تفسير سورة سورة الأحقاف
الشعراوي
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
أحكام القرآن
البيهقي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
أحكام القرآن للكيا الهراسي
الكيا الهراسي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير آيات الأحكام للسايس
محمد علي السايس
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة
خالد بن سليمان المزيني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
مكي بن أبي طالب
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
تفسير ابن خويز منداد
ابن خويزمنداد
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
ﰡ
آية رقم ١
ﮑ
ﮒ
هذه واحدة من الحواميم السبع، وهي السور التي بدأتْ بقوله تعالى (حم)، وهي سبع سور مُتصلة في القرآن الكريم أولها غافر: حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ [غافر: ١-٢] أى: العليم بما يصلحكم، ولا تَخْفى عليه منكم خافية.
ثم فصلَّت: حـمۤ * تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ [فصلت: ١-٢] ثم الشورى: حـمۤ * عۤسۤقۤ * كَذَلِكَ يُوحِيۤ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ [الشورى: ١-٣] ثم الزخرف: حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ [الزخرف ١-٢] ثم الدخان: حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ [الدخان: ١-٢] ثم الجاثية: حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ [الجاثية: ١-٢] ثم الأحقاف: حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ [الأحقاف: ١-٢]. وهي آخر الحَواميم.
ونلاحظ أن هذه السُّور تسير في بدايتها على نظام واحد يؤكد على أن (حم) وغيرها من الحروف المقطَّعة مُنزَّلة من عند الله، وهي وحْي يعلم الله مراده، وهي في التنزيل مثل باقي القرآن وباقي الآيات الواضحات، لذلك مرة يقول حـمۤ * تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ [فصلت: ١-٢] أي: هي ذاتها مُنزلة.
وفي آية أخرى يقول: حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ [الزخرف: ١-٢] يعني: حم والقرآن الظاهر الواضح المعنى، كلاهما تنزيل مُنزَّل من عند الله إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ [الدخان: ٣].
ونحن نؤمن بأن كل هذه الآيات من عند الله الذي نعرف معناه والذي لا نعرف معناه. قلنا: لأن الله تعالى يريد أنْ يحرس كلَّ إيمان بمشهد، فالإيمان لا يكون إلا في الغيبيات، ولا يكون الإيمانُ في المُشَاهد لنا.
فمثلاً لا يصح أنْ نقول: نحن نؤمن بأننا نجلس الآن مع الإخوان في مسجد الفردوس ونُلقي درساً، لكن نقول: نؤمن بأن الله موجود، بأن الجنة حَقّ. ومن رحمة الله ولُطفه بنا أنْ يحرس الإيمان الغيبي بأمر مُشاهد لنأخذ من المشاهد لنا دليلاً على صدقه فيما غاب عنا.
إذن: هذه الحروف المقطَّعة التي لا نعرف معناها نزلتْ هكذا لحكمة.
خُذْ مثلاً رحلة الإسراء والمعراج تجد فيها غيباً يحرسه مشهد، كيف؟ تعرفون أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرّض لكثير من الأذى وضُيْق عليه وعلى دعوته وعلى المؤمنين به، وكان آخر ذلك في الطائف حيث آذاه أهلها حتى شقَّ عليه ما يلاقي. وقلنا: إنه جلس يناجي ربه ويشتكي إليه قسوة هؤلاء ويطلب منه النُّصْرة.
بعدها جاء حادث الإسراء والمعراج، وكأنه رحلة تخفِّف عن رسول الله ورسالة تقول له: يا محمد إنْ جفاك أهل الأرض فسوف احتفل بك في أهل السماء وأذهب بك إلى مكان لم يذهب إليه أحدٌ قبلك، وأريك من آياتي ما لم يره أحد قبلك.
والمتأمل في سَيْر هذه الرحلة يجد أن الحق سبحان مهَّد بالإسراء للمعراج، فجعل رحلة الإسراء آية أرضية وهي آية مشاهدة معروفة أبعادها وتفاصيلها، وكثيرٌ من أهل مكة يذهبون في هذه الرحلة من مكة إلى بيت المقدس، ويمكن أن يقام عليها دليل عقلي لمن لا يؤمن بها؟
لذلك لما كذَّبه قومه وقالو: أتزعم أنك أتيتَ بي المقدس في ليلة ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهراً؟ ثم طلبوا من رسول الله أنْ يصف لهم بيت المقدس، وأنْ يعطيهم علامات في الطريق، ولو كانوا على يقين من هذه الرحلة ما سألوا رسول الله ذلك.
فهم إذن يريدون تعجيز رسول الله. لكن الله أيَّد رسوله وعرض أمامه صورة تفصيلية لبيت المقدس فأخذ رسول الله يصفه لهم، ثم أخبرهم بالعير التي لهم في طريق التجارة، وأنها بمكان كذا، وفيها كذا وكذا، ولما وصلتْ قوافلهم التجارية وجدوها كما أخبر رسول الله.
إذن: أمكن إقامة الدليل على صدقه صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء لتكونَ مقدمة للمعراج، وهو رحلة سماوية لا يطلع عليها أحد، ولا يمكن إقامة الدليل العقلي عليها، لكن الذي خرق القوانين الكونية لمحمد في رحلة الإسراء يمكن أنْ يخرق له القوانين في رحلة المعراج.
إذن: جعل الغيب الذي يُقام عليه دليلٌ مقدمة للغيب الذي لا دليلَ عليه.
ثم إن كلمتهم التي اعترضوا بها على رسول الله لمَّا قالوا: كيف ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهراً، هذه الكلمة نفعتنا فيما بعد ونردّ بها على دعاة التنوير والفلسفة الفارغة الذين يقولون إن الإسراء كان بالروح لا بالجسد.
فنقول لهم: لو كان الإسراء بالروح ما قال كفار مكة هذه الكلمة، وما قالوها إلا لعلمهم أنه كان حقيقة بالروح وبالجسد، وأن رسول الله ذهب إليها وقطع المسافات على وجه الحقيقة.
فالله تعالى يُنطق ألسنتهم بما يُؤيِّد الحق دون أنْ يشعروا، وبما يثبت عنادهم وتغفيلهم كما فعل اليهود في حادثة تحويل القبلة، علم الله ما سيقولونه وأخبر به نبيه صلى الله عليه وسلم: سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا.. [البقرة: ١٤٢].
وأعلن محمد صلى الله عليه وسلم هذه الآية وتلاها على الملأ وتداولتها الألسنة ومع ذلك قالوها، ولو كان عندهم قليلٌ من التعقل الديني لا الدنيوي لتوقَّفوا عن قولها.
ومن ذلك أيضاً قولهم: لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ.. [المنافقون: ٧] فالحق ينطلق من ألسنتهم دون أنْ يشعروا به.
كذلك الحال في آيات القرآن الكريم فيها مشهد وغيب، فنأخذ المشهد دليلاً على صِدْق الغيب، نأخذ الآيات الواضحة المعنى دليلاً على الآيات ذات الحروف المقطَّعة التي لا نعرف معناها ونقف عندها ونقول: الله أعلم بمراده منها، لكن هي حَقٌّ وهي من عند الله نزلتْ كما نزلت باقي الآيات لكن معناها غير واضح.
لذلك الحق سبحانه يعطينا إشارة إلى هذه المسألة إشارة تفرق بين (حم) وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ [الزخرف: ٢] حم الآيات الغامضة التى لا تعرفون لها معنى وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ [الزخرف: ٢] البيِّن الواضح المعنى.
فجعل الآيات الواضحات المعنى مبنية كلها على الوصل من أول بسم الله الرحمن الرحيم في الفاتحة إلى مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ [الناس: ٤].
فالقرآن في مُجْمله مبنيٌّ على الوَصْل إلا هذه الحروف المقطَّعة الأربعة عشر فهي مبنية على الوقف، فتقرأ: (ألف لام ميم) (حاميم) وكأن هذا الوقفَ إشارة من الحق سبحانه أنْ لا تأخذوا هذه الحروف على نفس نسَق القرآن في النطق لأنها شيء آخر له خصوصية.
صحيح أنها جميعاً من معين واحد، وكلها من عند الله لكن قفُوا عند هذه الحروف وأرجعوا معناها إلى مُنزلها سبحانه، فقد استَأثر بها لنفسه ليستديم إيماننا بالغيب، وليصلنا دائماً به إيماناً وإسلاماً.
وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرح لنا هذه المسألة فيقول: فكأن هذا الحرف وحده قائم بذاته له مدلول وله معنى يحسُن السكوت عليه، وإلا لما بُنيتْ هذه الحروف على الوقف.
وطالما أنها مختلفة عن باقي آيات القرآن في النطق، فلا بدَّ أن لها خصوصية، وأنَّ فيها أسراراً وكلّ ما بأيدينا أن نحوم حولها.
ونلاحظ أيضاً أن الحروف في اللغة تنقسم إلى حروف مبني وحروف معنى، فالكاف مثلاً حرف مبني يعني يدخل في بناء الكلمة، ولا معنى له في (كتب) لكنه حين ينضم إلى غيره يعطي معنى كتب.
أما الكاف في لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.. [الشورى: ١١] فالكاف هنا حرف معنى يفيد التشبيه، كذلك الباء حرف مبني في (كتب) وحرف معنى في (بالله) لأنه يفيد القسم، كذلك في الحروف المقطَّعة في أوائل السور هي حروف مبني في شكل نطقها، لكنها حروف معنى عند قائلها الذي يعلم معناها.
وقد يُطلِع بعض عباده على هذه المعاني أو شيء منها فيفهمون منها معاني، ولذلك نقول في تفسيرها: والله أعلم بمراده، لأن حديثنا عنها مجرد اجتهاد ومحاولة للفهم.
وقلنا: إن هذه الحروف أربعة عشر حرفاً من حروف الهجاء الثمانية والعشرين، يعني أخذ نصف حروف المعجم، ولكن أخذها بنظام محكم لا يمكن أن يأتي عَفْواً، فأخذ من التسعة أحرف الأولى الألف والحاء وأخذ من التسعة الأخيرة سبعة وترك اثنين على عكس التسعة الأولى، فلم يترك منها إلا الواو والفاء.
إذن: ليس لها نسق معين، لكن هندسة مقصودة لغاية مقصودة، ثم العشرة الباقية في الوسط أخذ منها غير المنقوط، وترك المنقوط، فأخذ الراء وترك الزاي، وأخذ السين وترك الشين، وأخذ الصاد وترك الضاد، وأخذ الطاء وترك الظاء، وأخذ العين وترك الغين.
فإنْ قال قائل: كيف وإعجام الحروف أي نقطها لم يأتِ إلا في عصر الدولة الأُموية.
نقول: ربُّها وقائلها الناطق بها يعلم ما تصير إليه، فكلها داخلة في العلم الأعلى، لذلك نقف عندها ونأخذها بالكمال الذي وضعه قائلها فيها، فهي كما قلنا مثل أسنان المفتاح التي تفتح لك. فإذا تغيَّر المفتاح لا يفتح.
إذن: كل شيء في القرآن وُضع بحكمة، حتى في القراءة سواء المتعلم الذي يعرف المعنى أو الأمي الذي لا يعرف تجد القراءة على نوعين قراءة تأمل وتعبد وقراءة استنباط، وهذه ينبغي أنْ تُعملَ فيها عقلك.
وإنْ قرأت للتعبد فإياك أنْ تُعملَ عقلك، وخذ الكلمة أو الحرف بمراد قائله منه، وأنت حين تأتي بالمعنى الذي على قدرك سوف تحدد كمال الله وكمالاته التي لا تتناهى.
لذلك وجدنا أسرع الناس حفْظاً للقرآن هم الذين يقرأونه دون توقُّف عند معناه، بل يقرأونه كما هو بفَهْم أو بغير فهم.
وقوله تعالى: تَنزِيلُ.. [الأحقاف: ٢] أي: الذي نزّل حم نزلّ ٱلْكِتَابِ.. [الأحقاف: ٢] أي: القرآن مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ [الأحقاف: ٢] وتأمل هنا الوصف بالحكمة، فكل شيء نزل بحكمة حتى في هذه الحروف التي لا نعرف لها معنى.
ثم يقول الحق سبحانه:
مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ... .
ثم فصلَّت: حـمۤ * تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ [فصلت: ١-٢] ثم الشورى: حـمۤ * عۤسۤقۤ * كَذَلِكَ يُوحِيۤ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ [الشورى: ١-٣] ثم الزخرف: حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ [الزخرف ١-٢] ثم الدخان: حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ [الدخان: ١-٢] ثم الجاثية: حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ [الجاثية: ١-٢] ثم الأحقاف: حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ [الأحقاف: ١-٢]. وهي آخر الحَواميم.
ونلاحظ أن هذه السُّور تسير في بدايتها على نظام واحد يؤكد على أن (حم) وغيرها من الحروف المقطَّعة مُنزَّلة من عند الله، وهي وحْي يعلم الله مراده، وهي في التنزيل مثل باقي القرآن وباقي الآيات الواضحات، لذلك مرة يقول حـمۤ * تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ [فصلت: ١-٢] أي: هي ذاتها مُنزلة.
وفي آية أخرى يقول: حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ [الزخرف: ١-٢] يعني: حم والقرآن الظاهر الواضح المعنى، كلاهما تنزيل مُنزَّل من عند الله إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ [الدخان: ٣].
ونحن نؤمن بأن كل هذه الآيات من عند الله الذي نعرف معناه والذي لا نعرف معناه. قلنا: لأن الله تعالى يريد أنْ يحرس كلَّ إيمان بمشهد، فالإيمان لا يكون إلا في الغيبيات، ولا يكون الإيمانُ في المُشَاهد لنا.
فمثلاً لا يصح أنْ نقول: نحن نؤمن بأننا نجلس الآن مع الإخوان في مسجد الفردوس ونُلقي درساً، لكن نقول: نؤمن بأن الله موجود، بأن الجنة حَقّ. ومن رحمة الله ولُطفه بنا أنْ يحرس الإيمان الغيبي بأمر مُشاهد لنأخذ من المشاهد لنا دليلاً على صدقه فيما غاب عنا.
إذن: هذه الحروف المقطَّعة التي لا نعرف معناها نزلتْ هكذا لحكمة.
خُذْ مثلاً رحلة الإسراء والمعراج تجد فيها غيباً يحرسه مشهد، كيف؟ تعرفون أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرّض لكثير من الأذى وضُيْق عليه وعلى دعوته وعلى المؤمنين به، وكان آخر ذلك في الطائف حيث آذاه أهلها حتى شقَّ عليه ما يلاقي. وقلنا: إنه جلس يناجي ربه ويشتكي إليه قسوة هؤلاء ويطلب منه النُّصْرة.
بعدها جاء حادث الإسراء والمعراج، وكأنه رحلة تخفِّف عن رسول الله ورسالة تقول له: يا محمد إنْ جفاك أهل الأرض فسوف احتفل بك في أهل السماء وأذهب بك إلى مكان لم يذهب إليه أحدٌ قبلك، وأريك من آياتي ما لم يره أحد قبلك.
والمتأمل في سَيْر هذه الرحلة يجد أن الحق سبحان مهَّد بالإسراء للمعراج، فجعل رحلة الإسراء آية أرضية وهي آية مشاهدة معروفة أبعادها وتفاصيلها، وكثيرٌ من أهل مكة يذهبون في هذه الرحلة من مكة إلى بيت المقدس، ويمكن أن يقام عليها دليل عقلي لمن لا يؤمن بها؟
لذلك لما كذَّبه قومه وقالو: أتزعم أنك أتيتَ بي المقدس في ليلة ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهراً؟ ثم طلبوا من رسول الله أنْ يصف لهم بيت المقدس، وأنْ يعطيهم علامات في الطريق، ولو كانوا على يقين من هذه الرحلة ما سألوا رسول الله ذلك.
فهم إذن يريدون تعجيز رسول الله. لكن الله أيَّد رسوله وعرض أمامه صورة تفصيلية لبيت المقدس فأخذ رسول الله يصفه لهم، ثم أخبرهم بالعير التي لهم في طريق التجارة، وأنها بمكان كذا، وفيها كذا وكذا، ولما وصلتْ قوافلهم التجارية وجدوها كما أخبر رسول الله.
إذن: أمكن إقامة الدليل على صدقه صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء لتكونَ مقدمة للمعراج، وهو رحلة سماوية لا يطلع عليها أحد، ولا يمكن إقامة الدليل العقلي عليها، لكن الذي خرق القوانين الكونية لمحمد في رحلة الإسراء يمكن أنْ يخرق له القوانين في رحلة المعراج.
إذن: جعل الغيب الذي يُقام عليه دليلٌ مقدمة للغيب الذي لا دليلَ عليه.
ثم إن كلمتهم التي اعترضوا بها على رسول الله لمَّا قالوا: كيف ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهراً، هذه الكلمة نفعتنا فيما بعد ونردّ بها على دعاة التنوير والفلسفة الفارغة الذين يقولون إن الإسراء كان بالروح لا بالجسد.
فنقول لهم: لو كان الإسراء بالروح ما قال كفار مكة هذه الكلمة، وما قالوها إلا لعلمهم أنه كان حقيقة بالروح وبالجسد، وأن رسول الله ذهب إليها وقطع المسافات على وجه الحقيقة.
فالله تعالى يُنطق ألسنتهم بما يُؤيِّد الحق دون أنْ يشعروا، وبما يثبت عنادهم وتغفيلهم كما فعل اليهود في حادثة تحويل القبلة، علم الله ما سيقولونه وأخبر به نبيه صلى الله عليه وسلم: سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا.. [البقرة: ١٤٢].
وأعلن محمد صلى الله عليه وسلم هذه الآية وتلاها على الملأ وتداولتها الألسنة ومع ذلك قالوها، ولو كان عندهم قليلٌ من التعقل الديني لا الدنيوي لتوقَّفوا عن قولها.
ومن ذلك أيضاً قولهم: لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ.. [المنافقون: ٧] فالحق ينطلق من ألسنتهم دون أنْ يشعروا به.
كذلك الحال في آيات القرآن الكريم فيها مشهد وغيب، فنأخذ المشهد دليلاً على صِدْق الغيب، نأخذ الآيات الواضحة المعنى دليلاً على الآيات ذات الحروف المقطَّعة التي لا نعرف معناها ونقف عندها ونقول: الله أعلم بمراده منها، لكن هي حَقٌّ وهي من عند الله نزلتْ كما نزلت باقي الآيات لكن معناها غير واضح.
لذلك الحق سبحانه يعطينا إشارة إلى هذه المسألة إشارة تفرق بين (حم) وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ [الزخرف: ٢] حم الآيات الغامضة التى لا تعرفون لها معنى وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ [الزخرف: ٢] البيِّن الواضح المعنى.
فجعل الآيات الواضحات المعنى مبنية كلها على الوصل من أول بسم الله الرحمن الرحيم في الفاتحة إلى مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ [الناس: ٤].
فالقرآن في مُجْمله مبنيٌّ على الوَصْل إلا هذه الحروف المقطَّعة الأربعة عشر فهي مبنية على الوقف، فتقرأ: (ألف لام ميم) (حاميم) وكأن هذا الوقفَ إشارة من الحق سبحانه أنْ لا تأخذوا هذه الحروف على نفس نسَق القرآن في النطق لأنها شيء آخر له خصوصية.
صحيح أنها جميعاً من معين واحد، وكلها من عند الله لكن قفُوا عند هذه الحروف وأرجعوا معناها إلى مُنزلها سبحانه، فقد استَأثر بها لنفسه ليستديم إيماننا بالغيب، وليصلنا دائماً به إيماناً وإسلاماً.
وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرح لنا هذه المسألة فيقول: فكأن هذا الحرف وحده قائم بذاته له مدلول وله معنى يحسُن السكوت عليه، وإلا لما بُنيتْ هذه الحروف على الوقف.
وطالما أنها مختلفة عن باقي آيات القرآن في النطق، فلا بدَّ أن لها خصوصية، وأنَّ فيها أسراراً وكلّ ما بأيدينا أن نحوم حولها.
ونلاحظ أيضاً أن الحروف في اللغة تنقسم إلى حروف مبني وحروف معنى، فالكاف مثلاً حرف مبني يعني يدخل في بناء الكلمة، ولا معنى له في (كتب) لكنه حين ينضم إلى غيره يعطي معنى كتب.
أما الكاف في لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.. [الشورى: ١١] فالكاف هنا حرف معنى يفيد التشبيه، كذلك الباء حرف مبني في (كتب) وحرف معنى في (بالله) لأنه يفيد القسم، كذلك في الحروف المقطَّعة في أوائل السور هي حروف مبني في شكل نطقها، لكنها حروف معنى عند قائلها الذي يعلم معناها.
وقد يُطلِع بعض عباده على هذه المعاني أو شيء منها فيفهمون منها معاني، ولذلك نقول في تفسيرها: والله أعلم بمراده، لأن حديثنا عنها مجرد اجتهاد ومحاولة للفهم.
وقلنا: إن هذه الحروف أربعة عشر حرفاً من حروف الهجاء الثمانية والعشرين، يعني أخذ نصف حروف المعجم، ولكن أخذها بنظام محكم لا يمكن أن يأتي عَفْواً، فأخذ من التسعة أحرف الأولى الألف والحاء وأخذ من التسعة الأخيرة سبعة وترك اثنين على عكس التسعة الأولى، فلم يترك منها إلا الواو والفاء.
إذن: ليس لها نسق معين، لكن هندسة مقصودة لغاية مقصودة، ثم العشرة الباقية في الوسط أخذ منها غير المنقوط، وترك المنقوط، فأخذ الراء وترك الزاي، وأخذ السين وترك الشين، وأخذ الصاد وترك الضاد، وأخذ الطاء وترك الظاء، وأخذ العين وترك الغين.
فإنْ قال قائل: كيف وإعجام الحروف أي نقطها لم يأتِ إلا في عصر الدولة الأُموية.
