَاف الحَدِيث.
— 86 —
«فَإِذَا أَطْعَمَ: مِنْ هَؤُلَاءِ، وَاحِدًا «١» -: كَانَ مِنْ الْمُطْعِمِينَ. وَأَحَبُّ «٢» إلَيَّ مَا أَكْثَرَ: أَنْ «٣» يُطْعِمَ ثُلُثًا، وَأَنْ «٤» يُهْدِيَ ثُلُثًا، وَيَدَّخِرَ ثُلُثًا:
يَهْبِطُ «٥» بِهِ حَيْثُ شَاءَ «٦»
«قَالَ: وَالضَّحَايَا: فِي هَذِهِ السَّبِيلِ «٧» وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.».
وَقَالَ فِي كِتَابِ الْبُوَيْطِيِّ: «وَالْقَانِعُ: الْفَقِيرُ وَالْمُعْتَرُّ: الزَّائِرُ وَقَدْ قِيلَ: الَّذِي يَتَعَرَّضُ لِلْعَطِيَّةِ: مِنْهُمَا «٨».».
(١) فى الأَصْل: «وَاحِد» وَهُوَ خطأ وتحريف. والتصحيح من عبارَة اخْتِلَاف الحَدِيث، وهى: «وَاحِدًا أَو أَكثر، فَهُوَ».
(٢) فى اخْتِلَاف الحَدِيث: «فَأحب». وَمَا فى الأَصْل أحسن.
(٣) كَذَا باخْتلَاف الحَدِيث وَهُوَ الظَّاهِر. وفى الأَصْل: «وَأَن» وَالزِّيَادَة من النَّاسِخ.
(٤) فى اخْتِلَاف الحَدِيث: «ويهدى» وَهُوَ أحسن.
(٥) فى اخْتِلَاف الحَدِيث: «ويهبط». وَمَا فى الأَصْل أحسن.
(٦) هَذَا: مذْهبه الْجَدِيد وَدَلِيله: ظَاهر الْآيَة الثَّانِيَة. وَالْمذهب الْقَدِيم: أَن يتَصَدَّق بِالنِّصْفِ، وَيَأْكُل النّصْف. وَدَلِيله: ظَاهر الْآيَة الأولى. انْظُر الْمَجْمُوع (ج ٨ ص ٤١٣ و٤١٥).
(٧) فى الأَصْل: «السبل» وَهُوَ تَحْرِيف. والتصحيح من عبارَة اخْتِلَاف الحَدِيث، وهى: «من هَذِه السَّبِيل». ولكى تفهم أصل الْكَلَام، وتتم الْفَائِدَة- يحسن: أَن تراجع الْكَلَام عَن ادخار لحم الْأُضْحِية فى اخْتِلَاف الحَدِيث (ص ١٣٦- ١٣٧ و٢٤٦- ٢٤٧)، والرسالة وهامشها (ص ٢٣٥- ٢٤٢)، وَالسّنَن الْكُبْرَى (ج ٥ ص ٢٤٠ وَج ٩ ص ٢٩٠- ٢٩٣)، وَالْفَتْح (ج ١٠ ص ١٨- ٢٢)، وَالْمَجْمُوع (ج ٨ ص ٤١٨)، وَشرح مُسلم (ج ١٣ ص ١٢٨- ١٣٤)، وَشرح الْمُوَطَّأ (ج ٣ ص ٧٥- ٧٦).
(٨) فى السّنَن الْكُبْرَى: «مِنْهَا» وَهُوَ تَحْرِيف. وفى بعض نسخهَا: «يتَعَرَّض الْعَطِيَّة».
ولبعض أَئِمَّة الْفِقْه واللغة-: كَابْن عَبَّاس، وَعَطَاء، وَالْحسن، وَمُجاهد، وَابْن جُبَير.
وَالنَّخَعِيّ والخليل.- أَقْوَال فى ذَلِك كَثِيرَة مُخْتَلفَة بيد أَنَّهَا متفقة فى التَّفْرِقَة بَينهمَا.
فَرَاجعهَا: فى السّنَن الْكُبْرَى (ص ٢٩٣- ٢٩٤)، وَالْفَتْح (ج ٣ ص ٣٤٨)، وَالْمَجْمُوع (ص ٤١٣).