نقول: ربُّها وقائلها الناطق بها يعلم ما تصير إليه، فكلها داخلة في العلم الأعلى، لذلك نقف عندها ونأخذها بالكمال الذي وضعه قائلها فيها، فهي كما قلنا مثل أسنان المفتاح التي تفتح لك. فإذا تغيَّر المفتاح لا يفتح.
إذن: كل شيء في القرآن وُضع بحكمة، حتى في القراءة سواء المتعلم الذي يعرف المعنى أو الأمي الذي لا يعرف تجد القراءة على نوعين قراءة تأمل وتعبد وقراءة استنباط، وهذه ينبغي أنْ تُعملَ فيها عقلك.
وإنْ قرأت للتعبد فإياك أنْ تُعملَ عقلك، وخذ الكلمة أو الحرف بمراد قائله منه، وأنت حين تأتي بالمعنى الذي على قدرك سوف تحدد كمال الله وكمالاته التي لا تتناهى.
لذلك وجدنا أسرع الناس حفْظاً للقرآن هم الذين يقرأونه دون توقُّف عند معناه، بل يقرأونه كما هو بفَهْم أو بغير فهم.
وقوله تعالى: تَنزِيلُ.. [الأحقاف: ٢] أي: الذي نزّل حم نزلّ ٱلْكِتَابِ.. [الأحقاف: ٢] أي: القرآن مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ [الأحقاف: ٢] وتأمل هنا الوصف بالحكمة، فكل شيء نزل بحكمة حتى في هذه الحروف التي لا نعرف لها معنى.
ثم يقول الحق سبحانه:
مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ... .
آية رقم ٢
ﮓﮔﮕﮖﮗﮘ
ﮙ
هذه واحدة من الحواميم السبع، وهي السور التي بدأتْ بقوله تعالى (حم)، وهي سبع سور مُتصلة في القرآن الكريم أولها غافر: حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ [غافر: ١-٢] أى: العليم بما يصلحكم، ولا تَخْفى عليه منكم خافية.
ثم فصلَّت: حـمۤ * تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ [فصلت: ١-٢] ثم الشورى: حـمۤ * عۤسۤقۤ * كَذَلِكَ يُوحِيۤ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ [الشورى: ١-٣] ثم الزخرف: حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ [الزخرف ١-٢] ثم الدخان: حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ [الدخان: ١-٢] ثم الجاثية: حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ [الجاثية: ١-٢] ثم الأحقاف: حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ [الأحقاف: ١-٢]. وهي آخر الحَواميم.
ونلاحظ أن هذه السُّور تسير في بدايتها على نظام واحد يؤكد على أن (حم) وغيرها من الحروف المقطَّعة مُنزَّلة من عند الله، وهي وحْي يعلم الله مراده، وهي في التنزيل مثل باقي القرآن وباقي الآيات الواضحات، لذلك مرة يقول حـمۤ * تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ [فصلت: ١-٢] أي: هي ذاتها مُنزلة.
وفي آية أخرى يقول: حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ [الزخرف: ١-٢] يعني: حم والقرآن الظاهر الواضح المعنى، كلاهما تنزيل مُنزَّل من عند الله إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ [الدخان: ٣].
ونحن نؤمن بأن كل هذه الآيات من عند الله الذي نعرف معناه والذي لا نعرف معناه. قلنا: لأن الله تعالى يريد أنْ يحرس كلَّ إيمان بمشهد، فالإيمان لا يكون إلا في الغيبيات، ولا يكون الإيمانُ في المُشَاهد لنا.
فمثلاً لا يصح أنْ نقول: نحن نؤمن بأننا نجلس الآن مع الإخوان في مسجد الفردوس ونُلقي درساً، لكن نقول: نؤمن بأن الله موجود، بأن الجنة حَقّ. ومن رحمة الله ولُطفه بنا أنْ يحرس الإيمان الغيبي بأمر مُشاهد لنأخذ من المشاهد لنا دليلاً على صدقه فيما غاب عنا.
إذن: هذه الحروف المقطَّعة التي لا نعرف معناها نزلتْ هكذا لحكمة.
خُذْ مثلاً رحلة الإسراء والمعراج تجد فيها غيباً يحرسه مشهد، كيف؟ تعرفون أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرّض لكثير من الأذى وضُيْق عليه وعلى دعوته وعلى المؤمنين به، وكان آخر ذلك في الطائف حيث آذاه أهلها حتى شقَّ عليه ما يلاقي. وقلنا: إنه جلس يناجي ربه ويشتكي إليه قسوة هؤلاء ويطلب منه النُّصْرة.
بعدها جاء حادث الإسراء والمعراج، وكأنه رحلة تخفِّف عن رسول الله ورسالة تقول له: يا محمد إنْ جفاك أهل الأرض فسوف احتفل بك في أهل السماء وأذهب بك إلى مكان لم يذهب إليه أحدٌ قبلك، وأريك من آياتي ما لم يره أحد قبلك.
والمتأمل في سَيْر هذه الرحلة يجد أن الحق سبحان مهَّد بالإسراء للمعراج، فجعل رحلة الإسراء آية أرضية وهي آية مشاهدة معروفة أبعادها وتفاصيلها، وكثيرٌ من أهل مكة يذهبون في هذه الرحلة من مكة إلى بيت المقدس، ويمكن أن يقام عليها دليل عقلي لمن لا يؤمن بها؟
لذلك لما كذَّبه قومه وقالو: أتزعم أنك أتيتَ بي المقدس في ليلة ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهراً؟ ثم طلبوا من رسول الله أنْ يصف لهم بيت المقدس، وأنْ يعطيهم علامات في الطريق، ولو كانوا على يقين من هذه الرحلة ما سألوا رسول الله ذلك.
فهم إذن يريدون تعجيز رسول الله. لكن الله أيَّد رسوله وعرض أمامه صورة تفصيلية لبيت المقدس فأخذ رسول الله يصفه لهم، ثم أخبرهم بالعير التي لهم في طريق التجارة، وأنها بمكان كذا، وفيها كذا وكذا، ولما وصلتْ قوافلهم التجارية وجدوها كما أخبر رسول الله.
إذن: أمكن إقامة الدليل على صدقه صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء لتكونَ مقدمة للمعراج، وهو رحلة سماوية لا يطلع عليها أحد، ولا يمكن إقامة الدليل العقلي عليها، لكن الذي خرق القوانين الكونية لمحمد في رحلة الإسراء يمكن أنْ يخرق له القوانين في رحلة المعراج.
إذن: جعل الغيب الذي يُقام عليه دليلٌ مقدمة للغيب الذي لا دليلَ عليه.
ثم إن كلمتهم التي اعترضوا بها على رسول الله لمَّا قالوا: كيف ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهراً، هذه الكلمة نفعتنا فيما بعد ونردّ بها على دعاة التنوير والفلسفة الفارغة الذين يقولون إن الإسراء كان بالروح لا بالجسد.
فنقول لهم: لو كان الإسراء بالروح ما قال كفار مكة هذه الكلمة، وما قالوها إلا لعلمهم أنه كان حقيقة بالروح وبالجسد، وأن رسول الله ذهب إليها وقطع المسافات على وجه الحقيقة.
فالله تعالى يُنطق ألسنتهم بما يُؤيِّد الحق دون أنْ يشعروا، وبما يثبت عنادهم وتغفيلهم كما فعل اليهود في حادثة تحويل القبلة، علم الله ما سيقولونه وأخبر به نبيه صلى الله عليه وسلم: سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا.. [البقرة: ١٤٢].
وأعلن محمد صلى الله عليه وسلم هذه الآية وتلاها على الملأ وتداولتها الألسنة ومع ذلك قالوها، ولو كان عندهم قليلٌ من التعقل الديني لا الدنيوي لتوقَّفوا عن قولها.
ومن ذلك أيضاً قولهم: لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ.. [المنافقون: ٧] فالحق ينطلق من ألسنتهم دون أنْ يشعروا به.
كذلك الحال في آيات القرآن الكريم فيها مشهد وغيب، فنأخذ المشهد دليلاً على صِدْق الغيب، نأخذ الآيات الواضحة المعنى دليلاً على الآيات ذات الحروف المقطَّعة التي لا نعرف معناها ونقف عندها ونقول: الله أعلم بمراده منها، لكن هي حَقٌّ وهي من عند الله نزلتْ كما نزلت باقي الآيات لكن معناها غير واضح.
لذلك الحق سبحانه يعطينا إشارة إلى هذه المسألة إشارة تفرق بين (حم) وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ [الزخرف: ٢] حم الآيات الغامضة التى لا تعرفون لها معنى وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ [الزخرف: ٢] البيِّن الواضح المعنى.
فجعل الآيات الواضحات المعنى مبنية كلها على الوصل من أول بسم الله الرحمن الرحيم في الفاتحة إلى مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ [الناس: ٤].
فالقرآن في مُجْمله مبنيٌّ على الوَصْل إلا هذه الحروف المقطَّعة الأربعة عشر فهي مبنية على الوقف، فتقرأ: (ألف لام ميم) (حاميم) وكأن هذا الوقفَ إشارة من الحق سبحانه أنْ لا تأخذوا هذه الحروف على نفس نسَق القرآن في النطق لأنها شيء آخر له خصوصية.
صحيح أنها جميعاً من معين واحد، وكلها من عند الله لكن قفُوا عند هذه الحروف وأرجعوا معناها إلى مُنزلها سبحانه، فقد استَأثر بها لنفسه ليستديم إيماننا بالغيب، وليصلنا دائماً به إيماناً وإسلاماً.
وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرح لنا هذه المسألة فيقول: فكأن هذا الحرف وحده قائم بذاته له مدلول وله معنى يحسُن السكوت عليه، وإلا لما بُنيتْ هذه الحروف على الوقف.
وطالما أنها مختلفة عن باقي آيات القرآن في النطق، فلا بدَّ أن لها خصوصية، وأنَّ فيها أسراراً وكلّ ما بأيدينا أن نحوم حولها.
ونلاحظ أيضاً أن الحروف في اللغة تنقسم إلى حروف مبني وحروف معنى، فالكاف مثلاً حرف مبني يعني يدخل في بناء الكلمة، ولا معنى له في (كتب) لكنه حين ينضم إلى غيره يعطي معنى كتب.
أما الكاف في لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.. [الشورى: ١١] فالكاف هنا حرف معنى يفيد التشبيه، كذلك الباء حرف مبني في (كتب) وحرف معنى في (بالله) لأنه يفيد القسم، كذلك في الحروف المقطَّعة في أوائل السور هي حروف مبني في شكل نطقها، لكنها حروف معنى عند قائلها الذي يعلم معناها.
وقد يُطلِع بعض عباده على هذه المعاني أو شيء منها فيفهمون منها معاني، ولذلك نقول في تفسيرها: والله أعلم بمراده، لأن حديثنا عنها مجرد اجتهاد ومحاولة للفهم.
وقلنا: إن هذه الحروف أربعة عشر حرفاً من حروف الهجاء الثمانية والعشرين، يعني أخذ نصف حروف المعجم، ولكن أخذها بنظام محكم لا يمكن أن يأتي عَفْواً، فأخذ من التسعة أحرف الأولى الألف والحاء وأخذ من التسعة الأخيرة سبعة وترك اثنين على عكس التسعة الأولى، فلم يترك منها إلا الواو والفاء.
إذن: ليس لها نسق معين، لكن هندسة مقصودة لغاية مقصودة، ثم العشرة الباقية في الوسط أخذ منها غير المنقوط، وترك المنقوط، فأخذ الراء وترك الزاي، وأخذ السين وترك الشين، وأخذ الصاد وترك الضاد، وأخذ الطاء وترك الظاء، وأخذ العين وترك الغين.
فإنْ قال قائل: كيف وإعجام الحروف أي نقطها لم يأتِ إلا في عصر الدولة الأُموية.
نقول: ربُّها وقائلها الناطق بها يعلم ما تصير إليه، فكلها داخلة في العلم الأعلى، لذلك نقف عندها ونأخذها بالكمال الذي وضعه قائلها فيها، فهي كما قلنا مثل أسنان المفتاح التي تفتح لك. فإذا تغيَّر المفتاح لا يفتح.
إذن: كل شيء في القرآن وُضع بحكمة، حتى في القراءة سواء المتعلم الذي يعرف المعنى أو الأمي الذي لا يعرف تجد القراءة على نوعين قراءة تأمل وتعبد وقراءة استنباط، وهذه ينبغي أنْ تُعملَ فيها عقلك.
وإنْ قرأت للتعبد فإياك أنْ تُعملَ عقلك، وخذ الكلمة أو الحرف بمراد قائله منه، وأنت حين تأتي بالمعنى الذي على قدرك سوف تحدد كمال الله وكمالاته التي لا تتناهى.
لذلك وجدنا أسرع الناس حفْظاً للقرآن هم الذين يقرأونه دون توقُّف عند معناه، بل يقرأونه كما هو بفَهْم أو بغير فهم.
وقوله تعالى: تَنزِيلُ.. [الأحقاف: ٢] أي: الذي نزّل حم نزلّ ٱلْكِتَابِ.. [الأحقاف: ٢] أي: القرآن مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ [الأحقاف: ٢] وتأمل هنا الوصف بالحكمة، فكل شيء نزل بحكمة حتى في هذه الحروف التي لا نعرف لها معنى.
ثم يقول الحق سبحانه:
مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ... .
ثم فصلَّت: حـمۤ * تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ [فصلت: ١-٢] ثم الشورى: حـمۤ * عۤسۤقۤ * كَذَلِكَ يُوحِيۤ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ [الشورى: ١-٣] ثم الزخرف: حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ [الزخرف ١-٢] ثم الدخان: حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ [الدخان: ١-٢] ثم الجاثية: حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ [الجاثية: ١-٢] ثم الأحقاف: حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ [الأحقاف: ١-٢]. وهي آخر الحَواميم.
ونلاحظ أن هذه السُّور تسير في بدايتها على نظام واحد يؤكد على أن (حم) وغيرها من الحروف المقطَّعة مُنزَّلة من عند الله، وهي وحْي يعلم الله مراده، وهي في التنزيل مثل باقي القرآن وباقي الآيات الواضحات، لذلك مرة يقول حـمۤ * تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ [فصلت: ١-٢] أي: هي ذاتها مُنزلة.
وفي آية أخرى يقول: حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ [الزخرف: ١-٢] يعني: حم والقرآن الظاهر الواضح المعنى، كلاهما تنزيل مُنزَّل من عند الله إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ [الدخان: ٣].
ونحن نؤمن بأن كل هذه الآيات من عند الله الذي نعرف معناه والذي لا نعرف معناه. قلنا: لأن الله تعالى يريد أنْ يحرس كلَّ إيمان بمشهد، فالإيمان لا يكون إلا في الغيبيات، ولا يكون الإيمانُ في المُشَاهد لنا.
فمثلاً لا يصح أنْ نقول: نحن نؤمن بأننا نجلس الآن مع الإخوان في مسجد الفردوس ونُلقي درساً، لكن نقول: نؤمن بأن الله موجود، بأن الجنة حَقّ. ومن رحمة الله ولُطفه بنا أنْ يحرس الإيمان الغيبي بأمر مُشاهد لنأخذ من المشاهد لنا دليلاً على صدقه فيما غاب عنا.
إذن: هذه الحروف المقطَّعة التي لا نعرف معناها نزلتْ هكذا لحكمة.
خُذْ مثلاً رحلة الإسراء والمعراج تجد فيها غيباً يحرسه مشهد، كيف؟ تعرفون أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرّض لكثير من الأذى وضُيْق عليه وعلى دعوته وعلى المؤمنين به، وكان آخر ذلك في الطائف حيث آذاه أهلها حتى شقَّ عليه ما يلاقي. وقلنا: إنه جلس يناجي ربه ويشتكي إليه قسوة هؤلاء ويطلب منه النُّصْرة.
بعدها جاء حادث الإسراء والمعراج، وكأنه رحلة تخفِّف عن رسول الله ورسالة تقول له: يا محمد إنْ جفاك أهل الأرض فسوف احتفل بك في أهل السماء وأذهب بك إلى مكان لم يذهب إليه أحدٌ قبلك، وأريك من آياتي ما لم يره أحد قبلك.
والمتأمل في سَيْر هذه الرحلة يجد أن الحق سبحان مهَّد بالإسراء للمعراج، فجعل رحلة الإسراء آية أرضية وهي آية مشاهدة معروفة أبعادها وتفاصيلها، وكثيرٌ من أهل مكة يذهبون في هذه الرحلة من مكة إلى بيت المقدس، ويمكن أن يقام عليها دليل عقلي لمن لا يؤمن بها؟
لذلك لما كذَّبه قومه وقالو: أتزعم أنك أتيتَ بي المقدس في ليلة ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهراً؟ ثم طلبوا من رسول الله أنْ يصف لهم بيت المقدس، وأنْ يعطيهم علامات في الطريق، ولو كانوا على يقين من هذه الرحلة ما سألوا رسول الله ذلك.
فهم إذن يريدون تعجيز رسول الله. لكن الله أيَّد رسوله وعرض أمامه صورة تفصيلية لبيت المقدس فأخذ رسول الله يصفه لهم، ثم أخبرهم بالعير التي لهم في طريق التجارة، وأنها بمكان كذا، وفيها كذا وكذا، ولما وصلتْ قوافلهم التجارية وجدوها كما أخبر رسول الله.
إذن: أمكن إقامة الدليل على صدقه صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء لتكونَ مقدمة للمعراج، وهو رحلة سماوية لا يطلع عليها أحد، ولا يمكن إقامة الدليل العقلي عليها، لكن الذي خرق القوانين الكونية لمحمد في رحلة الإسراء يمكن أنْ يخرق له القوانين في رحلة المعراج.
إذن: جعل الغيب الذي يُقام عليه دليلٌ مقدمة للغيب الذي لا دليلَ عليه.
ثم إن كلمتهم التي اعترضوا بها على رسول الله لمَّا قالوا: كيف ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهراً، هذه الكلمة نفعتنا فيما بعد ونردّ بها على دعاة التنوير والفلسفة الفارغة الذين يقولون إن الإسراء كان بالروح لا بالجسد.
فنقول لهم: لو كان الإسراء بالروح ما قال كفار مكة هذه الكلمة، وما قالوها إلا لعلمهم أنه كان حقيقة بالروح وبالجسد، وأن رسول الله ذهب إليها وقطع المسافات على وجه الحقيقة.
فالله تعالى يُنطق ألسنتهم بما يُؤيِّد الحق دون أنْ يشعروا، وبما يثبت عنادهم وتغفيلهم كما فعل اليهود في حادثة تحويل القبلة، علم الله ما سيقولونه وأخبر به نبيه صلى الله عليه وسلم: سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا.. [البقرة: ١٤٢].
وأعلن محمد صلى الله عليه وسلم هذه الآية وتلاها على الملأ وتداولتها الألسنة ومع ذلك قالوها، ولو كان عندهم قليلٌ من التعقل الديني لا الدنيوي لتوقَّفوا عن قولها.
ومن ذلك أيضاً قولهم: لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ.. [المنافقون: ٧] فالحق ينطلق من ألسنتهم دون أنْ يشعروا به.
كذلك الحال في آيات القرآن الكريم فيها مشهد وغيب، فنأخذ المشهد دليلاً على صِدْق الغيب، نأخذ الآيات الواضحة المعنى دليلاً على الآيات ذات الحروف المقطَّعة التي لا نعرف معناها ونقف عندها ونقول: الله أعلم بمراده منها، لكن هي حَقٌّ وهي من عند الله نزلتْ كما نزلت باقي الآيات لكن معناها غير واضح.
لذلك الحق سبحانه يعطينا إشارة إلى هذه المسألة إشارة تفرق بين (حم) وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ [الزخرف: ٢] حم الآيات الغامضة التى لا تعرفون لها معنى وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ [الزخرف: ٢] البيِّن الواضح المعنى.
فجعل الآيات الواضحات المعنى مبنية كلها على الوصل من أول بسم الله الرحمن الرحيم في الفاتحة إلى مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ [الناس: ٤].
فالقرآن في مُجْمله مبنيٌّ على الوَصْل إلا هذه الحروف المقطَّعة الأربعة عشر فهي مبنية على الوقف، فتقرأ: (ألف لام ميم) (حاميم) وكأن هذا الوقفَ إشارة من الحق سبحانه أنْ لا تأخذوا هذه الحروف على نفس نسَق القرآن في النطق لأنها شيء آخر له خصوصية.
صحيح أنها جميعاً من معين واحد، وكلها من عند الله لكن قفُوا عند هذه الحروف وأرجعوا معناها إلى مُنزلها سبحانه، فقد استَأثر بها لنفسه ليستديم إيماننا بالغيب، وليصلنا دائماً به إيماناً وإسلاماً.
وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرح لنا هذه المسألة فيقول: فكأن هذا الحرف وحده قائم بذاته له مدلول وله معنى يحسُن السكوت عليه، وإلا لما بُنيتْ هذه الحروف على الوقف.
وطالما أنها مختلفة عن باقي آيات القرآن في النطق، فلا بدَّ أن لها خصوصية، وأنَّ فيها أسراراً وكلّ ما بأيدينا أن نحوم حولها.
ونلاحظ أيضاً أن الحروف في اللغة تنقسم إلى حروف مبني وحروف معنى، فالكاف مثلاً حرف مبني يعني يدخل في بناء الكلمة، ولا معنى له في (كتب) لكنه حين ينضم إلى غيره يعطي معنى كتب.
أما الكاف في لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.. [الشورى: ١١] فالكاف هنا حرف معنى يفيد التشبيه، كذلك الباء حرف مبني في (كتب) وحرف معنى في (بالله) لأنه يفيد القسم، كذلك في الحروف المقطَّعة في أوائل السور هي حروف مبني في شكل نطقها، لكنها حروف معنى عند قائلها الذي يعلم معناها.
وقد يُطلِع بعض عباده على هذه المعاني أو شيء منها فيفهمون منها معاني، ولذلك نقول في تفسيرها: والله أعلم بمراده، لأن حديثنا عنها مجرد اجتهاد ومحاولة للفهم.
وقلنا: إن هذه الحروف أربعة عشر حرفاً من حروف الهجاء الثمانية والعشرين، يعني أخذ نصف حروف المعجم، ولكن أخذها بنظام محكم لا يمكن أن يأتي عَفْواً، فأخذ من التسعة أحرف الأولى الألف والحاء وأخذ من التسعة الأخيرة سبعة وترك اثنين على عكس التسعة الأولى، فلم يترك منها إلا الواو والفاء.
إذن: ليس لها نسق معين، لكن هندسة مقصودة لغاية مقصودة، ثم العشرة الباقية في الوسط أخذ منها غير المنقوط، وترك المنقوط، فأخذ الراء وترك الزاي، وأخذ السين وترك الشين، وأخذ الصاد وترك الضاد، وأخذ الطاء وترك الظاء، وأخذ العين وترك الغين.
فإنْ قال قائل: كيف وإعجام الحروف أي نقطها لم يأتِ إلا في عصر الدولة الأُموية.
نقول: ربُّها وقائلها الناطق بها يعلم ما تصير إليه، فكلها داخلة في العلم الأعلى، لذلك نقف عندها ونأخذها بالكمال الذي وضعه قائلها فيها، فهي كما قلنا مثل أسنان المفتاح التي تفتح لك. فإذا تغيَّر المفتاح لا يفتح.
إذن: كل شيء في القرآن وُضع بحكمة، حتى في القراءة سواء المتعلم الذي يعرف المعنى أو الأمي الذي لا يعرف تجد القراءة على نوعين قراءة تأمل وتعبد وقراءة استنباط، وهذه ينبغي أنْ تُعملَ فيها عقلك.
وإنْ قرأت للتعبد فإياك أنْ تُعملَ عقلك، وخذ الكلمة أو الحرف بمراد قائله منه، وأنت حين تأتي بالمعنى الذي على قدرك سوف تحدد كمال الله وكمالاته التي لا تتناهى.
لذلك وجدنا أسرع الناس حفْظاً للقرآن هم الذين يقرأونه دون توقُّف عند معناه، بل يقرأونه كما هو بفَهْم أو بغير فهم.
وقوله تعالى: تَنزِيلُ.. [الأحقاف: ٢] أي: الذي نزّل حم نزلّ ٱلْكِتَابِ.. [الأحقاف: ٢] أي: القرآن مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ [الأحقاف: ٢] وتأمل هنا الوصف بالحكمة، فكل شيء نزل بحكمة حتى في هذه الحروف التي لا نعرف لها معنى.
ثم يقول الحق سبحانه:
مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ... .
آية رقم ٣
قوله تعالى: إِلاَّ بِٱلْحَقِّ.. [الأحقاف: ٣] يعني: ما خلقتُ عبثاً، إنما خلقتُ بنظام دقيق محكم لا يتغير، وقلنا: (الحق) هو الشيء الثابت الذي لا يتغير، كذلك خلقتُ لغاية، لذلك انظر إلى السماء مثلاً، خلقها الله من غير عَمَد.
وهي كذلك منذ خلقها الله، وسوف تظل إلى قيام الساعة على هذا الاستقرار، وعلى هذا الثبات، وعلى هذا الحق الذي خلقتْ به.
كذلك الشمس هي الشمس ما احتاجت إلى صيانة ولا إلى قطعة غيار ولم يُصبها عطل ولا عطب، لماذا؟ لأنها خُلقتْ بالحق وبالعدل الذي لا يتغير أبداً، لأنه بُني من أساسه على الحكمة، ولو بُني هذا الكون منذ نشأته على غير الحكمة لأصابه العطب والخلل.
إذن: خلقتُ السماوات والأرض من البداية على الحق، حَقُّ مطلب لم يسبقه باطل ولم يسبقه خَلْق آخر تم تعديله، بل هو منذ نشأته الأولى كذلك، كما سبق أنْ قُلْنا في قوله تعالى وهو يحاور أعداء الإسلام، فقال: وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا.. [التوبة: ٤٠].
فالأولى جعل، جعلها الله سفلى، أما الأخرى فهي بطبيعة الحال ومنذ البداية هي العليا، لذلك لم يقُلْ: وجعل كلمة الله هي العليا، لأنها لم تكُنْ أبداً دنيا فجعلها الله عُلْيا.
إذن: الباطل جعل، والحق هو الحق ثابت منذ خلقه الله.
وقوله: وَأَجَلٍ مُّسَمًّى.. [الأحقاف: ٣] يعني: وقت معلوم هو يوم القيامة، فهذا الخَلْق لم يخلقه الله ويتركه هملاً، إنما لأجل محدود هو القيامة، يوم يتغيَّر هذا الكون الثابت، ويهدم كل ما فيه وينقض بناءه لبنةَ لبنةً.
يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ.. [إبراهيم: ٤٨] يوم تكوَّر الشمس ويضيع القمر، وتهدم كل أسباب العيش على الأرض.
أما في الآخرة: وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا.. [الزمر: ٦٩] فليس هناك شمس ولا قمر، فأنت في الدنيا تعيش بالأسباب، أما في الآخرة فتعيش بالمسبِّب سبحانه.
وقوله: وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ مُعْرِضُونَ [الأحقاف: ٣] أي: منصرفون، وقًُلْنا الإنذار: التخويف من الشر قبل أوانه، وهو مظهر من مظاهر رحمة الله بعباده ولطفه بهم وحرصه على نجاتهم.
فالذي يحذرك من الشر قبل أنْ تقع فيه محسن إليك. إذن: من رحمة الله بالناس أنْ أرسل إليهم الرسل مُبشِّرين ومنذرين، وأنزل إليهم الكتب وبيَّن لهم العاقبة، لكن ماذا تفعل فيمَنْ أعرض وانصرف عن هذا الإنذار ولم يلتفتْ له؟
لذلك في سورة الرحمن جعل الحق سبحانه وتعالى الإنذار والتخويف نعمة من نِعَم الله التي تستوجب الشكر، فقال سبحانه: يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ٣٥-٣٦].
فالتخويف بهذه الألوان من العذاب نعمة، لأنك حين تخاف من العاقبة لا ترتكب الفعل الذي يؤدي إليها، كما يقولون في الطب: الوقاية خير من العلاج، كذلك البُعْد عن المعصية خير من مقاساة العقاب عليها.
وهي كذلك منذ خلقها الله، وسوف تظل إلى قيام الساعة على هذا الاستقرار، وعلى هذا الثبات، وعلى هذا الحق الذي خلقتْ به.
كذلك الشمس هي الشمس ما احتاجت إلى صيانة ولا إلى قطعة غيار ولم يُصبها عطل ولا عطب، لماذا؟ لأنها خُلقتْ بالحق وبالعدل الذي لا يتغير أبداً، لأنه بُني من أساسه على الحكمة، ولو بُني هذا الكون منذ نشأته على غير الحكمة لأصابه العطب والخلل.
إذن: خلقتُ السماوات والأرض من البداية على الحق، حَقُّ مطلب لم يسبقه باطل ولم يسبقه خَلْق آخر تم تعديله، بل هو منذ نشأته الأولى كذلك، كما سبق أنْ قُلْنا في قوله تعالى وهو يحاور أعداء الإسلام، فقال: وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا.. [التوبة: ٤٠].
فالأولى جعل، جعلها الله سفلى، أما الأخرى فهي بطبيعة الحال ومنذ البداية هي العليا، لذلك لم يقُلْ: وجعل كلمة الله هي العليا، لأنها لم تكُنْ أبداً دنيا فجعلها الله عُلْيا.
إذن: الباطل جعل، والحق هو الحق ثابت منذ خلقه الله.
وقوله: وَأَجَلٍ مُّسَمًّى.. [الأحقاف: ٣] يعني: وقت معلوم هو يوم القيامة، فهذا الخَلْق لم يخلقه الله ويتركه هملاً، إنما لأجل محدود هو القيامة، يوم يتغيَّر هذا الكون الثابت، ويهدم كل ما فيه وينقض بناءه لبنةَ لبنةً.
يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ.. [إبراهيم: ٤٨] يوم تكوَّر الشمس ويضيع القمر، وتهدم كل أسباب العيش على الأرض.
أما في الآخرة: وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا.. [الزمر: ٦٩] فليس هناك شمس ولا قمر، فأنت في الدنيا تعيش بالأسباب، أما في الآخرة فتعيش بالمسبِّب سبحانه.
وقوله: وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ مُعْرِضُونَ [الأحقاف: ٣] أي: منصرفون، وقًُلْنا الإنذار: التخويف من الشر قبل أوانه، وهو مظهر من مظاهر رحمة الله بعباده ولطفه بهم وحرصه على نجاتهم.
فالذي يحذرك من الشر قبل أنْ تقع فيه محسن إليك. إذن: من رحمة الله بالناس أنْ أرسل إليهم الرسل مُبشِّرين ومنذرين، وأنزل إليهم الكتب وبيَّن لهم العاقبة، لكن ماذا تفعل فيمَنْ أعرض وانصرف عن هذا الإنذار ولم يلتفتْ له؟
لذلك في سورة الرحمن جعل الحق سبحانه وتعالى الإنذار والتخويف نعمة من نِعَم الله التي تستوجب الشكر، فقال سبحانه: يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ٣٥-٣٦].
فالتخويف بهذه الألوان من العذاب نعمة، لأنك حين تخاف من العاقبة لا ترتكب الفعل الذي يؤدي إليها، كما يقولون في الطب: الوقاية خير من العلاج، كذلك البُعْد عن المعصية خير من مقاساة العقاب عليها.
آية رقم ٤
الحق سبحانه وتعالى يريد أنْ يثبت أن الذين اتخذوا من دون الله أولياء اتخذوهم بلا سابقة كمال أو سابقة نفْع، فاتخذوا الأصنام آلهةً يعبدونها من دون الله وهم صانعوها بأيديهم...
آية رقم ٥
معنى وَمَنْ أَضَلُّ.. [الأحقاف: ٥] استفهام غرضه النفي، يعني: لا أحدَ أشدُّ ضلالاً من هذا الذى يدعو من دون الله مَنْ لا يستجيب له، لا الآن ولا في المستقبل ولا يوم القيامة خاصة، وهو يعلم أن إلهه الذي يدعوه لا يستجيب له.
الله سبحانه وتعالى هو المعبود بحقٍّ، وهو الكبير المتعال، لذلك الكافر حين يصيبه خير لا يلجأ إلى آلهته الباطلة، فلا ينادي يا هُبل أبداً. لا يقولها في وقت الشدة، لأنه يعلم أن هُبل لا يسمعه ولن يجيبه، وهو لا يخدع نفسه ولا يكذب عليها في هذه الحالة، فتراه يلجأ إلى الله ويدعوه رغم أنه كافر به.
يقول تعالى: وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ.. [الإسراء: ٦٧] نعم ساعة الضيق يبحث عن الإله الحق الذي يملك له النفع ويملك له الضر. فيقول: يا رب لكن ساعةَ يكشف الله عنه ضُرّه يعود إلى كفره وعناده.
يقول تعالى: وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ.. [يونس: ١٢].
لماذا؟ لأن الدين أصبح عند هؤلاء (فنطظية) آمنوا بإله لا منهجَ له ولا تكاليف، لم يقُل لهم: افعل ولا تفعل، لذلك كانت آلهة باطلة حتى في التسمية، لأن الإله هو المعبود المُطاع في أمره ونهيه، إذن: هذا كله كذب وضلال.
الحق سبحانه حين يُوضِّح لنا هذه المسألة أتى بها في صورة هذه السؤال لنُجيب نحن وَمَنْ أَضَلُّ.. [الأحقاف: ٥] فنقول: لا أحدَ أضلَ من هذا، فيكون إقراراً منها وشهادة بهذا.
وقوله: وَهُمْ.. [الأحقاف: ٥] أي: الآلهة المدَّعاة عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ [الأحقاف: ٥] لا يدرون بمن يدعوهم.
ثم يقول الحق سبحانه:
وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً... .
الله سبحانه وتعالى هو المعبود بحقٍّ، وهو الكبير المتعال، لذلك الكافر حين يصيبه خير لا يلجأ إلى آلهته الباطلة، فلا ينادي يا هُبل أبداً. لا يقولها في وقت الشدة، لأنه يعلم أن هُبل لا يسمعه ولن يجيبه، وهو لا يخدع نفسه ولا يكذب عليها في هذه الحالة، فتراه يلجأ إلى الله ويدعوه رغم أنه كافر به.
يقول تعالى: وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ.. [الإسراء: ٦٧] نعم ساعة الضيق يبحث عن الإله الحق الذي يملك له النفع ويملك له الضر. فيقول: يا رب لكن ساعةَ يكشف الله عنه ضُرّه يعود إلى كفره وعناده.
يقول تعالى: وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ.. [يونس: ١٢].
لماذا؟ لأن الدين أصبح عند هؤلاء (فنطظية) آمنوا بإله لا منهجَ له ولا تكاليف، لم يقُل لهم: افعل ولا تفعل، لذلك كانت آلهة باطلة حتى في التسمية، لأن الإله هو المعبود المُطاع في أمره ونهيه، إذن: هذا كله كذب وضلال.
الحق سبحانه حين يُوضِّح لنا هذه المسألة أتى بها في صورة هذه السؤال لنُجيب نحن وَمَنْ أَضَلُّ.. [الأحقاف: ٥] فنقول: لا أحدَ أضلَ من هذا، فيكون إقراراً منها وشهادة بهذا.
وقوله: وَهُمْ.. [الأحقاف: ٥] أي: الآلهة المدَّعاة عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ [الأحقاف: ٥] لا يدرون بمن يدعوهم.
ثم يقول الحق سبحانه:
وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً... .
آية رقم ٦
وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ.. [الأحقاف: ٦] أي: يوم القيامة كَانُواْ.. [الأحقاف: ٦] أي: الآلهة لَهُمْ أَعْدَآءً.. [الأحقاف: ٦] نعم في هذا الموقف تظهر العداوة بين هؤلاء جميعاً ويتبرأ كل منهم من الآخر، ويلعن بعضهم بعضاً، قال تعالى: ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ [الزخرف: ٦٧].
وقال سبحانه: ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ * وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ * وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ * قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ * قَالُواْ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْماً طَاغِينَ * فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ إِنَّا لَذَآئِقُونَ * فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ * فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ [الصافات: ٢٢-٣٤].
هذا تصوير للحوار الذي يدور بين هؤلاء الظالمين وما يدور بينهم من لوم وعتاب، حيث يقلي كُلٌّ منهم التبعة على الآخر، ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: وَقَال الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلأَسْفَلِينَ [فصلت: ٢٩].
وهذه هي حجة الشيطان يوم القيامة. يقول: وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ.. [إبراهيم: ٢٢].
وقلنا: معنى سُلْطَانٍ.. [إبراهيم: ٢٢] يعني: حجة، وهي نوعان: إما حجة تقنعك بأنْ تفعل، أو قوة تُرغمك على أنْ تفعل، وأنا ليس عندي لا هذه ولا هذه مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ.. [إبراهيم: ٢٢] من أصرخ. يعني: نادى واستغاث. وأصرخه يعني: أغاثه.
إذن: يوم القيامة العداوة واضحة بين الظالمين والكافرين بين العابد والمعبود، ومأواهم جميعاً في النار: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [الأنبياء: ٩٨].
البعض يُعلِّق على هذه الآية، فيقول: كيف ومنهم مَنْ عبد عيسى عليه السلام من دون الله، فكيف يكون عيسى حصبَ جهنم؟ وهؤلاء غفلوا عن (ما) وهي لغير العاقل، ولم يقُل: مَنْ.
ثم يقول الحق سبحانه:
وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ... .
وقال سبحانه: ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ * وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ * وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ * قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ * قَالُواْ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْماً طَاغِينَ * فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ إِنَّا لَذَآئِقُونَ * فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ * فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ [الصافات: ٢٢-٣٤].
هذا تصوير للحوار الذي يدور بين هؤلاء الظالمين وما يدور بينهم من لوم وعتاب، حيث يقلي كُلٌّ منهم التبعة على الآخر، ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: وَقَال الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلأَسْفَلِينَ [فصلت: ٢٩].
وهذه هي حجة الشيطان يوم القيامة. يقول: وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ.. [إبراهيم: ٢٢].
وقلنا: معنى سُلْطَانٍ.. [إبراهيم: ٢٢] يعني: حجة، وهي نوعان: إما حجة تقنعك بأنْ تفعل، أو قوة تُرغمك على أنْ تفعل، وأنا ليس عندي لا هذه ولا هذه مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ.. [إبراهيم: ٢٢] من أصرخ. يعني: نادى واستغاث. وأصرخه يعني: أغاثه.
إذن: يوم القيامة العداوة واضحة بين الظالمين والكافرين بين العابد والمعبود، ومأواهم جميعاً في النار: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [الأنبياء: ٩٨].
البعض يُعلِّق على هذه الآية، فيقول: كيف ومنهم مَنْ عبد عيسى عليه السلام من دون الله، فكيف يكون عيسى حصبَ جهنم؟ وهؤلاء غفلوا عن (ما) وهي لغير العاقل، ولم يقُل: مَنْ.
ثم يقول الحق سبحانه:
وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ... .
آية رقم ٧
معنى بَيِّنَاتٍ.. [الأحقاف: ٧] يعني: واضحات ظاهرات، ومع ذلك قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ.. [الأحقاف: ٧] قالوا عن الحق، فاللام هنا بمعنى (عن)، أو أنهم بالغوا فبدلَ أنْ يواجهوا مَنْ آمن بالحق واجهوا الحقّ ذاته، فقالوا: هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ [الأحقاف: ٧].
وإبطال هذا الادعاء سهلٌ ميسور، وهو أنْ نقول لهم: لو صدّقانكم في أنه سحر، وأن محمداً سَحر به مَنْ آمن به، فلماذا لم يسحركم كما سحرهم، وتنتهى المسألة؟
وإبطال هذا الادعاء سهلٌ ميسور، وهو أنْ نقول لهم: لو صدّقانكم في أنه سحر، وأن محمداً سَحر به مَنْ آمن به، فلماذا لم يسحركم كما سحرهم، وتنتهى المسألة؟
آية رقم ٨
بعد أنْ قالوا عن القرآن أنه سِحْر سَحَر به محمد أصحابه فآمنوا به. قالوا: إنه افتراء افتراه محمد، والافتراء هو الكذب المتعمد، فردَّ الله عليهم قُلْ.. [الأحقاف: ٨] قل لهم يا محمد إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً.. [الأحقاف: ٨].
يعني: لا تدفعون عني عذابَ الله إن افتريت عليه وكذبت في البلاغ عنه، لذلك يقول سبحانه في آية أخرى تُوضح هذه المسألة: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ * فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ [الحاقة: ٤٤-٤٧].
فكيف يكذب رسول الله على الله بعد هذه الكلمة، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قبل بعثته عُرِف بين قومه بالصادق، لأنهم لم يُجربّوا عليه كذباً قط.
تعرفون ومن يومها وشهادة خزيمة تعدل شهادةَ رجلين.
وهذا (النيشان) انتفع به المسلمون في مسألة جَمْع القرآن، حيث كان جامعو القرآن لا يكتبون الآية إلا إذا وجدوها مُسجَّلة في الرِّقاع، وشهد على صحتها اثنان من العدول، حتى جاءوا في آخر سورة التوبة، فوجدوا آية مكتوبة وليس لها إلا شاهد واحد هو خزيمة، فأخذوا بشهادته وحده، لأن شهادته تعدل شهادة رجلين.
وتأمل أدب الحوار حتى مع المخالفين لرسول الله ومع الذين يتهمونه بالكذب اتهاماً صريحاً، يقول لهم: إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ.. [الأحقاف: ٨] وإنْ تفيد الشك فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً.. [الأحقاف: ٨] يعني: لا تدفعون عني عذاب الله هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ.. [الأحقاف: ٨] بما تكثرون فيه الكلام والاتهام، وادعاء أن القرآن مكذوب.
كَفَىٰ بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ [الأحقاف: ٨] يرجع الأمر إلى الله ويُفوّض أمره إليه، ويرضى بشهادته بينه وبين خصومه، وشهادة الله هي شهادة الحق وشهادة الصدق.
لذلك شهد الله بها لنفسه سبحانه شهادةَ الذات للذات: شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ.. [آل عمران: ١٨] وشهدتْ بها الملائكة، شهادةَ مشهد، وشهد بها أولو العلم شهادةَ استدلال وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ [آل عمران: ١٨].
إذن: في هذه القضية رسول الله لا يستطيع أنْ يأتي بشاهد على صدقه في تبليغ القرآن عن الله، فيكتفي بأنْ يجعل الله شاهداً بينه وبينهم.
وهذا من أدب الحوار الذي تأدَّب به سيدنا رسول الله، فهم يتهمونه بتعمُّد الكذب وهو يتودد إليهم، وفي موضع آخر يرد عليهم فيقول الحق سبحانه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ [هود: ٣٥].
وقوله في ختام الآية وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ [الأحقاف: ٨] كأنه يتحنن إليهم، ويستميل قلوبهم، فرغم هذا الادعاء الكاذب فما يزال باب المغفرة والرحمة مفتوحاً أمامكم.
ثم يقول الحق سبحانه:
قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ... .
يعني: لا تدفعون عني عذابَ الله إن افتريت عليه وكذبت في البلاغ عنه، لذلك يقول سبحانه في آية أخرى تُوضح هذه المسألة: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ * فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ [الحاقة: ٤٤-٤٧].
فكيف يكذب رسول الله على الله بعد هذه الكلمة، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قبل بعثته عُرِف بين قومه بالصادق، لأنهم لم يُجربّوا عليه كذباً قط.
تعرفون ومن يومها وشهادة خزيمة تعدل شهادةَ رجلين.