— 87 —
آية رقم ٢٩
(أَنَا) أَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ، أَنَا الرَّبِيعُ، أَنَا الشَّافِعِيُّ: «أَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، نَا هِشَامٌ، عَنْ طَاوُوسٍ «١» - فِيمَا أَحْسَبُ «٢» - أَنَّهُ قَالَ: الْحِجْرُ «٣» مِنْ الْبَيْتِ «٤». وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ: ٢٢- ٢٩) وَقَدْ طَافَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مِنْ وَرَاءِ الْحِجْرِ «٥».».
قَالَ الشَّافِعِيُّ- فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ-: «سَمِعْتُ عَدَدًا- مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: مِنْ قُرَيْشٍ.- يَذْكُرُونَ: أَنَّهُ تُرِكَ مِنْ الْكَعْبَةِ فِي الْحِجْرِ، نَحْوٌ مِنْ سِتَّةِ أَذْرُعٍ «٦».».
وَقَالَ- فِي قَوْلِهِ: (فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ:)
(١) فى السّنَن الْكُبْرَى (ج ٥ ص ٩٠) :«عَن طَاوس عَن ابْن عَبَّاس».
(٢) فى الأَصْل: «أحسن» وَهُوَ تَحْرِيف من النَّاسِخ.
(٣) انْظُر الْمَجْمُوع (ج ٨ ص ٢٢- ٢٦) : فَفِيهِ فَوَائِد جمة.
(٤) قَالَ بعد ذَلِك- كَمَا فى السّنَن الْكُبْرَى-: «لِأَن رَسُول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) طَاف بِالْبَيْتِ من وَرَائه قَالَ الله تَعَالَى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ).» وَقَالَ أَيْضا (كَمَا فى السّنَن الْكُبْرَى ج ٥ ص ١٥٦) :«من طَاف بِالْبَيْتِ فليطف وَرَاء الْحجر». [.....]
(٥) انْظُر فى الْأُم (ج ٢ ص ١٥٠- ١٥١) كَلَام الشَّافِعِي الْمُتَعَلّق بذلك: فَإِنَّهُ جيد مُفِيد.
(٦) قَالَ رَسُول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لعَائِشَة: «إِن قَوْمك- حِين بَنو الْبَيْت- قصرت بهم النَّفَقَة، فتركوا بعض الْبَيْت فى الْحجر. فاذهبى فصلى فى الْحجر رَكْعَتَيْنِ» انْظُر السّنَن الْكُبْرَى (ج ٥ ص ١٥٨) وَانْظُر فِيهَا (ج ٥ ص ٨٩) مَا روى عَن يزِيد بن رُومَان، وَانْظُر الْأُم (ج ٢ ص ١٥١).
قَالَ الشَّافِعِيُّ «١» :«وَقَدْ تُسَمَّى جَوَارِحَ: لِأَنَّهَا تَجْرَحُ فَيَكُونُ اسْمًا:
لَازِمًا. وَأُحِلَّ «٢»
مَا أَمْسَكْنَ مُطْلَقًا «٣».».
(أَنَا) أَبُو سَعِيدٍ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ، أَنَا الرَّبِيعُ، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ «٤» (رَحِمَهُ اللَّهُ) :«وَإِذَا «٥» كَانَتْ الضَّحَايَا، إنَّمَا هُوَ «٦» : دَمٌ يُتَقَرَّبُ بِهِ «٧» فَخَيْرُ الدِّمَاءِ: أَحَبُّ إلَيَّ. وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ:
(ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ «٨» : ٢٢- ٣٢) -: اسْتِسْمَانُ الْهَدْيِ «٩» وَاسْتِحْسَانُهُ «١٠». وَسُئِلَ «١١» رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : أَيُّ الرِّقَابِ
(١) كَمَا فى الْأُم (ج ٢ ص ٢٠١).
(٢) فى الْأُم: «وَأكل».
(٣) لكى تفهم ذَلِك حق الْفَهم، رَاجع كَلَامه السَّابِق واللاحق (ص ٢٠١- ٢٠٢).
(٤) كَمَا فى الْأُم (ج ٢ ص ١٨٨ و١٨٩). وَقد ذكر بعضه فى السّنَن الْكُبْرَى (ج ٩ ص ٢٧٢)، والمختصر (ج ٥ ص ٢١١).
(٥) فى الْأُم (ص ١٨٩) : بِالْفَاءِ. وفى السّنَن الْكُبْرَى: «إِذا».
(٦) كَذَا بِالْأَصْلِ وَالأُم وَالسّنَن الْكُبْرَى. وَكَانَ الْمُنَاسب تَأْنِيث الضَّمِير وَلَعَلَّه ذكره:
مُرَاعَاة للْخَبَر.
(٧) فى الْأُم زِيَادَة: «إِلَى الله تَعَالَى».
(٨) فى الْأُم (ص ١٨٨) زِيَادَة: (فَإِنَّهَا من تقوى الْقُلُوب).
(٩) رَاجع كَلَام النَّوَوِيّ فى الْمَجْمُوع (ج ٨ ص ٣٥٦) عَن معنى الْهدى، وَالْمرَاد مِنْهُ.
(١٠) أخرج هَذَا التَّفْسِير البُخَارِيّ، عَن مُجَاهِد وَأخرجه ابْن أَبى شيبَة والشيرازي، عَن ابْن عَبَّاس. انْظُر الْفَتْح (ج ٣ ص ٣٤٨)، وَالْمَجْمُوع (ج ٨ ص ٣٥٦ و٣٩٥).
(١١) السَّائِل: أبوذر. رَاجع حَدِيثه فى السّنَن الْكُبْرَى.
— 82 —
أَفْضَلُ؟ فَقَالَ «١» : أَغْلَاهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا.»
«قَالَ: وَالْعَقْلُ مُضْطَرٌّ إلَى أَنْ يَعْلَمَ: أَنَّ كُلَّ مَا تُقُرِّبَ بِهِ إلَى اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) : إذَا كَانَ نَفِيسًا، فَكُلَّمَا «٢» عَظُمَتْ رَزِيَّتُهُ عَلَى الْمُتَقَرِّبِ بِهِ إلَى اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) : كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِهِ «٣»
«وَقَدْ قَالَ اللَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ) فِي الْمُتَمَتِّعِ: (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ: ٢- ١٩٦) وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَمَا «٤» اسْتَيْسَرَ-: مِنْ الْهَدْيِ.-:
شَاةٌ «٥». وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَصْحَابَهُ-: الَّذِينَ تَمَتَّعُوا بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ.-: أَنْ يَذْبَحُوا شَاةً شَاةً. وَكَانَ ذَلِكَ أَقَلَّ مَا يُجْزِيهِمْ.
لِأَنَّهُ «٦» إذَا أَجْزَاهُ «٧» أَدْنَى الدَّمِ: فَأَعْلَاهُ خَيْرٌ مِنْهُ «٨».».
(١) فى الْأُم بِدُونِ الْفَاء. وَمَا فى الأَصْل أحسن. [.....]
(٢) فى الْأُم بِدُونِ الْفَاء. وَمَا فى الأَصْل أحسن.
(٣) ذكر إِلَى هُنَا، فى الْأُم (ص ١٨٨). وَقَوله: وَالْعقل إِلَى آخر الْكَلَام لَيْسَ بالسنن الْكُبْرَى، وَلَا بالمختصر.
(٤) فى الْأُم بِدُونِ الْفَاء. وَمَا فى الأَصْل أحسن.
(٥) وَقد وَافق ابْن عَبَّاس فى ذَلِك: على، وَالْجُمْهُور. وَخَالفهُ ابْن عمر وَعَائِشَة، وَالقَاسِم بن مُحَمَّد، وَطَائِفَة. انْظُر السّنَن الْكُبْرَى (ج ٥ ص ٢٤ و٢٢٨)، وَالْفَتْح (ج ٣ ص ٣٤٦- ٣٤٧)، وَمَا تقدم (ج ١ ص ١١٦).
(٦) هَذَا مُرْتَبِط بِأَصْل الدَّعْوَى فَتنبه.
(٧) ذكر فى الْأُم: مهموزا.
(٨) ثمَّ شرع يسْتَدلّ: على أَن الضَّحَايَا لَيست وَاجِبَة فراجع كَلَامه (ص ١٨٩- ١٩٠). وراجع فى هَذَا الْمَوْضُوع: السّنَن الْكُبْرَى (ج ٩ ص ٢٦٢- ٢٦٦)، وَالْفَتْح (ج ١٠ ص ٢- ٣ و١٢- ١٣)، وَالْمَجْمُوع (ج ٨ ص ٣٨٢- ٣٨٦).
— 83 —
وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ «١» :«أَحَلَّ اللَّهُ (جَلَّ ثَنَاؤُهُ) : طَعَامَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَكَانَ «٢» طَعَامُهُمْ- عِنْدَ بَعْضِ مَنْ حَفِظْتُ «٣» عَنْهُ: مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ.-: ذَبَائِحَهُمْ وَكَانَتْ الْآثَارُ تَدُلُّ: عَلَى إحْلَالِ ذَبَائِحِهِمْ.»