وهذا (النيشان) انتفع به المسلمون في مسألة جَمْع القرآن، حيث كان جامعو القرآن لا يكتبون الآية إلا إذا وجدوها مُسجَّلة في الرِّقاع، وشهد على صحتها اثنان من العدول، حتى جاءوا في آخر سورة التوبة، فوجدوا آية مكتوبة وليس لها إلا شاهد واحد هو خزيمة، فأخذوا بشهادته وحده، لأن شهادته تعدل شهادة رجلين.
وتأمل أدب الحوار حتى مع المخالفين لرسول الله ومع الذين يتهمونه بالكذب اتهاماً صريحاً، يقول لهم: إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ.. [الأحقاف: ٨] وإنْ تفيد الشك فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً.. [الأحقاف: ٨] يعني: لا تدفعون عني عذاب الله هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ.. [الأحقاف: ٨] بما تكثرون فيه الكلام والاتهام، وادعاء أن القرآن مكذوب.
كَفَىٰ بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ [الأحقاف: ٨] يرجع الأمر إلى الله ويُفوّض أمره إليه، ويرضى بشهادته بينه وبين خصومه، وشهادة الله هي شهادة الحق وشهادة الصدق.
لذلك شهد الله بها لنفسه سبحانه شهادةَ الذات للذات: شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ.. [آل عمران: ١٨] وشهدتْ بها الملائكة، شهادةَ مشهد، وشهد بها أولو العلم شهادةَ استدلال وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ [آل عمران: ١٨].
إذن: في هذه القضية رسول الله لا يستطيع أنْ يأتي بشاهد على صدقه في تبليغ القرآن عن الله، فيكتفي بأنْ يجعل الله شاهداً بينه وبينهم.
وهذا من أدب الحوار الذي تأدَّب به سيدنا رسول الله، فهم يتهمونه بتعمُّد الكذب وهو يتودد إليهم، وفي موضع آخر يرد عليهم فيقول الحق سبحانه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ [هود: ٣٥].
وقوله في ختام الآية وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ [الأحقاف: ٨] كأنه يتحنن إليهم، ويستميل قلوبهم، فرغم هذا الادعاء الكاذب فما يزال باب المغفرة والرحمة مفتوحاً أمامكم.
ثم يقول الحق سبحانه:
قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ... .
آية رقم ٩
قُلْ.. [الأحقاف: ٩] أي: قُلْ لهم يا محمد مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ.. [الأحقاف: ٩] البدع هو الشيء الجديد المستحدث الذي لم يسبق له مثال.
ومن ذلك قوله تعالى: بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَٰحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنعام: ١٠١] أي: خالقهما على غير مثال سابق، نقول: فلان مبدع يعني: جاء بشيء لم يسبقه أحد إليه.
والمعنى: ما جئتُ على سنة غير التي جاء عليها مَنْ سبقني من الرسل، أو ما كنتُ مبتدعاً ما أدعوكم إليه، لستْ أول رسول يُقابَل بالتكذيب ويُواجَه بالكفر والعناد والاضطهاد، بل سبقني إلى ذلك كلّ الرسل السابقين، أُوذوا وكُذبوا وصبروا حتى نصرهم الله، كما قال تعالى: فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ.. [العنكبوت: ٤٠].
فكانت سنة الله في الرسل السابقين أنْ تتولى السماءُ تأديب المكذِّبين للرسل المعارضين لدعوة الحق، أما في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فقد أمَّن الله محمداً وأمَّن أمته على أنْ يتولوا هم تأديب المكذِّبين للدعوة المصادمين لها، وأن ينصروا الحق، وأنْ يكونَ أهلاً له إلى قيام الساعة.
لذلك قال صلى الله عليه وسلم: والمراد الخير فيَّ حصراً وفي أمتي نثراً، بحيث يأخذ كل جيل أو كل واحد منهم جزءاً من هذه الخيرية.
وقوله: وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ.. [الأحقاف: ٩] أي: الآن لا أدري لكن لعله يدري في المستقبل بما يُوحيه الله إليه، كما حدث في مسألة محاربة الكفار والجهر بالدعوة، حين طلب بعض مَنْ أسلم مع رسول الله محاربة الكفار. فكان يقول لهم صلى الله عليه وسلم: ما أُمرت، ما أُمرت.
فلما هاجر صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وافقهم على القتال. إذن: جهر بدين الله في مكة ولم يحارب إلا في المدينة، وهنا حكمة، فمكة كانت موطن قريش ومحلّ سيادتها، وقريش كانت موضعَ اهتمام واحترام من كل قبائل العرب لمكانتها من بيت الله الحرام وخدمتها لحجاجه.
ولتوسط مكة طريقَ التجارة بين اليمن والشام في رحلة الشتاء والصيف، فكان لا بدَّ من مراعاة هذه المكانة لقريش، وعدم إعلان الحرب عليها في هذا الوقت.
وحين نقرأ مثلاً سورة الفيل: وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ [الفيل: ٣-٥] لو قلت: لماذا؟ تجيبك سورة قريش: لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ [قريش: ١-٢].
يعني: فعل الله هذا لمصلحة قريش، ولتظلّ لهم المكانة والمهابة بين قبائل العرب، ولتظلّ آمنة مطمئنة في رحلة تجارتها بين اليمن والشام.
لذلك قال بعدها: فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ * ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ [قريش: ٣-٤].
والمعنى في وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ.. [الأحقاف: ٩] يعني: ما أدري أيأمرنا الله أنْ نقاتلَ هؤلاء؟ أم يأمرنا بترك مكة إلى مكان آخر نلتمس فيه نُصْرته، لذلك بعدها أمرهم رسول الله بالهجرة إلى الحبشة، وقال: وكأن سيدنا رسول الله كانت عنده خريطة للعالم من حوله، وفعلاً لما ذهبوا إلى الحبشة أكرمهم النجاشي، ومنعهم حينما أرسلت قريش عَمْراً في طلبهم، فردَّ عَمْراً وردَّ هدايا قريش، وآمن بمحمد ودعوته، لذلك وكله رسول الله في أنْ يُزوِّجه من أم حبيبة، ولما مات النجاشي صلى الله عليه رسولُ الله.
والهجرة إلى الحبشة كانت مرحلة انتقالية يحتمي فيها المضطهدون من المسلمين عند هذا الرجل الذي لا يُظلم أحد عنده، وحتى يأذن الله لرسوله في الهجرة إلى المدينة، وحيث تأتي نُصْرة الإسلام وإعلاء كلمته هناك.
والحكمة أن الصيحة الأولى للدعوة كانت في مكة، أما نُصْرة الدين وتأييده فكانت في المدينة، ذلك لأن قريشاً كانوا سادةَ العرب وأصحاب السيطرة في الجزيرة العربية.
ولو أن النُّصْرة جاءتْ في مكة لَقالوا إنها بسبب سيادة قريش وسُلطتها التي تعدَّت الجزيرة إلى العالم من حولها، فكانت الحكمة أن تكون الصيحة الأولى للإسلام في أذن هؤلاء السادة تهزُّهم وتُقبِّح أفعالهم، وتُبطل ما هم عليه من عبادة الأصنام.
لكن النُّصرة تُؤجل إلى المدينة لينتصر الدين بالمهاجرين والأنصار، حتى لا يظن ظانٌّ أن العصبية لمحمد هي التي خلقتْ الإيمان بمحمد، بل إن الإيمان بمحمد هو الذي خلق العصبية لمحمد.
وقوله: إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ وَمَآ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ [الأحقاف: ٩] انظر هنا إلى العظمة في شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو يتكلم بما عنده كأنه يقول: "يرد عليّ فأقول: أنا لستُ كأحدكم، ويُؤخذ مني فاقول ما أنا إلا بشر مثلكم".
إذن: سيدنا رسول الله لم يأتِ بشيء من عنده إلا في المسألة التي لم يرد فيها حكم، فإنِ اجتهد في مسألة لم يردْ فيها حكم وأخطأ قبل أنْ يُعدِّل الله له، وأنْ يُصحَّح له ولا يأنف من ذلك، وهو الذي يخبرنا بهذا التعديل، كما في قوله تعالى: يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [التحريم: ١].
ثم يقول الحق سبحانه:
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ... .
ومن ذلك قوله تعالى: بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَٰحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنعام: ١٠١] أي: خالقهما على غير مثال سابق، نقول: فلان مبدع يعني: جاء بشيء لم يسبقه أحد إليه.
والمعنى: ما جئتُ على سنة غير التي جاء عليها مَنْ سبقني من الرسل، أو ما كنتُ مبتدعاً ما أدعوكم إليه، لستْ أول رسول يُقابَل بالتكذيب ويُواجَه بالكفر والعناد والاضطهاد، بل سبقني إلى ذلك كلّ الرسل السابقين، أُوذوا وكُذبوا وصبروا حتى نصرهم الله، كما قال تعالى: فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ.. [العنكبوت: ٤٠].
فكانت سنة الله في الرسل السابقين أنْ تتولى السماءُ تأديب المكذِّبين للرسل المعارضين لدعوة الحق، أما في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فقد أمَّن الله محمداً وأمَّن أمته على أنْ يتولوا هم تأديب المكذِّبين للدعوة المصادمين لها، وأن ينصروا الحق، وأنْ يكونَ أهلاً له إلى قيام الساعة.
لذلك قال صلى الله عليه وسلم: والمراد الخير فيَّ حصراً وفي أمتي نثراً، بحيث يأخذ كل جيل أو كل واحد منهم جزءاً من هذه الخيرية.
وقوله: وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ.. [الأحقاف: ٩] أي: الآن لا أدري لكن لعله يدري في المستقبل بما يُوحيه الله إليه، كما حدث في مسألة محاربة الكفار والجهر بالدعوة، حين طلب بعض مَنْ أسلم مع رسول الله محاربة الكفار. فكان يقول لهم صلى الله عليه وسلم: ما أُمرت، ما أُمرت.
فلما هاجر صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وافقهم على القتال. إذن: جهر بدين الله في مكة ولم يحارب إلا في المدينة، وهنا حكمة، فمكة كانت موطن قريش ومحلّ سيادتها، وقريش كانت موضعَ اهتمام واحترام من كل قبائل العرب لمكانتها من بيت الله الحرام وخدمتها لحجاجه.
ولتوسط مكة طريقَ التجارة بين اليمن والشام في رحلة الشتاء والصيف، فكان لا بدَّ من مراعاة هذه المكانة لقريش، وعدم إعلان الحرب عليها في هذا الوقت.
وحين نقرأ مثلاً سورة الفيل: وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ [الفيل: ٣-٥] لو قلت: لماذا؟ تجيبك سورة قريش: لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ [قريش: ١-٢].
يعني: فعل الله هذا لمصلحة قريش، ولتظلّ لهم المكانة والمهابة بين قبائل العرب، ولتظلّ آمنة مطمئنة في رحلة تجارتها بين اليمن والشام.
لذلك قال بعدها: فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ * ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ [قريش: ٣-٤].
والمعنى في وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ.. [الأحقاف: ٩] يعني: ما أدري أيأمرنا الله أنْ نقاتلَ هؤلاء؟ أم يأمرنا بترك مكة إلى مكان آخر نلتمس فيه نُصْرته، لذلك بعدها أمرهم رسول الله بالهجرة إلى الحبشة، وقال: وكأن سيدنا رسول الله كانت عنده خريطة للعالم من حوله، وفعلاً لما ذهبوا إلى الحبشة أكرمهم النجاشي، ومنعهم حينما أرسلت قريش عَمْراً في طلبهم، فردَّ عَمْراً وردَّ هدايا قريش، وآمن بمحمد ودعوته، لذلك وكله رسول الله في أنْ يُزوِّجه من أم حبيبة، ولما مات النجاشي صلى الله عليه رسولُ الله.
والهجرة إلى الحبشة كانت مرحلة انتقالية يحتمي فيها المضطهدون من المسلمين عند هذا الرجل الذي لا يُظلم أحد عنده، وحتى يأذن الله لرسوله في الهجرة إلى المدينة، وحيث تأتي نُصْرة الإسلام وإعلاء كلمته هناك.
والحكمة أن الصيحة الأولى للدعوة كانت في مكة، أما نُصْرة الدين وتأييده فكانت في المدينة، ذلك لأن قريشاً كانوا سادةَ العرب وأصحاب السيطرة في الجزيرة العربية.
ولو أن النُّصْرة جاءتْ في مكة لَقالوا إنها بسبب سيادة قريش وسُلطتها التي تعدَّت الجزيرة إلى العالم من حولها، فكانت الحكمة أن تكون الصيحة الأولى للإسلام في أذن هؤلاء السادة تهزُّهم وتُقبِّح أفعالهم، وتُبطل ما هم عليه من عبادة الأصنام.
لكن النُّصرة تُؤجل إلى المدينة لينتصر الدين بالمهاجرين والأنصار، حتى لا يظن ظانٌّ أن العصبية لمحمد هي التي خلقتْ الإيمان بمحمد، بل إن الإيمان بمحمد هو الذي خلق العصبية لمحمد.
وقوله: إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ وَمَآ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ [الأحقاف: ٩] انظر هنا إلى العظمة في شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو يتكلم بما عنده كأنه يقول: "يرد عليّ فأقول: أنا لستُ كأحدكم، ويُؤخذ مني فاقول ما أنا إلا بشر مثلكم".
إذن: سيدنا رسول الله لم يأتِ بشيء من عنده إلا في المسألة التي لم يرد فيها حكم، فإنِ اجتهد في مسألة لم يردْ فيها حكم وأخطأ قبل أنْ يُعدِّل الله له، وأنْ يُصحَّح له ولا يأنف من ذلك، وهو الذي يخبرنا بهذا التعديل، كما في قوله تعالى: يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [التحريم: ١].
ثم يقول الحق سبحانه:
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ... .
آية رقم ١٠
... وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ هذه الكلمة حَلَّتْ لنا إشكالاً وبيَّنتْ معنى الهداية، لأن البعض يقول: إذا كان الله قد حكم على الكافر بالكفر ولم يهْد القوم الظالمين فلِمَ يُعذّبهم؟
وهذه مغالطة. ولو كان السؤال منطقياً لأكمل الصورة، فقال: ولِمَ يثيب الطائع وقد كتب له الطاعة؟
وسبق أنْ أوضحنا في هذه المسألة أن الله تعالى هدى الجميع هدايةَ دلالة وإرشاد، وهذا القسم يشمل المؤمن والكافر، والطائع والعاصى، فقد دلّ الله الجميع وبيَّن لهم الطريق المستقيم، فمن أخذ بهذه الهداية وسار على نورها استحقَّ من الله المزيد.
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد: ١٧] وهذا النوع هو النوع الثاني من الهداية، وهي هداية المعونة والتوفيق.
فقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يعني: لا يهديهم هدايةَ معونة، لذلك قال عن ثمود: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّواْ الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ.. [فصلت: ١٧] أي: هديناهم هدايةَ دلالة وإرشاد فاستحبُّوا العمى والضلال وفضّلوه على الهدى فأعانهم الله عليهم، كما أعان أهل الهدى على هداهم.
وتذكرون المثل الذي ضربناه سابقاً لتوضيح هذه القضية قلنا: لو أنك سألتَ رجل المرور مثلاً عن الطريق فدلَّك عليه فأخذتَ بقوله وشكرتَه فإنه يزيدك إرشاداً، وربما ذهب معك حتى يُوصِّلك إلى غايتك.
إذن: الحق سبحانه لا يهدي القوم الظالمين بسبب ظلمهم، ولا يهدي القوم الفاسقين بسبب فِسْقهم، ولا يهدي القوم الكافرين بسبب كفرهم.
وهذه مغالطة. ولو كان السؤال منطقياً لأكمل الصورة، فقال: ولِمَ يثيب الطائع وقد كتب له الطاعة؟
وسبق أنْ أوضحنا في هذه المسألة أن الله تعالى هدى الجميع هدايةَ دلالة وإرشاد، وهذا القسم يشمل المؤمن والكافر، والطائع والعاصى، فقد دلّ الله الجميع وبيَّن لهم الطريق المستقيم، فمن أخذ بهذه الهداية وسار على نورها استحقَّ من الله المزيد.
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد: ١٧] وهذا النوع هو النوع الثاني من الهداية، وهي هداية المعونة والتوفيق.
فقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يعني: لا يهديهم هدايةَ معونة، لذلك قال عن ثمود: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّواْ الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ.. [فصلت: ١٧] أي: هديناهم هدايةَ دلالة وإرشاد فاستحبُّوا العمى والضلال وفضّلوه على الهدى فأعانهم الله عليهم، كما أعان أهل الهدى على هداهم.
وتذكرون المثل الذي ضربناه سابقاً لتوضيح هذه القضية قلنا: لو أنك سألتَ رجل المرور مثلاً عن الطريق فدلَّك عليه فأخذتَ بقوله وشكرتَه فإنه يزيدك إرشاداً، وربما ذهب معك حتى يُوصِّلك إلى غايتك.
إذن: الحق سبحانه لا يهدي القوم الظالمين بسبب ظلمهم، ولا يهدي القوم الفاسقين بسبب فِسْقهم، ولا يهدي القوم الكافرين بسبب كفرهم.
آية رقم ١١
القائل هنا الذين كفروا. قالوا لمن؟ للذين آمنوا لَوْ كَانَ خَيْراً.. [الأحقاف: ١١] أي: الإسلام مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ.. [الأحقاف: ١١] وللعلماء ملحظ في هذه الآية يتوقف على معنى كلمة لِلَّذِينَ آمَنُواْ.. [الأحقاف: ١١].
فمَنْ أخذها بمعنى اللام اعتبر هذا القول مواجهة من الكافرين للمؤمنين، فقالوا لهم وهم حضور: لو كان خيراً ما سبقتمونا إليه هكذا بتاء الخطاب، ومن اعتبر اللام بمعنى (عن) المؤمنين يعني: وهم غائبون عن مجلس القول: لو كان خيراً ما سبقونا إليه.
فكأن السياق عدلَ عن الحرف (عن) إلى (اللام) ليعطينا المعنيين: معنى الإيذاء في المواجهة، والإيذاء في الغَيْبة، ويجمعهما في نصٍّ واحد.
وقوله تعالى: وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ [الأحقاف: ١١] الإفك: هو أقبح الكذب قَدِيمٌ يعني: معروف ومعهود منذ القِدم. أي: عند الأولين.
فمَنْ أخذها بمعنى اللام اعتبر هذا القول مواجهة من الكافرين للمؤمنين، فقالوا لهم وهم حضور: لو كان خيراً ما سبقتمونا إليه هكذا بتاء الخطاب، ومن اعتبر اللام بمعنى (عن) المؤمنين يعني: وهم غائبون عن مجلس القول: لو كان خيراً ما سبقونا إليه.
فكأن السياق عدلَ عن الحرف (عن) إلى (اللام) ليعطينا المعنيين: معنى الإيذاء في المواجهة، والإيذاء في الغَيْبة، ويجمعهما في نصٍّ واحد.
وقوله تعالى: وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ [الأحقاف: ١١] الإفك: هو أقبح الكذب قَدِيمٌ يعني: معروف ومعهود منذ القِدم. أي: عند الأولين.
آية رقم ١٢
قوله تعالى: وَمِن قَبْلِهِ.. [الأحقاف: ١٢] من قبل القرآن كِتَابُ مُوسَىٰ.. [الأحقاف: ١٢] التوراة إِمَاماً وَرَحْمَةً.. [الأحقاف: ١٢] يعني: في زمنه وحال كونه إماماً وقدوة يهتدون به ويؤدي إلى رحمة مَنْ تمسَّك به.
وَهَـٰذَا.. [الأحقاف: ١٢] أي: القرآن كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ.. [الأحقاف: ١٢] أي: للكتب السابقة كما جاءتْ من عند الله، وقبل أنْ تُحرّف أو تُبدَّل، وفي موضع آخر بيَّن سبحانه أن القرآن جاء مُصدِّقا لهذه الكتب ومهيمناً عليها جميعاً لِّسَاناً عَرَبِيّاً.. [الأحقاف: ١٢] بلسان عربي لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ.. [الأحقاف: ١٢] يُخوِّفهم عاقبة ظلمهم وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ [الأحقاف: ١٢] والبشرى: الأخبار بالخير قبل أوانه.
وَهَـٰذَا.. [الأحقاف: ١٢] أي: القرآن كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ.. [الأحقاف: ١٢] أي: للكتب السابقة كما جاءتْ من عند الله، وقبل أنْ تُحرّف أو تُبدَّل، وفي موضع آخر بيَّن سبحانه أن القرآن جاء مُصدِّقا لهذه الكتب ومهيمناً عليها جميعاً لِّسَاناً عَرَبِيّاً.. [الأحقاف: ١٢] بلسان عربي لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ.. [الأحقاف: ١٢] يُخوِّفهم عاقبة ظلمهم وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ [الأحقاف: ١٢] والبشرى: الأخبار بالخير قبل أوانه.
آية رقم ١٣
هذه الآية لها نظير في سورة فُصّلت: إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت: ٣٠].
نعم فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [الأحقاف: ١٣] فأيُّ خوف يُصيبهم، وأيّ حزن ينزل بهم وقد قالوا هذه الكلمة رَبُّنَا ٱللَّهُ.. [الأحقاف: ١٣] وهي لُبُّ العقيدة ثم لم يقولوها كلمةً جوفاء، إنما قرنوها بالعمل بمقتضى هذا الإيمان.
ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ.. [الأحقاف: ١٣] أي: على أوامر العقيدة ونواهيها، ومعنى الاستقامة: السير على الطريق المستقيم الذي رسمه لك مَنْ آمنتَ به.
وهذه الاستقامة تُصلح لك حركة حياتك وحركة الآخرين معك، والاستقامة بمفهوم الهندسة هي أقصر الطرق التي تُوصلِّك إلى غايتك.
لذلك قلنا: إن الهدى مطيَّة تحملك وتُوصِّلك، الهدى ليس عبئاً على صاحبه بل أنت حِمْل عليه، يقول تعالى: أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ.. [لقمان: ٥] فهم يعتلون الهدى وهو يحملهم.
إذن: مَنْ نطق بهذه الكلمة رَبُّنَا ٱللَّهُ.. [الأحقاف: ١٣] ثم استقام عليها في حركة حياته ضمن الله له عدم الخوف وعدم الحزن، ولم يُؤجله إلى الآخرة، بل جعله بُشْرى تُبشِّرهم بها الملائكة في آية فُصِّلت: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت: ٣٠].
أي: تتنزَّل عليهم ساعة الموت تُبشرهم وتُطمئنهم، فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون، الخوف توقُّع أمر يُؤذي ويضرّ، والحزن الفجيعة والألم لفقد شيء محبوب، فهم في أمن من هذا وذاك. وما دام الأمر كذلك فلا تخافوا من أعدائكم فلن ينالوا منكم شيئاً أبداً.
لذلك كان عندهم قضية يقولونها لأعدائهم بشجاعة: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ [التوبة: ٥٢].
يعني: إنْ تواجهنا في قتال فنحن ننتظر أحد أمرين، إما أنْ ننتصر عليكم ونكسر شوكتكم ونُذلكم، وإما أنْ نُقتل فنظفر بالشهادة، فنحن رابحون على أيِّ حال، أما أنتم فننتظر أنْ يُصيبكم اللهُ بعذاب من عنده أو بأيدينا، لذلك دخل المسلمون على هذه المسألة بثقة ويقين لا يخالطه شكّ.
نعم فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [الأحقاف: ١٣] فأيُّ خوف يُصيبهم، وأيّ حزن ينزل بهم وقد قالوا هذه الكلمة رَبُّنَا ٱللَّهُ.. [الأحقاف: ١٣] وهي لُبُّ العقيدة ثم لم يقولوها كلمةً جوفاء، إنما قرنوها بالعمل بمقتضى هذا الإيمان.
ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ.. [الأحقاف: ١٣] أي: على أوامر العقيدة ونواهيها، ومعنى الاستقامة: السير على الطريق المستقيم الذي رسمه لك مَنْ آمنتَ به.
وهذه الاستقامة تُصلح لك حركة حياتك وحركة الآخرين معك، والاستقامة بمفهوم الهندسة هي أقصر الطرق التي تُوصلِّك إلى غايتك.
لذلك قلنا: إن الهدى مطيَّة تحملك وتُوصِّلك، الهدى ليس عبئاً على صاحبه بل أنت حِمْل عليه، يقول تعالى: أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ.. [لقمان: ٥] فهم يعتلون الهدى وهو يحملهم.
إذن: مَنْ نطق بهذه الكلمة رَبُّنَا ٱللَّهُ.. [الأحقاف: ١٣] ثم استقام عليها في حركة حياته ضمن الله له عدم الخوف وعدم الحزن، ولم يُؤجله إلى الآخرة، بل جعله بُشْرى تُبشِّرهم بها الملائكة في آية فُصِّلت: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت: ٣٠].
أي: تتنزَّل عليهم ساعة الموت تُبشرهم وتُطمئنهم، فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون، الخوف توقُّع أمر يُؤذي ويضرّ، والحزن الفجيعة والألم لفقد شيء محبوب، فهم في أمن من هذا وذاك. وما دام الأمر كذلك فلا تخافوا من أعدائكم فلن ينالوا منكم شيئاً أبداً.
لذلك كان عندهم قضية يقولونها لأعدائهم بشجاعة: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ [التوبة: ٥٢].
يعني: إنْ تواجهنا في قتال فنحن ننتظر أحد أمرين، إما أنْ ننتصر عليكم ونكسر شوكتكم ونُذلكم، وإما أنْ نُقتل فنظفر بالشهادة، فنحن رابحون على أيِّ حال، أما أنتم فننتظر أنْ يُصيبكم اللهُ بعذاب من عنده أو بأيدينا، لذلك دخل المسلمون على هذه المسألة بثقة ويقين لا يخالطه شكّ.
آية رقم ١٤
قوله تعالى: أُوْلَـٰئِكَ.. [الأحقاف: ١٤] إشارة للذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا، فالحق يُحدِّثنا عن جزائهم وعاقبة إيمانهم واستقامتهم، فهم أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ.. [الأحقاف: ١٤] أصحابها إما مالكوها، وإما أنها مصاحبة لهم وهم مصاحبون لها، يعني: بينهما علاقة وُدٍّ وتفاهم وميْل، كلٌّ منهم يميل إلى الآخر ويشتاق إليه.
والصاحب هو مَنْ تصطفيه من خلق الله ممَّنْ توافق أخلاقه أخلاقك، وطباعه طباعك، وسلوكه سلوكك. فهؤلاء الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا اختاروا الجنة واختارتهم واتخذتهم أصحاباً وأصفياء.
وقد ورد أن الجنة تشتاق إلى أهلها وتنتظرهم وتسأل عنهم، كما أن النار تشتاق إلى أهلها وتنتظرهم. ولا غرابةَ في ذلك، فكلُّ مخلوق له لغته التي يعبر بها، حتى الجمادات.
وقال تعالى: كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ.. [النور: ٤١] فكلّ يُسبِّح بلغته هو أنت لا تفهمها لأنه لا يتحدث بلغتك، إنما الذي خلقها أعطاها لغة خاصة تتفاهم بها مع جنسها.
والقرآن يُخبرنا أن النملة تكلمتْ مع بني جنسها وتفاهمتْ معهم، وسمع سليمان كلامها وشكر الله أنْ أعطاه نعمة الفهم عن هذه المخلوقات، لذلك صوَّبنا مقولة: إن الحصى سبَّح في يد رسول الله.
فهذه ليستْ ميزة لأن الحصى مُسبّح بطبيعة الحال، فهو يُسبِّح حتى في يد أبى جهل، لكن الصواب أنْ نقول: سمع رسول الله تسبيح الحصى في يده.
أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا.. [الأحقاف: ١٤] لأن نعيم الجنة باقٍ خالد لا ينتهي ولا يُنغصه ما يُنغص نعمة الدنيا، فلا يفوتك ولا تفوته جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [الأحقاف: ١٤] قالوا: هذا الجزاء أهو حَقٌّ للعبد؟ أم هو تفضل من الله؟
قالوا: الجنة تفضل من الله، والعمل ما هو إلا سببٌ لا ثمنٌ لدخولها، لأن الحق سبحانه وتعالى حينما شرع لنا الشرائع إنما شرعها لمصلحتنا ولسلامتنا واستقامة أمور حياتنا على مستوى الفرد وعلى مستوى الجماعة.
فنحن نجني ثمرة العمل الصالح ونسعد به في دنيانا، ومع ذلك يثيبنا الله عليه بثواب الآخرة دون أنْ يعود منه شيء على الله تعالى، ودونَ أنْ ينتفع منه بشيْ. إذن: دخول الجنة زيادة وتفضّل من الله.
وقوله: بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [الأحقاف: ١٤] فيه لفتة: ما هو العمل؟ العمل انفعال الجارحة لمهمتها، فاليد تتحرك واللسان ينطق والعين ترى وهكذا، لكن لو تأملتَ العمل تجده على قسمين: قول وفعل، فأخذ اللسانُ وحده شطر العمل، وأخذتْ باقي الجوارح الشطر الآخر؛ ولذلك: يقولون، ويفعلون؛ ولأن بالقول بلاغ المنهج الذي تنفعل له الجوارح طاعة أو معصية.
والصاحب هو مَنْ تصطفيه من خلق الله ممَّنْ توافق أخلاقه أخلاقك، وطباعه طباعك، وسلوكه سلوكك. فهؤلاء الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا اختاروا الجنة واختارتهم واتخذتهم أصحاباً وأصفياء.
وقد ورد أن الجنة تشتاق إلى أهلها وتنتظرهم وتسأل عنهم، كما أن النار تشتاق إلى أهلها وتنتظرهم. ولا غرابةَ في ذلك، فكلُّ مخلوق له لغته التي يعبر بها، حتى الجمادات.
وقال تعالى: كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ.. [النور: ٤١] فكلّ يُسبِّح بلغته هو أنت لا تفهمها لأنه لا يتحدث بلغتك، إنما الذي خلقها أعطاها لغة خاصة تتفاهم بها مع جنسها.
والقرآن يُخبرنا أن النملة تكلمتْ مع بني جنسها وتفاهمتْ معهم، وسمع سليمان كلامها وشكر الله أنْ أعطاه نعمة الفهم عن هذه المخلوقات، لذلك صوَّبنا مقولة: إن الحصى سبَّح في يد رسول الله.
فهذه ليستْ ميزة لأن الحصى مُسبّح بطبيعة الحال، فهو يُسبِّح حتى في يد أبى جهل، لكن الصواب أنْ نقول: سمع رسول الله تسبيح الحصى في يده.
أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا.. [الأحقاف: ١٤] لأن نعيم الجنة باقٍ خالد لا ينتهي ولا يُنغصه ما يُنغص نعمة الدنيا، فلا يفوتك ولا تفوته جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [الأحقاف: ١٤] قالوا: هذا الجزاء أهو حَقٌّ للعبد؟ أم هو تفضل من الله؟
قالوا: الجنة تفضل من الله، والعمل ما هو إلا سببٌ لا ثمنٌ لدخولها، لأن الحق سبحانه وتعالى حينما شرع لنا الشرائع إنما شرعها لمصلحتنا ولسلامتنا واستقامة أمور حياتنا على مستوى الفرد وعلى مستوى الجماعة.
فنحن نجني ثمرة العمل الصالح ونسعد به في دنيانا، ومع ذلك يثيبنا الله عليه بثواب الآخرة دون أنْ يعود منه شيء على الله تعالى، ودونَ أنْ ينتفع منه بشيْ. إذن: دخول الجنة زيادة وتفضّل من الله.
وقوله: بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [الأحقاف: ١٤] فيه لفتة: ما هو العمل؟ العمل انفعال الجارحة لمهمتها، فاليد تتحرك واللسان ينطق والعين ترى وهكذا، لكن لو تأملتَ العمل تجده على قسمين: قول وفعل، فأخذ اللسانُ وحده شطر العمل، وأخذتْ باقي الجوارح الشطر الآخر؛ ولذلك: يقولون، ويفعلون؛ ولأن بالقول بلاغ المنهج الذي تنفعل له الجوارح طاعة أو معصية.
آية رقم ١٥
قوله تعالى: وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَٰلِدَيْهِ.. [الأحقاف: ١٥] أمرناه بذلك وألزمناه به، والوصية أن تطلب ممَّنْ توصيه عملاً خيَِّراً يفيده في حياته وآخرته، ويعينه على آداء مهمته، لذلك تجد معظم الوصايا بالأمور المهمة تأتي في أخريات العمر، وكأنه يقول لأهله ولمن يوصيه: الحقوا خذوا مني نتيجة تجاربي في الحياة.
وهذه المادة أتت في القرآن بلفظ: وصَّى وأوصى. وصى تفيد تكرار الفعل، كما في قوله تعالى: وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَٰلِدَيْهِ.. [الأحقاف: ١٥] وفي قوله تعالى: وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ.. [البقرة: ١٣٢].
أما أوصى فهي للتعدية، كما في قوله تعالى على لسان المسيح عليه السلام: وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً [مريم: ٣١] فهي مثل أنزل ونزَّل، وأنزل أي مرة واحدة، ونزَّل يعني تباعاً.
وكلمة ٱلإِنسَانَ.. [الأحقاف: ١٥] وهو الموصَّى تفيد الإطلاق والعموم أي الإنسان على إطلاقه من آدم إلى قيام الساعة في اسم جنس تقابل في الخلق المختار كلمة الجن، نقول: الإنس والجن، الإنس يعني الإنسان من الأُنس. يعني: يأنس بعضنا إلى بعض.
أما الجن فلا أنْسَ بيننا وبينه، لأننا لا نراهم ولا نتفق معهم في الطبيعة، قال تعالى: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ.. [الأعراف: ٢٧].
إذن: هذه الوصية مُوجّهة من الحق سبحانه للناس كافة وللإنسان عموماً، فتشمل المؤمن والكافر، والكبير المكلف والطفل دون التكليف، فإنْ فعل بالوصية يُثاب عليها، وإنْ تركها لا يُعاقب.
يمكن أنْ نقيس هذه المسألة على الصلاة، ففي الحديث الشريف قال صلى الله عليه وسلم: إذن: الأمر منكم وكذلك العقوبة منكم أيضاً، لأنه ما يزال دون سِنِّ التكليف الشرعي.
والصلاة في هذه السنِّ تدريب له وتعوّد ليرتاد ويألف الصلاة منذ صِغَره فيشب عليها، حتى إذا بلغ التكليف كانت سهلة عليه ومعتادة عنده.
وكلمة (الوالدين) أي: الأب والأم، وهما السبب المباشر للوجود، لأن هناك سبباً غير مباشر، وهو الوجود الأعلى الذي أوجد آدم وحواء، وهذا الوجود كان عن عدم، أما وجودنا نحن بالتناسل، فكان عن سبب وهو (الوالدان).
ولبقاء النوع وعمارة الأرض ربط الله تعالى - ولحكمة عملية - الإنجابَ بأقوى غرائز الإنسان وأقوى لذة عنده، كيف؟ قالوا: أنت حين تنظر إلى منظر جميل تستمتع به عينُك أو تشمّ رائحة طيبة يستمتع بها أنفُك. كذلك حين تأكل أكلة مُحبّبة إليك.
إذن: كلّ جارحة من جوارحك لها متعة خاصة، أما العملية الجنسية فتُحدث لذة ومتعة تستوعب الجوارح كلها، وتشارك فيها الجوارح كلها، لذلك شرع الله الغُسْلَ بعدها لاشتراك جميع الجوارح في هذه العملية، وأيضاً لأنك تغفل في هذه الأثناء عن الله فاستوجب ذلك الغسل.
وأيضاً لأن الحق سبحانه وتعالى علم أن الأولاد يُمثلون عبئاً على الأهل ومشقة في التربية والإنفاق والسعي عليهم، لذلك أقسم الله بهذه المسألة فقال: وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ [البلد: ٣].
ولولا أن الله ربط الإنجاب بهذه اللذة لربما زهد فيها كثير من الناس، تروْنَ المرأة كم تعاني من آلام الحمل والولادة، حتى أنها تقول توبة لن أعود، ثم تنسى آلامَها ومقاساتَها وتحِنّ من جديد للحمل.
إذن: ربط الإنجاب بهذه اللذة لحكمة، لكن العجيب أن الناس تسرف فيها وتبالغ وتخرجها عن حدِّها فتجعل اللذة هي الأصل.
ونحن نرى الحيوانات مثلاً تمارسها لبقاء النوع فقط، لذلك ساعة يأتي الفحل للأنثى يشمّها أولاً، فإنْ وجدها حاملاً لا يقربها، وهي أيضا لا تُمكّنه من نفسها، والعجيب أننا نعيب الحيوانات ونقول: شهوة بهيمية.. سبحان الله!!
ثم إننا نلاحظ في هذه المسألة أن طفولة الإنسان هي تقريباً أطول فترة طفولة إذا ما قُورنت بباقي المخلوقات، فالحيوان مثلاً يلد ثم تُرضع الأم ولدها، وبعد فترة الرضاعة لا تعرفه ولا تهتم به.
أما في الإنسان فهو طفل حتى سنِّ البلوغ، اقرأ: وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ.. [النور: ٥٩] ذلك لأن الإنسان مرتبطٌ ومكلّف تكليفاً أعلى من الحق سبحانه ومطلوب منه أنْ يأتمر بأمره، وأنْ ينتهي عن نَهْيه.
إذن: طبيعة الإنسان وتكريمه بصلته بالله جعلتْ فترة تربيته طويلة تناسب مهمته في الحياة. انظر مثلاً إلى البقرة تلد فينزل ولدها يتحرك وينفض عن نفسه البلل، ثم يقف بعد دقائق ثم ينهض واقفاً، ثم يجري حولها كل هذا في ساعة من الزمن.
أما الولد عندنا فيستطيع الجلوس مثلاً بعد عدة أشهر ثم يحبو ثم يقف ثم يمشي بعد سنة أو أكثر، بل وعندنا مَنْ يمد فترة الطفولة لأبنائه إلى سن ٢٥ سنة، وهو في حكم الطفل يعوله وينفق عليه ولا يُحمِّله المسئولية.
والتوصية بالوالدين وردتْ في القرآن في أربعة مواضع مقرونة بعبادة الله: وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَاناً.. [النساء: ٣٦] وقال: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً.. [البقرة: ٨٣].
وفي سورة الأنعام: قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً.. [الأنعام: ١٥١] وفي سورة الإسراء: وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً.. [الإسراء: ٢٣].
هذه أربعة مواضع يأمر فيها الحق سبحانه الأولاد بالإحسان إلى الوالدين، ويقرن هذا لأهميته بعبادة الله وكأنهما في الميزان سواء؛ لأن الوالدين كما ذكرنا هما سببُ الوجود المباشر، وبرّهما والإحسان إليهما تمهيد وتدريب يُذكِّرك بالسبب الأعلى لوجودك، وهو الخالق سبحانه وتعالى.
وهذه الوصية يلزمنا الله بها حتى إنْ كان الولدان كافريْنِ كما قلنا في وصية عامة، يقول تعالى: وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَآ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [العنكبوت: ٨].
وقال سبحانه: وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً.. [لقمان: ١٥] فإذا كان الله تعالى يُوصينا بالوالدين حتى إنْ كانا مشركين لأنهما سبب الوجود المباشر، فما بالك بسبب الوجود الأعلى سبحانه؟
وقد اعترض بعض المستشرقين هنا وقالوا: القرآن يقول: فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً.. [لقمان: ١٥] وفي آية أخرى يقول: لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوۤاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ.. [المجادلة: ٢٢].
فرأى تعارضاً بين الآيتين، وهذا ناتج عن عدم فهم اللغة وعدم الإلمام بأساليبها وأسرارها، فهناك فرْق بين الود والمعروف. الود منشؤه الحب والعاطفة القلبية، أما المعروف فجميلٌ تصنعه مع مَنْ تحب ومع مَنْ تكره.
والحق سبحانه حينما يأمرنا ببرِّ الوالدين إنما ليعطينا دُرْبة ورياضة على أن تبرَّ مَنْ خلقك وخلقهم، وهو الموجِد الأعلى سبحانه.
وكلمة (إحساناً) مصدر أحسن. والإحسان في الشرع أنْ تصنع من الخير والمعروف فوق ما فرض عليك ومن جنس ما فُرِض عليك، وهذا المعنى شرحه لنا الحق سبحانه في سورة الذاريات: إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ [الذاريات: ١٥-١٦].
ثم يصفهم ويعطينا حيثيات الإحسان: كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ [الذاريات: ١٧-١٩].
وواضح أن هذه المسائل الثلاثة المذكورة ليست فرضاً على المسلم، بل هي زيادة من جنس ما فرض عليه، ألاَ تراه يقول في الأموال: حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ [الذاريات: ١٩] لكن عندما يتحدَّث عن فريضة الزكاة يقول: حَقٌّ مَّعْلُومٌ [المعارج: ٢٤].
فالحق المعلوم هو الزكاة الواجبة، لكن (حق) هكذا مطلقة، فهي للصدقات التي تخرج زيادة على الفريضة، ومَنْ يقدم هذه الزيادة في الطاعة تدخله في دائرة الإحسان التى هي أعلى مراتب العبادة.
كذلك الحق سبحانه يأمرنا ببرِّ الوالدين والإحسان إليهما، لأن لهما فضلاً علينا في الإيجاد وفي التربية وفي الإنفاق، فيجب أنْ نعطيهم أكثر مما يستحقون، وحين تعطي أكثر مما يجب عليك فأنت مُحسن إليهما.
إذن: الأمر في بر الوالدين لا يتوقف عند الواجب الضروري إنما يتعداه إلى مرتبة الإحسان.
لذلك الحق سبحانه حينما يُحدِّثنا عن حَقِّ الوالدين يقول: فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا [الإسراء: ٢٣] وأف: اسم فعل مضارع بمعنى أتضجر، وهي تدلّ على الضيق.
فاحذر أنْ تقول لهما هذه الكلمة أو تتأفف منهما خاصة حال كبرهما عندما يُردَّان إلى أرذل العمر ويكونان في أمسِّ الحاجة للحنان والرعاية.
ففي هذه السنِّ يعود الإنسان إلى الطفولة مرة أخرى، فيحتاج مَنْ يحمله ويُقعده ويؤكله، وربما حدث منه ما يدعو إلى التأذِّي، فإياك أنْ تتأذى منه في هذه الحالة.
ربما ارتعشتْ به قدماه فوقع على الأرض أو كسر (فازة) مثلاً، فاحذر أنْ تظهر له ما يؤذيه، واعلم أنك مُثابٌ على هذا، وأنه مُدَّخر لك ودَيْن سيُؤدَّى، ومَنْ برَّ والديه برَّه أبناءه.
ويكفي أنك حين تبره وتتحمل أذاه تفعل ذلك وأنت تتمنى موته، وقد فعل معك أكثر من هذا وكان يتمنى لك طول العمر.
وفي ضوء هذه العلاقة بين الآباء والأبناء نفهم حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: فالزواج المبكر فوق أنه عصمةٌ لصاحبه هو أيضاً، كما قال العربي: أقرب طريق لإنجاب أب يرعاك في طفولة شيخوختك، حيث يصير الولد في هذه الحالة في منزلة الأب الذي يرعى ولده.
وفي موضع آخر قال الحق سبحانه: وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً.. [العنكبوت: ٨] وفرْق بين حُسن وإحسان، فالإحسان أن تفعل معهما فعلاً حسناً، أما الحُسن فهو مصدر هذا الفعل واسم هذه العملية التى تقوم بها، كما تقول فلان عادل، وفلان عدل. يعني: بلغ الغاية في تحقيق العدل حتى جعلته هو والعدل شيئاً واحداً.