«فَإِنْ كَانَتْ ذَبَائِحُهُمْ: يُسَمُّونَهَا لِلَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) فَهِيَ: حَلَالٌ. وَإِنْ كَانَ لَهُمْ ذَبْحٌ آخَرُ: يُسَمُّونَ عَلَيْهِ غَيْرَ اسْمِ اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) مِثْلَ: اسْمِ الْمَسِيحِ «٤» أَوْ: يَذْبَحُونَهُ «٥» بِاسْمٍ دُونَ اللَّهِ-: لَمْ يَحِلَّ هَذَا: مِنْ ذَبَائِحِهِمْ. [وَلَا أُثْبِتُ: أَنَّ ذَبَائِحَهُمْ هَكَذَا «٦».] »
«قَالَ الشَّافِعِيُّ «٧» : قَدْ يُبَاحُ الشَّيْءُ مُطْلَقًا: وَإِنَّمَا يُرَادُ بَعْضُهُ، دُونَ بَعْضٍ. فَإِذا زعم زاعم: أَنَّ الْمُسْلِمَ: إنْ نَسِيَ اسْمَ اللَّهِ: أُكِلَتْ ذَبِيحَتُهُ وَإِنْ تَرَكَهُ اسْتِخْفَافًا: لَمْ تُؤْكَلْ ذَبِيحَتُهُ-: وَهُوَ لَا يَدَعُهُ لِشِرْكٍ «٨».-:
(١) كَمَا فى الْأُم (ج ٢ ص ١٩٦).
(٢) هَذَا إِلَى قَوْله: إحلال ذَبَائِحهم ذكره فى السّنَن الْكُبْرَى (ج ٩ ص ٢٨٢).
وَقد أخرج فِيهَا التَّفْسِير الْآتِي، عَن ابْن عَبَّاس، وَمُجاهد، وَمَكْحُول. وَانْظُر الْفَتْح (ج ٩ ص ٥٠٤). وراجع الْمَجْمُوع (ج ٩ ص ٧٨- ٨٠) : فَهُوَ مُفِيد فِيمَا سبق أَيْضا (ص ٥٧ و٥٩)
(٣) فى السّنَن الْكُبْرَى: «حفظنا».
(٤) نقل فى الْفَتْح (ج ٩ ص ٥٠٣) نَحْو هَذَا بِزِيَادَة: «وَإِن ذكر الْمَسِيح على معنى:
الصَّلَاة عَلَيْهِ لم يحرم»
. ثمَّ نقل عَن الْحَلِيمِيّ- من طَرِيق الْبَيْهَقِيّ- كلَاما جيدا مرتبطا بِهَذَا فَرَاجعه.
(٥) كَذَا بِالْأُمِّ وَهُوَ الظَّاهِر. وفى الأَصْل: «أَو يذبحون» وَلَعَلَّ الْحَذف من النَّاسِخ.
(٦) زِيَادَة مفيدة، عَن الْأُم.
(٧) مُبينًا: أَن كَون ذَبَائِحهم صنفين، لَا يُعَارض إباحتها مُطلقَة. انْظُر الْأُم. [.....]
(٨) فى الْأُم: «للشرك».
— 84 —
كَانَ مَنْ يَدَعُهُ: عَلَى الشِّرْكِ أَوْلَى: أَنْ يُتْرَكَ ذَبِيحَتُهُ «١»
«قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَقَدْ أَحَلَّ اللَّهُ (جَلَّ ثَنَاؤُهُ) لُحُومَ الْبُدْنِ: مُطْلَقَةً فَقَالَ تَعَالَى: (فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها «٢» : فَكُلُوا مِنْها: ٢٢- ٣٦) وَوَجَدْنَا بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ، يَذْهَبُ: إلَى أَنْ لَا يُؤْكَلَ مِنْ الْبَدَنَةِ الَّتِي هِيَ: نَذْرٌ، وَلَا: «٣» جَزَاءُ صَيْدٍ، وَلَا: فِدْيَةٌ. فَلَمَّا احْتَمَلَتْ هَذِهِ «٤» الْآيَةُ: ذَهَبْنَا إلَيْهِ، وَتَرَكْنَا الْجُمْلَةَ لَا: أَنَّهَا بِخِلَافِ «٥» الْقُرْآن وَلَكِنَّهَا: مُحْتَمِلَةٌ وَمَعْقُولٌ: أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي مَالِهِ: لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ «٦» شَيْئًا. فَهَكَذَا: ذَبَائِحُ أَهْلِ الْكِتَابِ-: بِالدَّلَالَةِ.- مُشْبِهَةٌ لِمَا «٧» قُلْنَا.».