إذن: الحُسن أبلغ من الإحسان، وردُّ الإحسان بأحسن منه مبدأ إسلامي، لذلك قال تعالى: وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ.. [النساء: ٨٦].
والحق سبحانه لم يأت بحيثية: وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً.. [العنكبوت: ٨].
وإنما قال بعدها: وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَآ.. [العنكبوت: ٨] يعني: حتى في وضع المخالفة العقدية حفظ لهما هذا الحق وأكدّ ووصَّى على برِّهما على أحسن ما يكون البر: إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [العنكبوت: ٨] وفي الآية الأخرى قال: فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً.. [لقمان: ١٥].
قالوا: لأن الآباء على قسمين: أب يكون في حاجة إلى ولده ليعيش، وأب لا يحتاج لولده يعني: غني بنفسه، فمَنْ كان في حاجة فعليك أنْ تصاحبه بالمعروف يعني: تُعينه وتقيم حياته إقامة كريمة، ومَنْ كان غنياً بنفسه فهو وشأنه، ومردُّ الجميع إلى الله.
وهنا في الآية التي معنا لم يقل حُسْناً ولا إحساناً، بل ذكر حيثية الوصية فقال: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَٰلُهُ ثَلٰثُونَ شَهْراً.. [الأحقاف: ١٥] فحدَّد هنا مُدة الحمل مع الرضاعة جملة واحدة، وفي آية أخرى قال عن الرضاعة وحدها: وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ.. [لقمان: ١٤].
إذن: كلّ آية أخذتْ لقطة، وبجمع الآيتين أمكننا أنْ نحلَّ بعض الإشكالات في مسألة مدة الحمل ومدة الرضاعة.
فقد رُوي أن سيدنا علياً رضي الله عنه دخل على سيدنا عمر وعنده امرأة يريد أنْ يقيم عليها حد الزنا لأنها ولدت لستة أشهر وهي في بيت زوجها، والمشهور عندهم أن مدة الحمل تسعة أشهر.
فقال علي: على رسْلك يا ابنَ الخطاب، ثم قرأ عليه هذه الآية: وَحَمْلُهُ وَفِصَٰلُهُ ثَلٰثُونَ شَهْراً.. [الأحقاف: ١٥] وقال في الآية الأخرى: وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ.. [لقمان: ١٤].
وبطرح العامين من الثلاثين شهراً يكون من الجائز أنْ تكون فترة الحمل ستة أشهر، وهي أقل فترة ممكنة للحمل.
لذلك قال عمر: بئس المقام بأرض ليس فيها أبو الحسن، نعم لأن علياً رضي الله عنه اشتُهر بالعلم والفتوى، لأنه دخل الإسلام وهو صبيّ، وشرب من معين النبوة منذ صغره، فكانت ثقافته من بدايتها ثقافة إسلامية، فكأن الخميرة الثقافية عنده منذ صِغَره إسلامية، في حين كان غيره أصحاب ثقافة جاهلية.
ومن فقه الإمام علي وإلمامه بمسائل الشرع لما انتقل سيدنا رسول الله إلى ربه عز وجل، اجتمع المهاجرون والأنصار في السقيفة، ودارت بينهما مناقشات كُلٌّ يريد أنْ تكون له الخلافة بعد رسول الله، وتطلَّع الأنصار إلى ذلك، ثم قالوا: منا أمير ومنكم أمير.
فلما بلغ ذلك سيدنا علياً قال: لم تُحسنوا حجاجهم. قولوا لهم أي للأنصار: ألم تسمعوا قول رسول اللهإذن لو كانت الإمارة فيهم لم تكُنْ الوصية بهم.
ومن المسائل الطريفة التي كانت بين علي وعمر أن علياً دخل عليه فوجده مُغْضباً، فقال: ما أغضبكَ يا أمير المؤمنين؟ قال: سألتُ حذيفة: كيف أصبحتَ يا حذيفة؟ فقال: أصبحتُ أحب الفتنة، وأكره الحق، وأصلي بغير وضوء، ولي في الأرض ما ليس لله في السماء.
فضحك عليّ وقال: صدق يا أمير المؤمنين، فقال: أتقولها يا أبا الحسن؟ قال: نعم، هو يعني: أصبح يحب ماله وولده، وقرأ: إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ.. [التغابن: ١٥].
ويكره الحق، يعني: الموت، ومَنْ منَّا يُحبه يا أمير المؤمنين، ويصلي بغير وضوء، يعني: يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم.
وله في الأرض ما ليس لله في السماء. أي: له زوجة وولد. والعجيب أنْ نسمع في زماننا مَنْ يُقلل من شأن هؤلاء، بل يريد أنْ يلغي شخصيات أبي بكر وعمر وعلي من تاريخنا.
ثم نلاحظ أيضاً في هذه الآية أن الحق سبحانه قال: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً.. [الأحقاف: ١٥] أي: كارهة أو على مشقة، وفي الآية الأخرى: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ.. [لقمان: ١٤].
والوهَن أي الضعف نتيجة الحمل والولادة، أما الكراهية لهذه المسألة فتأتي من أن النساء لها طبائع مختلفة، فمنهن مَنْ تحب هذه العملية، ومنهن مَنْ تكرهها لكن تطيع زوجها وهي كارهة ثم تتحملّ بعد ذلك مشاقّ الحمل والوحم ثم الآم الوضع، وبعد الولادة تنشغل بالمولود وتحنو عليه.
في حين ينشغل الوالد بالسَّعي وطلب الرزق، لذلك يغلب على الرجل العقلانية وعلى المرأة العاطفة كلّ حسب مهمته في الحياة.
لذلك يخطىء البعض في فهم حديث النبي صلى الله عليه وسلموحين نتأمل هذا الحديث نجد اعوجاج الضلع لحكمه، لأن الضلوع خُلقَتْ لتصون أثمن وأهم جهازين في الجسم هما القلب والرئتان، ولو كان الضلع معتدلاً ما أدَّى هذه المهمة.
وهل نقول مثلاً عن الخطاف أنه أعوج، أو أن اعوجاجه عَيْب فيه؟ أبداً لأن طبيعة عمله ومهمته تقتضي أنْ يكون على هذا الشكل، إذن: شبّه رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة بالضلع، لأن مهمتها العطف والحنان.
الحق سبحانه لمَّا وصانا بالوالدين أتى بحيثيات الوصية بالأم، ولم يذكر شيئاً من حيثيات الوصية بالأب، قالوا: لأن دور الأم جاء في زمن ليس للطفل فيه إدراك يدرك به دور أمه وفضلها في مرحلة الحمل والولادة والرضاعة.
أما دور الأب من الإنفاق والرعاية فيأتي في زمن الطفلُ فيه مدركٌ لجميل والده، فاهم لدوره في تربيته والقيام على أمره، لذلك احتاج الولد أنْ نُذكِّره بدور أمه وفضلها، لأنه غير مدرك له، أما دور الوالد فهو يعرفه.
ما دُمْنا بصدد الحديث عن دور الوالدين في التربية فلا بدّ أنْ نذكر قوْلَ الحق سبحانه: وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً [الإسراء: ٢٤] فهذه الآية تعطينا منهج التربية العام لكل الأطفال.
فالوالدان استحقا هذه الوصية لأمرين أنهما سببُ الوجود المباشر الذي يُذكِّرك بسبب الوجود الأعلى، وهما يقومان بالتربية فيُذكِّرانك بالمربِّي الأعلى سبحانه.
فالله ربّ ومُربٍّ، خلقنا من عدم وأمدَّنا من عُدْم، فهو الذي ربّانا وأمدنا بأسباب التربية. إذن: الوصية بالإحسان إلى الوالدين تُعطينا دُرْبة على الإحسان في علاقتنا بالله خالقنا ومُربِّينا.
ثم نفهم من هذه الآية أيضاً أن التربية وحدها سببٌ وحيثيةٌ للإحسان، فقد يُربِّي الطفل غير والديه فيكون لمَنْ ربَّاه فضل عليه يستوجب الإحسان لأنه قام بشطر العملية.
فالوالد والوالدة لهما فضل الإيجاد، والمربِّي له فضل التربية وله نصف الثواب، وهذه المسألة تُشجِّع على كفالة الأيتام وتربيتهم ابتغاء وجه الله.
فمَنْ مات أبوه فالمجتمع كله أبوه، لذلك قال صلى الله عليه وسلم: لأن الأب لو مات وترك أولاداً إذا لم يجدوا من المجتمع مَنْ يرعاهم ويكون لهم والدا بدلاً عن والدهم، إذا لم يجدوا هذا نشأ عندهم حقدٌ على باقي الأولاد وحقد على المجتمع كله، وربما تعدَّى ذلك إلى التمرد على الله الذي كتب عليهم اليُتْم.
وكلمة كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً [الإسراء: ٢٤] تعني أن التربية لها وقت هو وقت الصِّغَر، لذلك أذكر أنني دُعيت لإلقاء محاضرة بعنوان.
تربية الشباب، وكانت في إحدى جامعاتنا لكن قبل أنْ أبدأ المحاضرة قُلت: أستأذن السيد مدير الجامعة في تغيير عنوان المحاضرة لأن الشباب لا يُربَّى، الشباب طاقة تُستغل في حركة الحياة، الشباب تربَّى بالفعل.
فلو قُلْنا تربية الشباب كان هذا العنوان غير صحيح، بل تربية الطفولة أو النشء، لأن الطفولة هي العجينة التي تقبل التشكيل دون أنْ تعترض، أما الشباب فقد تم تشكيلهم، لذلك يعترضون ولهم (تتنيحة) حين تُوجه له نقداً أو توجيهاً.
لكن الشباب الموجودين بالجامعة قالوا: نحن رُبِّينا خطأ فاستأنفوا تربيتنا من جديد. فقلت لهم: إذن فاستأنفوا معنا طفولتكم وتقبَّلوا التوجيه والنقد دون أن تعترضوا، كونوا مثل المريض بين يدي الطبيب يقبل ما يقول دون مناقشة.
ومن أخطائنا في التربية أننا نطيل فترة الطفولة عند أولادنا، فالأسرة تظل تحتضن الابن وتُنفق عليه حتى سنِّ العشرين والخامسة والعشرين. لذلك فاقنا الغرب في هذه المسألة، فالولد عندهم حين يصل سِنَّ البلوغ يستقل عن أسرته وينفق على نفسه حتى لو كان أبوه مليونيراً.
وبذلك كثُرتْ الأيدي العاملة، وقلَّتْ البطالة، وزاد الإنتاج، وهذه كلها وسائل للتقدم نفتقدها نحن، ولم نتمكن حتى الآن من استغلال طاقات الشباب.
إنك لو ذهبتَ إلى عاصمة من عواصم الغرب فلن ترى هناك الشباب يملأ الشوارع والنواصي، ولن تجد (قهاوي) تمتلئ بالعاطلين، لكن تراهم في وقت الراحة يخرجون كالجراد لتناول الغداء، لكن الخطأ الذي وقعوا فيه أنهم عمَّموا هذا الحكم على الفتى والفتاة.
وكلمة رَبَّيَانِي.. [الإسراء: ٢٤] للمثنى يعنى: الوالد والوالدة، فلكلٍّ منهما دوره في التربية، فالأب يجلب، والمرأة تدبر وتقوم على شئون بيتها.
فهما إذن شركاء في هذه المسألة، ووجود المرأة بصفة عامة في البيت يجعل تأثيرها أقوى من تأثير الرجل في عملية التربية، ولذلك حينما نهتم بالتربية النوعية نعطي الولد ما يناسبه، ونعطي البنت ما يناسبها.
لذلك يجمل بنا الآن أنْ نذكر وصية الأم العربية لابنتها، وهي تُجهزِّها للانتقال إلى بيت الزوجية، فتقول لها: أيْ بُنية إن الوصية لو تُركت لفضل أدب لتركت لذلك منك، ولكنها تنبيه للغافل ومعونة للعاقل.
أيْ بُنية، إنك غداً تفارقين البيت الذي فيه نشأتِ والعش الذي فيه درجت إلى بيت لم تألفيه، وقرين لم تعرفيه، فكوني له أَمَة يكُنْ لك عبداً.
أيْ بُنية: لو أن المرأة استغنتْ عن الرجل لغنَى أبويها وعدم حاجتها إلى غيرهما لكنت أغنى الناس عنه، ولكن النساء للرجال خُلِقْنَ، ولَهُنَّ خُلِق الرجال.
أيْ بُنية احفظي عني عَشْر خصال تكُنْ لك ذخراً: أما الأولى والثانية: فالمعاشرة له بالقناعة وحُسْن السمع له والطاعة، وأما الثالثة والرابعة فالتفقد لمواقع عينيه وأَنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشم منك إلا أطيب ريح.
وأما الخامسة والسادسة فالتفقد لوقت منامه وطعامه، فإنَّ تواتر الجوع مَلْهبة، وتنغيص النوم مغضبة، وأما السابعة والثامنة فالاحتراس لماله والإرعاء على حَشَمه وعياله.
ومِلاك الأمر في المال حُسْن التقدير، وفي العيال حُسْن التدبير.
وأما التاسعة والعاشرة فلا تعصِنَّ له أمراً ولا تُفشِنَّ له سراً، فإنك إن خالفتِ أمره أوغرتِ صدره، وإنْ أفشيتِ سِره لم تأمني غدره.
ثم إياك والفَرح بين يديه إذا كان مُهتماً أو الكآبة بين يديه إذا كان فَرِحاً.
هذه وصية أمامة بنت الحارث لابنتها أم أُناس بنت عوف بن مُحَلِّم الشيباني، وهذه الوصية كانت قبل الإسلام، ومع ذلك فيها من الآداب والنصائح ما إنْ أخذت به الزوجة في عصرنا الحاضر لحُلَّتْ معظم المشاكل الأسرية التي تمتلئ بها المحاكم اليوم.
ولو ربّتْ كلُّ أم ابنتها على هذه الآداب لانصلح حالنا، لكن الواقع أننا تركنا هذه النصائح وغفلنا عن العمل بها في بيوتنا، بل وتركنا البيوت للخادمات، وتركنا التربية لغير أهلها حتى صِرْنا إلى ما نحن فيه.
وقوله سبحانه: حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ.. [الأحقاف: ١٥] هذا طور آخر من أطوار الحياة هو طور البلوغ بَلَغَ أَشُدَّهُ.. [الأحقاف: ١٥] أي: بلغ الغاية في اكتمال الجسم والقوة والعقل.
ومن ذلك قوله تعالى في سيدنا يوسف: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ [يوسف: ٢٢] وقال في سيدنا موسى: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ [القصص: ١٤].
إذن: بلوغ الأشُدّ والاستواء واكتمال البدن والجسم والقوة واكتمال العقل هو بداية إلقاء الحكمة وهو بداية التكليف، فلو كلّف قبل البلوغ ثم طرأ عليه البلوغ ومرحلة المراهقة وما تفعله من تغيرات بالجسم ربما يقول العبد: لقد طرأ عليَّ تغيرات لم تكُنْ في بالي عند الإيمان بك؛ لذلك أجّل العملية كلها حتى سنِّ البلوغ، وهو منتهى النضج.
ومنتهى النضج في الإنسان أنْ يصيرَ قادراً على إنجاب مثله، كذلك الحال في الثمار مثلاً، قلنا: إن البطيخة لا تحلو للأكل إلا إذا استوى لُبُّها واسودَ بحيث إذا زرعْتَه يعطيك نباتاً جديداً، فإذا أكلتَ هذه ضمنت لك وجود غيرها.
لكن إذا حلت ولبُّها غير مُستو أكلتها ثم تزرع اللب فلا ينبت، إذاً هنا حكمة لبقاء النوع.
لذلك يقول تعالى: ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ.. [الأنعام: ٩٩] كلمة (ينعه) أنك تضمن أنْ تأتي بشجرة جديدة. كما أنك تلاحظ في الشجر المثمر أنك إذا لم تقطف الثمار تقع هي بطبيعتها.
ومن حكمة الخالق سبحانه وعجائب الخلق أنك في مرحلة النمو وقبل سِنِّ البلوغ تجد أن عملية النمو تتم بحساب وإعجاز محكم، فأشياء في الجسم تنمو ومثيلاتها في الجسم لا تنمو.
خذ مثلاً الشعر ينمو ونقصه من حين لآخر، أما شعر الحاجبين مثلاً والرموش فلا ينمو، كذلك العظام تنمو بنمو الطفل إلى أنْ يبلغ الأشُدّ، في حين أن الأسنان وهي أيضاً عظام تقف عند شكل معين ولا تنمو، ولو كانت تنمو كنمو باقي العظام لصارتْ مثل ناب الفيل.
إذن: المسألة ليستْ كما قلنا (ميكانيكا) إنما هي (هندسة) من مبدع هذا الكون سبحانه.
وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ.. [الأحقاف: ١٥] لأن سنَّ الأربعين هي السنّ التي ينبغي أنْ يقف الإنسان عندها ويحاسب نفسه ويُصحِّح مساره.
سِنَّ الأربعين هو قمة النضج العقلي، وهي أيضاً بداية الانحدار نحو النهاية، لذلك يلفت الحق سبحانه نظرنا إلى الأربعين بالذات لنقف ونتدارك ما كان.
كلمة أَوْزِعْنِيۤ.. [الأحقاف: ١٥] يعني: ألهمني وأعنِّي وقوِّني أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ.. [الأحقاف: ١٥] بداية من نعمة الإيجاد، ونعمة السلامة والعافية، ونعمة الإسلام، ونعمة التوفيق للطاعة، ونعمة أن جعلت لي أباً وأماً قاما على تربيتي.
ثم يُعدّي الشكر إلى الوالدين وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ.. [الأحقاف: ١٥] لأن النعمة عند الوالد نعمة عند ولده وَأَنْ أَعْمَلَ صَٰلِحاً تَرْضَٰهُ.. [الأحقاف: ١٥] أي: وفِّقني وأعنّي على العمل الصالح.
والعمل الصالح هو الاستقامة بتنفيذ الأمر واجتناب النهي فيما ورد فيه نصّ، أما ما لم يرد فيه نصّ فَلَك الحرية تفعل أو لا تفعل.
تَرْضَٰهُ.. [الأحقاف: ١٥] يعني: بأنْ يكون هذا العمل وفق المنهج الذي شرعتَ، أو ترضاه فتقبله، أو تثيبني عليه.
وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِيۤ.. [الأحقاف: ١٥] دعاء بأنْ يجعل صلاحه ممتداً في ذريته، أو أنني يا رب أسرفتُ على نفسي وقصّرْتُ، ولا أريد ذلك لذريتي، أريد لها الصلاح الذي لم يتحقق لي.
وهذا مبدأ معروف أن الأب يحب أنْ يتدارك ما فاته في حياته يُحقِّقه في حياة أولاده، وذريته من بعده، يريد أنْ يحقق فيهم الكمال الذي لم يصل هو إليه، لذلك يكون الإنسان سعيداً لو تفوّق ولده عليه.
وتأمل الفعل وَأَصْلِحْ.. [الأحقاف: ١٥] تجده يتعدّى بنفسه، فلماذا ذكر (في) فقال وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِيۤ.. [الأحقاف: ١٥] ولم يقل: وأصلح لي ذريتي؟ ما الضرورة لذلك؟ الأسلوب هنا كأنه جعل الذرية ظرفاً للإصلاح، وظرفُ الإنسان قَلْبه.
لذلك ورد في الحديث الشريف: إذن: عدّاها بـ (في) ليجعلها ظرفاً ومظروفاً.
وقوله: إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ [الأحقاف: ١٥] التوبة باب مفتوح إلى آخر العمر، لكن ينبغي ألاّ تُؤخر وألاّ نغفل عنها إذا كنا أسرفنا على أنفسنا، لكن البعض منا تأخذه الدنيا وتنسيه نفسه فيؤخر التوبة والتصالح مع ربه إلى هذه السن.
لذلك ورد في الأثر: وفي معنى حديث آخر يقول: لماذا؟ لأنك أخذتَ راحتك في شبابك، وأشبعتَ رغبتك ممّا تريد، لكن إذا وافيتَ الأربعين فاستح أنْ تعصي الله بعدها، واستحِ أن تؤجل التوبة وأنت لا تضمن عمرك بعدها.
وكلمة وَإِنِّي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ [الأحقاف: ١٥] تعني: أن العطل أو التقصير لم يكُنْ في العقيدة، إنما في تنفيذ مطلوب العقيدة في الأحكام.
وهذه المادة أتت في القرآن بلفظ: وصَّى وأوصى. وصى تفيد تكرار الفعل، كما في قوله تعالى: وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَٰلِدَيْهِ.. [الأحقاف: ١٥] وفي قوله تعالى: وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ.. [البقرة: ١٣٢].
أما أوصى فهي للتعدية، كما في قوله تعالى على لسان المسيح عليه السلام: وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً [مريم: ٣١] فهي مثل أنزل ونزَّل، وأنزل أي مرة واحدة، ونزَّل يعني تباعاً.
وكلمة ٱلإِنسَانَ.. [الأحقاف: ١٥] وهو الموصَّى تفيد الإطلاق والعموم أي الإنسان على إطلاقه من آدم إلى قيام الساعة في اسم جنس تقابل في الخلق المختار كلمة الجن، نقول: الإنس والجن، الإنس يعني الإنسان من الأُنس. يعني: يأنس بعضنا إلى بعض.
أما الجن فلا أنْسَ بيننا وبينه، لأننا لا نراهم ولا نتفق معهم في الطبيعة، قال تعالى: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ.. [الأعراف: ٢٧].
إذن: هذه الوصية مُوجّهة من الحق سبحانه للناس كافة وللإنسان عموماً، فتشمل المؤمن والكافر، والكبير المكلف والطفل دون التكليف، فإنْ فعل بالوصية يُثاب عليها، وإنْ تركها لا يُعاقب.
يمكن أنْ نقيس هذه المسألة على الصلاة، ففي الحديث الشريف قال صلى الله عليه وسلم: إذن: الأمر منكم وكذلك العقوبة منكم أيضاً، لأنه ما يزال دون سِنِّ التكليف الشرعي.
والصلاة في هذه السنِّ تدريب له وتعوّد ليرتاد ويألف الصلاة منذ صِغَره فيشب عليها، حتى إذا بلغ التكليف كانت سهلة عليه ومعتادة عنده.
وكلمة (الوالدين) أي: الأب والأم، وهما السبب المباشر للوجود، لأن هناك سبباً غير مباشر، وهو الوجود الأعلى الذي أوجد آدم وحواء، وهذا الوجود كان عن عدم، أما وجودنا نحن بالتناسل، فكان عن سبب وهو (الوالدان).
ولبقاء النوع وعمارة الأرض ربط الله تعالى - ولحكمة عملية - الإنجابَ بأقوى غرائز الإنسان وأقوى لذة عنده، كيف؟ قالوا: أنت حين تنظر إلى منظر جميل تستمتع به عينُك أو تشمّ رائحة طيبة يستمتع بها أنفُك. كذلك حين تأكل أكلة مُحبّبة إليك.
إذن: كلّ جارحة من جوارحك لها متعة خاصة، أما العملية الجنسية فتُحدث لذة ومتعة تستوعب الجوارح كلها، وتشارك فيها الجوارح كلها، لذلك شرع الله الغُسْلَ بعدها لاشتراك جميع الجوارح في هذه العملية، وأيضاً لأنك تغفل في هذه الأثناء عن الله فاستوجب ذلك الغسل.
وأيضاً لأن الحق سبحانه وتعالى علم أن الأولاد يُمثلون عبئاً على الأهل ومشقة في التربية والإنفاق والسعي عليهم، لذلك أقسم الله بهذه المسألة فقال: وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ [البلد: ٣].
ولولا أن الله ربط الإنجاب بهذه اللذة لربما زهد فيها كثير من الناس، تروْنَ المرأة كم تعاني من آلام الحمل والولادة، حتى أنها تقول توبة لن أعود، ثم تنسى آلامَها ومقاساتَها وتحِنّ من جديد للحمل.
إذن: ربط الإنجاب بهذه اللذة لحكمة، لكن العجيب أن الناس تسرف فيها وتبالغ وتخرجها عن حدِّها فتجعل اللذة هي الأصل.
ونحن نرى الحيوانات مثلاً تمارسها لبقاء النوع فقط، لذلك ساعة يأتي الفحل للأنثى يشمّها أولاً، فإنْ وجدها حاملاً لا يقربها، وهي أيضا لا تُمكّنه من نفسها، والعجيب أننا نعيب الحيوانات ونقول: شهوة بهيمية.. سبحان الله!!
ثم إننا نلاحظ في هذه المسألة أن طفولة الإنسان هي تقريباً أطول فترة طفولة إذا ما قُورنت بباقي المخلوقات، فالحيوان مثلاً يلد ثم تُرضع الأم ولدها، وبعد فترة الرضاعة لا تعرفه ولا تهتم به.
أما في الإنسان فهو طفل حتى سنِّ البلوغ، اقرأ: وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ.. [النور: ٥٩] ذلك لأن الإنسان مرتبطٌ ومكلّف تكليفاً أعلى من الحق سبحانه ومطلوب منه أنْ يأتمر بأمره، وأنْ ينتهي عن نَهْيه.
إذن: طبيعة الإنسان وتكريمه بصلته بالله جعلتْ فترة تربيته طويلة تناسب مهمته في الحياة. انظر مثلاً إلى البقرة تلد فينزل ولدها يتحرك وينفض عن نفسه البلل، ثم يقف بعد دقائق ثم ينهض واقفاً، ثم يجري حولها كل هذا في ساعة من الزمن.
أما الولد عندنا فيستطيع الجلوس مثلاً بعد عدة أشهر ثم يحبو ثم يقف ثم يمشي بعد سنة أو أكثر، بل وعندنا مَنْ يمد فترة الطفولة لأبنائه إلى سن ٢٥ سنة، وهو في حكم الطفل يعوله وينفق عليه ولا يُحمِّله المسئولية.
والتوصية بالوالدين وردتْ في القرآن في أربعة مواضع مقرونة بعبادة الله: وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَاناً.. [النساء: ٣٦] وقال: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً.. [البقرة: ٨٣].
وفي سورة الأنعام: قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً.. [الأنعام: ١٥١] وفي سورة الإسراء: وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً.. [الإسراء: ٢٣].
هذه أربعة مواضع يأمر فيها الحق سبحانه الأولاد بالإحسان إلى الوالدين، ويقرن هذا لأهميته بعبادة الله وكأنهما في الميزان سواء؛ لأن الوالدين كما ذكرنا هما سببُ الوجود المباشر، وبرّهما والإحسان إليهما تمهيد وتدريب يُذكِّرك بالسبب الأعلى لوجودك، وهو الخالق سبحانه وتعالى.
وهذه الوصية يلزمنا الله بها حتى إنْ كان الولدان كافريْنِ كما قلنا في وصية عامة، يقول تعالى: وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَآ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [العنكبوت: ٨].
وقال سبحانه: وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً.. [لقمان: ١٥] فإذا كان الله تعالى يُوصينا بالوالدين حتى إنْ كانا مشركين لأنهما سبب الوجود المباشر، فما بالك بسبب الوجود الأعلى سبحانه؟
وقد اعترض بعض المستشرقين هنا وقالوا: القرآن يقول: فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً.. [لقمان: ١٥] وفي آية أخرى يقول: لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوۤاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ.. [المجادلة: ٢٢].
فرأى تعارضاً بين الآيتين، وهذا ناتج عن عدم فهم اللغة وعدم الإلمام بأساليبها وأسرارها، فهناك فرْق بين الود والمعروف. الود منشؤه الحب والعاطفة القلبية، أما المعروف فجميلٌ تصنعه مع مَنْ تحب ومع مَنْ تكره.
والحق سبحانه حينما يأمرنا ببرِّ الوالدين إنما ليعطينا دُرْبة ورياضة على أن تبرَّ مَنْ خلقك وخلقهم، وهو الموجِد الأعلى سبحانه.
وكلمة (إحساناً) مصدر أحسن. والإحسان في الشرع أنْ تصنع من الخير والمعروف فوق ما فرض عليك ومن جنس ما فُرِض عليك، وهذا المعنى شرحه لنا الحق سبحانه في سورة الذاريات: إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ [الذاريات: ١٥-١٦].
ثم يصفهم ويعطينا حيثيات الإحسان: كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ [الذاريات: ١٧-١٩].
وواضح أن هذه المسائل الثلاثة المذكورة ليست فرضاً على المسلم، بل هي زيادة من جنس ما فرض عليه، ألاَ تراه يقول في الأموال: حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ [الذاريات: ١٩] لكن عندما يتحدَّث عن فريضة الزكاة يقول: حَقٌّ مَّعْلُومٌ [المعارج: ٢٤].
فالحق المعلوم هو الزكاة الواجبة، لكن (حق) هكذا مطلقة، فهي للصدقات التي تخرج زيادة على الفريضة، ومَنْ يقدم هذه الزيادة في الطاعة تدخله في دائرة الإحسان التى هي أعلى مراتب العبادة.
كذلك الحق سبحانه يأمرنا ببرِّ الوالدين والإحسان إليهما، لأن لهما فضلاً علينا في الإيجاد وفي التربية وفي الإنفاق، فيجب أنْ نعطيهم أكثر مما يستحقون، وحين تعطي أكثر مما يجب عليك فأنت مُحسن إليهما.
إذن: الأمر في بر الوالدين لا يتوقف عند الواجب الضروري إنما يتعداه إلى مرتبة الإحسان.
لذلك الحق سبحانه حينما يُحدِّثنا عن حَقِّ الوالدين يقول: فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا [الإسراء: ٢٣] وأف: اسم فعل مضارع بمعنى أتضجر، وهي تدلّ على الضيق.
فاحذر أنْ تقول لهما هذه الكلمة أو تتأفف منهما خاصة حال كبرهما عندما يُردَّان إلى أرذل العمر ويكونان في أمسِّ الحاجة للحنان والرعاية.
ففي هذه السنِّ يعود الإنسان إلى الطفولة مرة أخرى، فيحتاج مَنْ يحمله ويُقعده ويؤكله، وربما حدث منه ما يدعو إلى التأذِّي، فإياك أنْ تتأذى منه في هذه الحالة.
ربما ارتعشتْ به قدماه فوقع على الأرض أو كسر (فازة) مثلاً، فاحذر أنْ تظهر له ما يؤذيه، واعلم أنك مُثابٌ على هذا، وأنه مُدَّخر لك ودَيْن سيُؤدَّى، ومَنْ برَّ والديه برَّه أبناءه.
ويكفي أنك حين تبره وتتحمل أذاه تفعل ذلك وأنت تتمنى موته، وقد فعل معك أكثر من هذا وكان يتمنى لك طول العمر.
وفي ضوء هذه العلاقة بين الآباء والأبناء نفهم حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: فالزواج المبكر فوق أنه عصمةٌ لصاحبه هو أيضاً، كما قال العربي: أقرب طريق لإنجاب أب يرعاك في طفولة شيخوختك، حيث يصير الولد في هذه الحالة في منزلة الأب الذي يرعى ولده.
وفي موضع آخر قال الحق سبحانه: وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً.. [العنكبوت: ٨] وفرْق بين حُسن وإحسان، فالإحسان أن تفعل معهما فعلاً حسناً، أما الحُسن فهو مصدر هذا الفعل واسم هذه العملية التى تقوم بها، كما تقول فلان عادل، وفلان عدل. يعني: بلغ الغاية في تحقيق العدل حتى جعلته هو والعدل شيئاً واحداً.
إذن: الحُسن أبلغ من الإحسان، وردُّ الإحسان بأحسن منه مبدأ إسلامي، لذلك قال تعالى: وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ.. [النساء: ٨٦].
والحق سبحانه لم يأت بحيثية: وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً.. [العنكبوت: ٨].
وإنما قال بعدها: وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَآ.. [العنكبوت: ٨] يعني: حتى في وضع المخالفة العقدية حفظ لهما هذا الحق وأكدّ ووصَّى على برِّهما على أحسن ما يكون البر: إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [العنكبوت: ٨] وفي الآية الأخرى قال: فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً.. [لقمان: ١٥].
قالوا: لأن الآباء على قسمين: أب يكون في حاجة إلى ولده ليعيش، وأب لا يحتاج لولده يعني: غني بنفسه، فمَنْ كان في حاجة فعليك أنْ تصاحبه بالمعروف يعني: تُعينه وتقيم حياته إقامة كريمة، ومَنْ كان غنياً بنفسه فهو وشأنه، ومردُّ الجميع إلى الله.
وهنا في الآية التي معنا لم يقل حُسْناً ولا إحساناً، بل ذكر حيثية الوصية فقال: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَٰلُهُ ثَلٰثُونَ شَهْراً.. [الأحقاف: ١٥] فحدَّد هنا مُدة الحمل مع الرضاعة جملة واحدة، وفي آية أخرى قال عن الرضاعة وحدها: وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ.. [لقمان: ١٤].
إذن: كلّ آية أخذتْ لقطة، وبجمع الآيتين أمكننا أنْ نحلَّ بعض الإشكالات في مسألة مدة الحمل ومدة الرضاعة.
فقد رُوي أن سيدنا علياً رضي الله عنه دخل على سيدنا عمر وعنده امرأة يريد أنْ يقيم عليها حد الزنا لأنها ولدت لستة أشهر وهي في بيت زوجها، والمشهور عندهم أن مدة الحمل تسعة أشهر.
فقال علي: على رسْلك يا ابنَ الخطاب، ثم قرأ عليه هذه الآية: وَحَمْلُهُ وَفِصَٰلُهُ ثَلٰثُونَ شَهْراً.. [الأحقاف: ١٥] وقال في الآية الأخرى: وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ.. [لقمان: ١٤].
وبطرح العامين من الثلاثين شهراً يكون من الجائز أنْ تكون فترة الحمل ستة أشهر، وهي أقل فترة ممكنة للحمل.
لذلك قال عمر: بئس المقام بأرض ليس فيها أبو الحسن، نعم لأن علياً رضي الله عنه اشتُهر بالعلم والفتوى، لأنه دخل الإسلام وهو صبيّ، وشرب من معين النبوة منذ صغره، فكانت ثقافته من بدايتها ثقافة إسلامية، فكأن الخميرة الثقافية عنده منذ صِغَره إسلامية، في حين كان غيره أصحاب ثقافة جاهلية.
ومن فقه الإمام علي وإلمامه بمسائل الشرع لما انتقل سيدنا رسول الله إلى ربه عز وجل، اجتمع المهاجرون والأنصار في السقيفة، ودارت بينهما مناقشات كُلٌّ يريد أنْ تكون له الخلافة بعد رسول الله، وتطلَّع الأنصار إلى ذلك، ثم قالوا: منا أمير ومنكم أمير.
فلما بلغ ذلك سيدنا علياً قال: لم تُحسنوا حجاجهم. قولوا لهم أي للأنصار: ألم تسمعوا قول رسول اللهإذن لو كانت الإمارة فيهم لم تكُنْ الوصية بهم.
ومن المسائل الطريفة التي كانت بين علي وعمر أن علياً دخل عليه فوجده مُغْضباً، فقال: ما أغضبكَ يا أمير المؤمنين؟ قال: سألتُ حذيفة: كيف أصبحتَ يا حذيفة؟ فقال: أصبحتُ أحب الفتنة، وأكره الحق، وأصلي بغير وضوء، ولي في الأرض ما ليس لله في السماء.
فضحك عليّ وقال: صدق يا أمير المؤمنين، فقال: أتقولها يا أبا الحسن؟ قال: نعم، هو يعني: أصبح يحب ماله وولده، وقرأ: إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ.. [التغابن: ١٥].
ويكره الحق، يعني: الموت، ومَنْ منَّا يُحبه يا أمير المؤمنين، ويصلي بغير وضوء، يعني: يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم.
وله في الأرض ما ليس لله في السماء. أي: له زوجة وولد. والعجيب أنْ نسمع في زماننا مَنْ يُقلل من شأن هؤلاء، بل يريد أنْ يلغي شخصيات أبي بكر وعمر وعلي من تاريخنا.
ثم نلاحظ أيضاً في هذه الآية أن الحق سبحانه قال: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً.. [الأحقاف: ١٥] أي: كارهة أو على مشقة، وفي الآية الأخرى: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ.. [لقمان: ١٤].
والوهَن أي الضعف نتيجة الحمل والولادة، أما الكراهية لهذه المسألة فتأتي من أن النساء لها طبائع مختلفة، فمنهن مَنْ تحب هذه العملية، ومنهن مَنْ تكرهها لكن تطيع زوجها وهي كارهة ثم تتحملّ بعد ذلك مشاقّ الحمل والوحم ثم الآم الوضع، وبعد الولادة تنشغل بالمولود وتحنو عليه.
في حين ينشغل الوالد بالسَّعي وطلب الرزق، لذلك يغلب على الرجل العقلانية وعلى المرأة العاطفة كلّ حسب مهمته في الحياة.
لذلك يخطىء البعض في فهم حديث النبي صلى الله عليه وسلموحين نتأمل هذا الحديث نجد اعوجاج الضلع لحكمه، لأن الضلوع خُلقَتْ لتصون أثمن وأهم جهازين في الجسم هما القلب والرئتان، ولو كان الضلع معتدلاً ما أدَّى هذه المهمة.
وهل نقول مثلاً عن الخطاف أنه أعوج، أو أن اعوجاجه عَيْب فيه؟ أبداً لأن طبيعة عمله ومهمته تقتضي أنْ يكون على هذا الشكل، إذن: شبّه رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة بالضلع، لأن مهمتها العطف والحنان.
الحق سبحانه لمَّا وصانا بالوالدين أتى بحيثيات الوصية بالأم، ولم يذكر شيئاً من حيثيات الوصية بالأب، قالوا: لأن دور الأم جاء في زمن ليس للطفل فيه إدراك يدرك به دور أمه وفضلها في مرحلة الحمل والولادة والرضاعة.
أما دور الأب من الإنفاق والرعاية فيأتي في زمن الطفلُ فيه مدركٌ لجميل والده، فاهم لدوره في تربيته والقيام على أمره، لذلك احتاج الولد أنْ نُذكِّره بدور أمه وفضلها، لأنه غير مدرك له، أما دور الوالد فهو يعرفه.
ما دُمْنا بصدد الحديث عن دور الوالدين في التربية فلا بدّ أنْ نذكر قوْلَ الحق سبحانه: وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً [الإسراء: ٢٤] فهذه الآية تعطينا منهج التربية العام لكل الأطفال.
فالوالدان استحقا هذه الوصية لأمرين أنهما سببُ الوجود المباشر الذي يُذكِّرك بسبب الوجود الأعلى، وهما يقومان بالتربية فيُذكِّرانك بالمربِّي الأعلى سبحانه.
فالله ربّ ومُربٍّ، خلقنا من عدم وأمدَّنا من عُدْم، فهو الذي ربّانا وأمدنا بأسباب التربية. إذن: الوصية بالإحسان إلى الوالدين تُعطينا دُرْبة على الإحسان في علاقتنا بالله خالقنا ومُربِّينا.
ثم نفهم من هذه الآية أيضاً أن التربية وحدها سببٌ وحيثيةٌ للإحسان، فقد يُربِّي الطفل غير والديه فيكون لمَنْ ربَّاه فضل عليه يستوجب الإحسان لأنه قام بشطر العملية.
فالوالد والوالدة لهما فضل الإيجاد، والمربِّي له فضل التربية وله نصف الثواب، وهذه المسألة تُشجِّع على كفالة الأيتام وتربيتهم ابتغاء وجه الله.
فمَنْ مات أبوه فالمجتمع كله أبوه، لذلك قال صلى الله عليه وسلم: لأن الأب لو مات وترك أولاداً إذا لم يجدوا من المجتمع مَنْ يرعاهم ويكون لهم والدا بدلاً عن والدهم، إذا لم يجدوا هذا نشأ عندهم حقدٌ على باقي الأولاد وحقد على المجتمع كله، وربما تعدَّى ذلك إلى التمرد على الله الذي كتب عليهم اليُتْم.
وكلمة كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً [الإسراء: ٢٤] تعني أن التربية لها وقت هو وقت الصِّغَر، لذلك أذكر أنني دُعيت لإلقاء محاضرة بعنوان.
تربية الشباب، وكانت في إحدى جامعاتنا لكن قبل أنْ أبدأ المحاضرة قُلت: أستأذن السيد مدير الجامعة في تغيير عنوان المحاضرة لأن الشباب لا يُربَّى، الشباب طاقة تُستغل في حركة الحياة، الشباب تربَّى بالفعل.
فلو قُلْنا تربية الشباب كان هذا العنوان غير صحيح، بل تربية الطفولة أو النشء، لأن الطفولة هي العجينة التي تقبل التشكيل دون أنْ تعترض، أما الشباب فقد تم تشكيلهم، لذلك يعترضون ولهم (تتنيحة) حين تُوجه له نقداً أو توجيهاً.
لكن الشباب الموجودين بالجامعة قالوا: نحن رُبِّينا خطأ فاستأنفوا تربيتنا من جديد. فقلت لهم: إذن فاستأنفوا معنا طفولتكم وتقبَّلوا التوجيه والنقد دون أن تعترضوا، كونوا مثل المريض بين يدي الطبيب يقبل ما يقول دون مناقشة.
ومن أخطائنا في التربية أننا نطيل فترة الطفولة عند أولادنا، فالأسرة تظل تحتضن الابن وتُنفق عليه حتى سنِّ العشرين والخامسة والعشرين. لذلك فاقنا الغرب في هذه المسألة، فالولد عندهم حين يصل سِنَّ البلوغ يستقل عن أسرته وينفق على نفسه حتى لو كان أبوه مليونيراً.
وبذلك كثُرتْ الأيدي العاملة، وقلَّتْ البطالة، وزاد الإنتاج، وهذه كلها وسائل للتقدم نفتقدها نحن، ولم نتمكن حتى الآن من استغلال طاقات الشباب.
إنك لو ذهبتَ إلى عاصمة من عواصم الغرب فلن ترى هناك الشباب يملأ الشوارع والنواصي، ولن تجد (قهاوي) تمتلئ بالعاطلين، لكن تراهم في وقت الراحة يخرجون كالجراد لتناول الغداء، لكن الخطأ الذي وقعوا فيه أنهم عمَّموا هذا الحكم على الفتى والفتاة.
وكلمة رَبَّيَانِي.. [الإسراء: ٢٤] للمثنى يعنى: الوالد والوالدة، فلكلٍّ منهما دوره في التربية، فالأب يجلب، والمرأة تدبر وتقوم على شئون بيتها.
فهما إذن شركاء في هذه المسألة، ووجود المرأة بصفة عامة في البيت يجعل تأثيرها أقوى من تأثير الرجل في عملية التربية، ولذلك حينما نهتم بالتربية النوعية نعطي الولد ما يناسبه، ونعطي البنت ما يناسبها.
لذلك يجمل بنا الآن أنْ نذكر وصية الأم العربية لابنتها، وهي تُجهزِّها للانتقال إلى بيت الزوجية، فتقول لها: أيْ بُنية إن الوصية لو تُركت لفضل أدب لتركت لذلك منك، ولكنها تنبيه للغافل ومعونة للعاقل.
أيْ بُنية، إنك غداً تفارقين البيت الذي فيه نشأتِ والعش الذي فيه درجت إلى بيت لم تألفيه، وقرين لم تعرفيه، فكوني له أَمَة يكُنْ لك عبداً.