(١) لكى تلم بأطراف هَذَا الْبَحْث، ومذاهبه، وأدلته- رَاجع السّنَن الْكُبْرَى والجوهر النقي (ج ٩ ص ٢٣٨- ٢٤١)، وَالْمَجْمُوع (ج ٨ ص ٤٠٨- ٤١٢)، وَالْفَتْح (ج ٩ ص ٤٩٢- ٤٩٣ و٤٩٨ و٥٠٢- ٥٠٣)، وَشرح الْعُمْدَة (ج ٤ ص ١٩٥).
(٢) أَي: سَقَطت إِلَى الأَرْض كَمَا قَالَ ابْن عَبَّاس وَمُجاهد. انْظُر السّنَن الْكُبْرَى (ج ٥ ص ٢٣٧)، وَالْفَتْح (ج ٣ ص ٣٤٨).
(٣) أَي: وَلَا من الْبَدنَة الَّتِي هى جَزَاء صيد. وَكَذَا التَّقْدِير فِيمَا بعد. وَلَو عبر فيهمَا:
بِأَو لَكَانَ أظهر، وراجع معنى الْبَدنَة: فى الْمَجْمُوع (ج ٨ ص ٤٧٠).
(٤) كَذَا بِالْأَصْلِ وَالأُم. وعَلى كَونه صَحِيحا وَغير محرف عَن: «هَذَا» يكون الْمَفْعُول محذوفا تَقْدِيره: هَذَا الْمَعْنى وَهَذَا التَّقْيِيد.
(٥) فى الْأُم: «خلاف».
(٦) أَي: من الشَّيْء الْوَاجِب كَالزَّكَاةِ. ثمَّ علل ذَلِك فى الْأُم، بقوله: «لأَنا إِذا جعلنَا لَهُ: أَن يَأْخُذ مِنْهُ شَيْئا فَلم نجْعَل عَلَيْهِ الْكل: إِنَّمَا جعلنَا عَلَيْهِ الْبَعْض الَّذِي أعْطى.».
(٧) فى الأَصْل: «بِمَا» وَالْبَاء إِمَّا أَن تكون مصحفة عَن اللَّام، أَو زَائِدَة من النَّاسِخ.
ويؤكد ذَلِك عبارَة الْأُم، وهى: «على شَبيه مَا قُلْنَا». أَي: أَنَّهَا أطلقت، ثمَّ قيدت.
«ثُمَّ أَذِنَ اللَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ) لَهُمْ: بِالْجِهَادِ ثُمَّ فَرَضَ- بَعْدَ هَذَا «١» - عَلَيْهِمْ: أَنْ يُهَاجِرُوا مِنْ دَارِ الشِّرْكِ. وَهَذَا مَوْضُوعٌ «٢» فِي غير هَذَا الْموضع.».
«مُبْتَدَأُ الْإِذْنِ بِالْقِتَالِ»
وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ «٣» (رَحِمَهُ اللَّهُ) :«فَأُذِنَ لَهُمْ «٤» بِأَحَدِ الْجِهَادَيْنِ «٥» : بِالْهِجْرَةِ قَبْلَ [أَنْ «٦» ] يُؤْذَنَ لَهُمْ: بِأَنْ يَبْتَدِئُوا مُشْرِكًا بِقِتَالٍ» «ثُمَّ أُذِنَ لَهُمْ: بِأَنْ يَبْتَدِئُوا الْمُشْرِكِينَ بِقِتَالٍ «٧» قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:
(أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ: بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا «٨» وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ «٩» : ٢٢- ٣٩) وَأَبَاحَ لَهُمْ الْقِتَالَ، بِمَعْنًى: أَبَانَهُ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: (وَقاتِلُوا فِي)
(١) كَذَا بِالْأُمِّ. وفى الأَصْل: «هَذِه» وَهُوَ تَصْحِيف.
(٢) كَذَا بِالْأُمِّ. وفى الأَصْل: «مَوْضِعه» وَهُوَ محرف عَمَّا ذكرنَا أَو يكون قَوْله: «فى» زَائِدا من النَّاسِخ. وَإِن كَانَ الْمَعْنى حِينَئِذٍ يخْتَلف، وَالْمَقْصُود هُوَ الأول
(٣) كَمَا فى الْأُم (ج ٤ ص ٨٤).
(٤) كَذَا بِالْأُمِّ، وَهُوَ الظَّاهِر. وفى الأَصْل: «الله» وَهُوَ مَعَ صِحَّته، لَا نستبعد أَنه محرف عَمَّا ذكرنَا، ويقوى ذَلِك قَوْله الْآتِي: «يُؤذن».
(٥) كَذَا بِالْأُمِّ. وفى الأَصْل: «بِأخذ الْجِهَاد» والتصحيف وَالنَّقْص من النَّاسِخ.
(٦) الزِّيَادَة عَن الْأُم.
(٧) رَاجع فى السّنَن الْكُبْرَى (ج ٩ ص ١١) مَا روى عَن ابْن عَبَّاس: فى نسخ الْعَفو عَن الْمُشْركين. فَهُوَ مُفِيد جدا.
(٨) زعم ابْن زيد: أَن هَذِه الْآيَة مَنْسُوخَة بِآيَة: (وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ: ٧- ١٨٠). ورد عَلَيْهِ: بِأَن ذَلِك إِنَّمَا هُوَ من بَاب التهديد. انْظُر النَّاسِخ والمنسوخ للنحاس (ص ١٨٩).
(٩) فى الْأُم زِيَادَة: «الَّذين أخرجُوا من دِيَارهمْ بِغَيْر حق الْآيَة». [.....]
— 13 —
(سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ، وَلا تَعْتَدُوا: إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ «١» وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) إلَى: (وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ: حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ: فَاقْتُلُوهُمْ «٢» كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ: ٢- ١٩٠- ١٩١).»
«قَالَ الشَّافِعِيُّ (رَحِمَهُ اللَّهُ) : يُقَالُ: نَزَلَ هَذَا فِي أَهْلِ مَكَّةَ-: وَهُمْ كَانُوا أَشَدَّ الْعَدُوِّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.- فَفُرِضَ «٣» عَلَيْهِمْ فِي قِتَالِهِمْ، مَا ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ» «ثُمَّ يُقَالُ: نُسِخَ هَذَا كُلُّهُ «٤»، وَالنَّهْيُ «٥» عَنْ الْقِتَالِ حَتَّى يُقَاتَلُوا،
(١) ذهب ابْن زيد: إِلَى أَن هَذِه الْآيَة مَنْسُوخَة بقوله تَعَالَى: (وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً: ٩- ٣٦). وَذهب ابْن عَبَّاس: إِلَى أَنَّهَا محكمَة، وَأَن معنى (وَلَا تَعْتَدوا) : لَا تقتلُوا النِّسَاء وَالصبيان، وَلَا الشَّيْخ الْكَبِير، وَلَا من ألْقى إِلَيْكُم السّلم وكف يَده. فَمن فعل ذَلِك: فقد اعْتدى. قَالَ أَبُو جَعْفَر فى النَّاسِخ والمنسوخ:
وَهَذَا أصح الْقَوْلَيْنِ من السّنة وَالنَّظَر. فراجع مَا اسْتدلَّ بِهِ (ص ٢٥- ٢٦) : فَهُوَ مُفِيد فى بعض المباحث الْآتِيَة.
(٢) ذهب بعض الْعلمَاء- كمجاهد وَطَاوُس-: إِلَى أَن هَذِه الْآيَة محكمَة.
وَذهب بَعضهم- كقتادة-: إِلَى أَنَّهَا مَنْسُوخَة بِآيَة الْبَقَرَة الَّتِي ذكرهَا الشَّافِعِي.
وَهُوَ مَا عَلَيْهِ أَكثر أهل النّظر. انْظُر النَّاسِخ والمنسوخ للنحاس (ص ٢٦- ٢٧).
(٣) فى الْأُم: «وَفرض».
(٤) أَي: من النهى عَن قتال الْمُشْركين قبل أَن يقاتلوهم، والنهى عَن الْقِتَال عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام كَذَلِك. وَقد ذكر هَذَا فى السّنَن الْكُبْرَى (ج ٩ ص ١١- بعد عنوان تضمن النهى عَن الْقِتَال حَتَّى يقاتلوا، والنهى عَنهُ فى الشَّهْر الْحَرَام- بِلَفْظ: «نسخ النهى [عَن] هَذَا كُله، بقول الله» إِلَخ.
(٥) هَذَا من عطف الْخَاص على الْعَام.
— 14 —
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

5 مقطع من التفسير