أيْ بُنية: لو أن المرأة استغنتْ عن الرجل لغنَى أبويها وعدم حاجتها إلى غيرهما لكنت أغنى الناس عنه، ولكن النساء للرجال خُلِقْنَ، ولَهُنَّ خُلِق الرجال.
أيْ بُنية احفظي عني عَشْر خصال تكُنْ لك ذخراً: أما الأولى والثانية: فالمعاشرة له بالقناعة وحُسْن السمع له والطاعة، وأما الثالثة والرابعة فالتفقد لمواقع عينيه وأَنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشم منك إلا أطيب ريح.
وأما الخامسة والسادسة فالتفقد لوقت منامه وطعامه، فإنَّ تواتر الجوع مَلْهبة، وتنغيص النوم مغضبة، وأما السابعة والثامنة فالاحتراس لماله والإرعاء على حَشَمه وعياله.
ومِلاك الأمر في المال حُسْن التقدير، وفي العيال حُسْن التدبير.
وأما التاسعة والعاشرة فلا تعصِنَّ له أمراً ولا تُفشِنَّ له سراً، فإنك إن خالفتِ أمره أوغرتِ صدره، وإنْ أفشيتِ سِره لم تأمني غدره.
ثم إياك والفَرح بين يديه إذا كان مُهتماً أو الكآبة بين يديه إذا كان فَرِحاً.
هذه وصية أمامة بنت الحارث لابنتها أم أُناس بنت عوف بن مُحَلِّم الشيباني، وهذه الوصية كانت قبل الإسلام، ومع ذلك فيها من الآداب والنصائح ما إنْ أخذت به الزوجة في عصرنا الحاضر لحُلَّتْ معظم المشاكل الأسرية التي تمتلئ بها المحاكم اليوم.
ولو ربّتْ كلُّ أم ابنتها على هذه الآداب لانصلح حالنا، لكن الواقع أننا تركنا هذه النصائح وغفلنا عن العمل بها في بيوتنا، بل وتركنا البيوت للخادمات، وتركنا التربية لغير أهلها حتى صِرْنا إلى ما نحن فيه.
وقوله سبحانه: حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ.. [الأحقاف: ١٥] هذا طور آخر من أطوار الحياة هو طور البلوغ بَلَغَ أَشُدَّهُ.. [الأحقاف: ١٥] أي: بلغ الغاية في اكتمال الجسم والقوة والعقل.
ومن ذلك قوله تعالى في سيدنا يوسف: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ [يوسف: ٢٢] وقال في سيدنا موسى: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ [القصص: ١٤].
إذن: بلوغ الأشُدّ والاستواء واكتمال البدن والجسم والقوة واكتمال العقل هو بداية إلقاء الحكمة وهو بداية التكليف، فلو كلّف قبل البلوغ ثم طرأ عليه البلوغ ومرحلة المراهقة وما تفعله من تغيرات بالجسم ربما يقول العبد: لقد طرأ عليَّ تغيرات لم تكُنْ في بالي عند الإيمان بك؛ لذلك أجّل العملية كلها حتى سنِّ البلوغ، وهو منتهى النضج.
ومنتهى النضج في الإنسان أنْ يصيرَ قادراً على إنجاب مثله، كذلك الحال في الثمار مثلاً، قلنا: إن البطيخة لا تحلو للأكل إلا إذا استوى لُبُّها واسودَ بحيث إذا زرعْتَه يعطيك نباتاً جديداً، فإذا أكلتَ هذه ضمنت لك وجود غيرها.
لكن إذا حلت ولبُّها غير مُستو أكلتها ثم تزرع اللب فلا ينبت، إذاً هنا حكمة لبقاء النوع.
لذلك يقول تعالى: ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ.. [الأنعام: ٩٩] كلمة (ينعه) أنك تضمن أنْ تأتي بشجرة جديدة. كما أنك تلاحظ في الشجر المثمر أنك إذا لم تقطف الثمار تقع هي بطبيعتها.
ومن حكمة الخالق سبحانه وعجائب الخلق أنك في مرحلة النمو وقبل سِنِّ البلوغ تجد أن عملية النمو تتم بحساب وإعجاز محكم، فأشياء في الجسم تنمو ومثيلاتها في الجسم لا تنمو.
خذ مثلاً الشعر ينمو ونقصه من حين لآخر، أما شعر الحاجبين مثلاً والرموش فلا ينمو، كذلك العظام تنمو بنمو الطفل إلى أنْ يبلغ الأشُدّ، في حين أن الأسنان وهي أيضاً عظام تقف عند شكل معين ولا تنمو، ولو كانت تنمو كنمو باقي العظام لصارتْ مثل ناب الفيل.
إذن: المسألة ليستْ كما قلنا (ميكانيكا) إنما هي (هندسة) من مبدع هذا الكون سبحانه.
وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ.. [الأحقاف: ١٥] لأن سنَّ الأربعين هي السنّ التي ينبغي أنْ يقف الإنسان عندها ويحاسب نفسه ويُصحِّح مساره.
سِنَّ الأربعين هو قمة النضج العقلي، وهي أيضاً بداية الانحدار نحو النهاية، لذلك يلفت الحق سبحانه نظرنا إلى الأربعين بالذات لنقف ونتدارك ما كان.
كلمة أَوْزِعْنِيۤ.. [الأحقاف: ١٥] يعني: ألهمني وأعنِّي وقوِّني أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ.. [الأحقاف: ١٥] بداية من نعمة الإيجاد، ونعمة السلامة والعافية، ونعمة الإسلام، ونعمة التوفيق للطاعة، ونعمة أن جعلت لي أباً وأماً قاما على تربيتي.
ثم يُعدّي الشكر إلى الوالدين وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ.. [الأحقاف: ١٥] لأن النعمة عند الوالد نعمة عند ولده وَأَنْ أَعْمَلَ صَٰلِحاً تَرْضَٰهُ.. [الأحقاف: ١٥] أي: وفِّقني وأعنّي على العمل الصالح.
والعمل الصالح هو الاستقامة بتنفيذ الأمر واجتناب النهي فيما ورد فيه نصّ، أما ما لم يرد فيه نصّ فَلَك الحرية تفعل أو لا تفعل.
تَرْضَٰهُ.. [الأحقاف: ١٥] يعني: بأنْ يكون هذا العمل وفق المنهج الذي شرعتَ، أو ترضاه فتقبله، أو تثيبني عليه.
وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِيۤ.. [الأحقاف: ١٥] دعاء بأنْ يجعل صلاحه ممتداً في ذريته، أو أنني يا رب أسرفتُ على نفسي وقصّرْتُ، ولا أريد ذلك لذريتي، أريد لها الصلاح الذي لم يتحقق لي.
وهذا مبدأ معروف أن الأب يحب أنْ يتدارك ما فاته في حياته يُحقِّقه في حياة أولاده، وذريته من بعده، يريد أنْ يحقق فيهم الكمال الذي لم يصل هو إليه، لذلك يكون الإنسان سعيداً لو تفوّق ولده عليه.
وتأمل الفعل وَأَصْلِحْ.. [الأحقاف: ١٥] تجده يتعدّى بنفسه، فلماذا ذكر (في) فقال وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِيۤ.. [الأحقاف: ١٥] ولم يقل: وأصلح لي ذريتي؟ ما الضرورة لذلك؟ الأسلوب هنا كأنه جعل الذرية ظرفاً للإصلاح، وظرفُ الإنسان قَلْبه.
لذلك ورد في الحديث الشريف: إذن: عدّاها بـ (في) ليجعلها ظرفاً ومظروفاً.
وقوله: إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ [الأحقاف: ١٥] التوبة باب مفتوح إلى آخر العمر، لكن ينبغي ألاّ تُؤخر وألاّ نغفل عنها إذا كنا أسرفنا على أنفسنا، لكن البعض منا تأخذه الدنيا وتنسيه نفسه فيؤخر التوبة والتصالح مع ربه إلى هذه السن.
لذلك ورد في الأثر: وفي معنى حديث آخر يقول: لماذا؟ لأنك أخذتَ راحتك في شبابك، وأشبعتَ رغبتك ممّا تريد، لكن إذا وافيتَ الأربعين فاستح أنْ تعصي الله بعدها، واستحِ أن تؤجل التوبة وأنت لا تضمن عمرك بعدها.
وكلمة وَإِنِّي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ [الأحقاف: ١٥] تعني: أن العطل أو التقصير لم يكُنْ في العقيدة، إنما في تنفيذ مطلوب العقيدة في الأحكام.
آية رقم ١٦
وكلمة أُوْلَـٰئِكَ.. [الأحقاف: ١٦] إشارة لمن سبق ذكرهم وأوصافهم ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ.. [الأحقاف: ١٦] المشهور عن الفعل تقبل أنه يتعدَّى بمَنْ، كما جاء في قول سيدنا إبراهيم: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ.. [البقرة: ١٢٧].
وفي موضع آخر: وَهُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ.. [الشورى: ٢٥].
إذن: يتعدى مرة بـ (من) ومرة بـ (عن) ولكلٍّ معنى، فقوله تعالى: أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ.. [الأحقاف: ١٦] يعني: أن التوبة تحمل عنك عبءَ المعاصي وثقلها، لأنها تزحزحها عنك.
لذلك قال: عَنْهُمْ.. [الأحقاف: ١٦] لأن مجيء حرف مكان حرف لا بدَّ أن له حكمة، وأنه يضيف معنى لا يعطيه الحرف الآخر، وسبق أنْ أوضحنا هذه المسألة في قول الحق سبحانه: ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ.. [إبراهيم: ٣٩] ورأينا كلّ المفسرين يقولون: (على) هنا بمعنى: مع الكِبَر.
وبتأمل الآية نجد (مع) حرفان و(على) ثلاثة أحرف، فلماذا عدل القرآن عن (مع) وجاء بـ (على)؟ كيف يترك السهل في حرفين إلى الثلاثة؟
ولما نتأمل مسألة كِبَر سيدنا إبراهيم نجد أن المعيّة التي تفيدها (مع) لا تكفي، فالمراد حرف يعطي المعية المتغلّب عليها، فالكِبَر موجود مع سيدنا إبراهيم ومصاحب له، لكنه كِبَر مُتغلَّب عليه بقدرة الله.
فكأن طلاقة القدرة علَتْ على قانون الكبر، وخرقتْ الناموس فجاء إسماعيل على هذا الكبر، وهذا المعنى لا يقوم باستخدام (مع) بل (على).
كذلك في قوله تعالى: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ [الرعد: ٦] فكأن الذنب يقتضي العقوبة، لكن مغفرة الله علَتْ على العقوبة وتغلّبت عليها. إذن: حينما يستخدم حرفاً مكان حرف فلا بدَّ أنه يضيف معنىً لا يضيفه الحرف الأول.
إذن: نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ.. [الأحقاف: ١٦] حملنا عنهم عبء ما كان قبل التوبة، وفي موضع آخر يشرح الحق سبحانه هذا المعنى: فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ.. [الفرقان: ٧٠] حتى قال أحدهم: والله لقد أسفتُ أنِّي لم أرتكب الكبائر، لأن الله كان سيُبدلها حسنات، وهذا خطأ، فمَنْ يدريك أنك ستعيش حتى تتوب؟
وقوله: وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ.. [الأحقاف: ١٦] أي: نعفو عنها ونتسامح فِيۤ أَصْحَابِ ٱلْجَنَّةِ.. [الأحقاف: ١٦] سبق أنْ قلنا: أصحاب الجنة يعني بينهم وبينها مصاحبة أو صداقة، أو أصحابها يعني المالكين لها.
لكن هنا يقول فِيۤ أَصْحَابِ ٱلْجَنَّةِ.. [الأحقاف: ١٦] فكأن هؤلاء الذين نتحدث عنهم في وسط الجنة، وأهل الجنة محيطون بهم، فهم في المركز، هذا الفهم جاء من معنى (في) هنا، لكن لماذا استحقّ هؤلاء أنْ يكونوا في الوسط وفي المركز وأهل الجنة حولهم؟
قالوا لأن الذي أَلِفَ المعصية ثم يذهب إلى الطاعة تشقّ على نفسه بعد أنِ استهوى المعصية وارتاضَ عليها، فهو يجاهد نفسه للاستمرار على الطاعة، على خلاف مَنْ لم يُجرب المعصية، فالطاعة عنده طبيعية لا تحتاج إلى مجاهدة كالأول، لذلك يعاملهم الله بهذا التساهل وهذا الفضل فيُبدِّل سيئاتهم حسنات، وهذا منتهى الكرم.
ثم يُطمئنهم الحق سبحانه وتعالى: وَعْدَ ٱلصِّدْقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ [الأحقاف: ١٦] فكأنهم لا يُصدِّقون أن الله يعاملهم بكلِّ هذا الفضل، فيُذكِّرهم أن هذا وعد الله، ووَعْد الله وعد صدق لا يُخلَف أبداً، ولا يوجد مَنْ ينقضه أو يفسخ هذا الوعد.
والحق سبحانه يعطي عباده كلّ هذه التسهيلات والإغراءات، فيقبل توبة التائبين ويعفو عن المسيئين، ويُبدِّل سيئاتهم حسنات، لا لنجاة التائب وحده، وإنما لنجاة المجتمع كله، فلو لم تشرع التوبة لشَقِيَ المجتمع بكلِّ عاصٍ سُدّ في وجهه بابها، ولاستشرى الشر وساد.
وفي موضع آخر: وَهُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ.. [الشورى: ٢٥].
إذن: يتعدى مرة بـ (من) ومرة بـ (عن) ولكلٍّ معنى، فقوله تعالى: أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ.. [الأحقاف: ١٦] يعني: أن التوبة تحمل عنك عبءَ المعاصي وثقلها، لأنها تزحزحها عنك.
لذلك قال: عَنْهُمْ.. [الأحقاف: ١٦] لأن مجيء حرف مكان حرف لا بدَّ أن له حكمة، وأنه يضيف معنى لا يعطيه الحرف الآخر، وسبق أنْ أوضحنا هذه المسألة في قول الحق سبحانه: ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ.. [إبراهيم: ٣٩] ورأينا كلّ المفسرين يقولون: (على) هنا بمعنى: مع الكِبَر.
وبتأمل الآية نجد (مع) حرفان و(على) ثلاثة أحرف، فلماذا عدل القرآن عن (مع) وجاء بـ (على)؟ كيف يترك السهل في حرفين إلى الثلاثة؟
ولما نتأمل مسألة كِبَر سيدنا إبراهيم نجد أن المعيّة التي تفيدها (مع) لا تكفي، فالمراد حرف يعطي المعية المتغلّب عليها، فالكِبَر موجود مع سيدنا إبراهيم ومصاحب له، لكنه كِبَر مُتغلَّب عليه بقدرة الله.
فكأن طلاقة القدرة علَتْ على قانون الكبر، وخرقتْ الناموس فجاء إسماعيل على هذا الكبر، وهذا المعنى لا يقوم باستخدام (مع) بل (على).
كذلك في قوله تعالى: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ [الرعد: ٦] فكأن الذنب يقتضي العقوبة، لكن مغفرة الله علَتْ على العقوبة وتغلّبت عليها. إذن: حينما يستخدم حرفاً مكان حرف فلا بدَّ أنه يضيف معنىً لا يضيفه الحرف الأول.
إذن: نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ.. [الأحقاف: ١٦] حملنا عنهم عبء ما كان قبل التوبة، وفي موضع آخر يشرح الحق سبحانه هذا المعنى: فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ.. [الفرقان: ٧٠] حتى قال أحدهم: والله لقد أسفتُ أنِّي لم أرتكب الكبائر، لأن الله كان سيُبدلها حسنات، وهذا خطأ، فمَنْ يدريك أنك ستعيش حتى تتوب؟
وقوله: وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ.. [الأحقاف: ١٦] أي: نعفو عنها ونتسامح فِيۤ أَصْحَابِ ٱلْجَنَّةِ.. [الأحقاف: ١٦] سبق أنْ قلنا: أصحاب الجنة يعني بينهم وبينها مصاحبة أو صداقة، أو أصحابها يعني المالكين لها.
لكن هنا يقول فِيۤ أَصْحَابِ ٱلْجَنَّةِ.. [الأحقاف: ١٦] فكأن هؤلاء الذين نتحدث عنهم في وسط الجنة، وأهل الجنة محيطون بهم، فهم في المركز، هذا الفهم جاء من معنى (في) هنا، لكن لماذا استحقّ هؤلاء أنْ يكونوا في الوسط وفي المركز وأهل الجنة حولهم؟
قالوا لأن الذي أَلِفَ المعصية ثم يذهب إلى الطاعة تشقّ على نفسه بعد أنِ استهوى المعصية وارتاضَ عليها، فهو يجاهد نفسه للاستمرار على الطاعة، على خلاف مَنْ لم يُجرب المعصية، فالطاعة عنده طبيعية لا تحتاج إلى مجاهدة كالأول، لذلك يعاملهم الله بهذا التساهل وهذا الفضل فيُبدِّل سيئاتهم حسنات، وهذا منتهى الكرم.
ثم يُطمئنهم الحق سبحانه وتعالى: وَعْدَ ٱلصِّدْقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ [الأحقاف: ١٦] فكأنهم لا يُصدِّقون أن الله يعاملهم بكلِّ هذا الفضل، فيُذكِّرهم أن هذا وعد الله، ووَعْد الله وعد صدق لا يُخلَف أبداً، ولا يوجد مَنْ ينقضه أو يفسخ هذا الوعد.
والحق سبحانه يعطي عباده كلّ هذه التسهيلات والإغراءات، فيقبل توبة التائبين ويعفو عن المسيئين، ويُبدِّل سيئاتهم حسنات، لا لنجاة التائب وحده، وإنما لنجاة المجتمع كله، فلو لم تشرع التوبة لشَقِيَ المجتمع بكلِّ عاصٍ سُدّ في وجهه بابها، ولاستشرى الشر وساد.
آية رقم ١٧
القرآن الكريم أعطانا عدة لقطات للوالدين مع الأولاد، وهذه اللقطات تختلف باختلاف الأحوال، ولأهمية هذه العلاقة بين الوالد والولد قرنَ اللهُ الوصية بالوالدين بعبادته سبحانه، وأعطاها نفس الأهمية والقداسة.
فقال سبحانه: وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً.. [الإسراء: ٢٣] لأن الوالد والولد هما الخلية الأساسية لبناء المجتمع، فإذا صلحتْ صَلُح المجتمع، وإذا فسدتْ فسد المجتمع، وصلاح هذه الخلية يقتضي منا أن نعلم منزلة الوالدين، وأنهما السبب المباشر في الوجود فلهما حَقُّ السَّببية في الإيجاد، يعني: لولاهما ما وجد الولد.
وحين نبرهما ونحترمهما تكون دُرْبة لنا على تعظيم واحترام المُوجِد الأول سبحانه والأصل الأصيل في المسألة.
لذلك جاءت هذه الوصية عامة، لا فرق بين مؤمن وكافر، فالحق يُوصي بالوالدين حتى إنْ كانا كافريْنِ، لأنه تعالى ربُّ الجميع يتكفل بالجميع حياة ورزقاً وإقامة، لأنه عبده وصَنْعته.
وقُلْنا: يجب أنْ نلحظ الفرق بين الألوهية والربوبية: فالربوبية عطاء وتربية، والألوهية تكليف وتعبُّد بطاعة الأمر واجتناب النهي.
فهو أيضاً عطاء، لكن عطاء تكليفي بافعل ولا تفعل، عطاء لأن فائدته تعود على العبد ولا ينتفع الله منها بشيء، ولا تزيده طاعة الطائعين صفةً لم تكُنْ له سبحانه، ولا تسلبه معصية العاصين صفةً ثابتة له سبحانه.
فالله له صفات الكمال المطلق قبل أنْ يُوجد هذا الخلق، لذلك نرى الإنسان حين يحزبه أمر لا يقدر عليه من أمور حياته يقول: يا رب، فيدعو بصفة الربوبية يعني يا رب، يا من تتولى رعايتي وتربيتي خُذْ بيدي وأعنِّي.
لكن إذا أراد أنْ يستعين على أمر تكليفي لله تعالى يقول: يا الله، يعني يا إلهي، يا مَنْ كلَّفتني أعنِّي على طاعتك فيما كلَّفتني.
إذن: الحكمة من التكليف لا تعود على الله إنما تعود على المكلَّف، والحق سبحانه يريد مجتمعاً مؤمناً صالحاً يبني ويُعمر، ويكون على أحسن حال، كما تحثّ ولدك الصغير على المذاكرة وتقول له: إنْ نجحت سأشتري لك عجلة أو بدلة، فأنت تريد له الخير ولن تنتفع أنت بما ستشتريه له.
لذلك ورد في الحديث القدسى: إذن: حظ التكليف صلاح المكلف.
وقد أوضحنا هذه المسألة في بيان معنى قوله تعالى: أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ.. [البقرة: ٥] فكأن الهدى دابة ومطيّة تحمل المهتدي وتُوصِّله إلى غايته التي يسعى إليها، فالهدي ليس حِمْلاً وليس ثِقَلاً على صاحبه إنما مُعين له.
والآية التي معنا وَٱلَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ.. [الأحقاف: ١٧] تعطينا لقطة للوالدين حينما يكونان مؤمنين والولد غير مؤمن، وتصور لنا حرص الوالدين على نجاة الولد، كما رأينا مثلاً في قصة سيدنا نوح وولده.
وهذه الآية نزلتْ في عبد الرحمن بن أبي بكر وكان أبواه قد أسلما، وأبَى هو أنْ يسلم، فكانا يدعوانه إلى الإيمان بالله والإيمان بالبعث، فيقول لهما: أين فلان؟ وأين فلان؟ ممَّن ماتوا في السابقين.
ثم أسلم عبد الرحمن بعد ذلك وحَسُن إسلامه. وإنْ كانت هناك روايات عن السيدة عائشة أنها نفَتْ ذلك، وقالت: إنما نزلت الآية في شخص آخر وذكرتْ اسمه.
قوله تعالى: وَٱلَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ.. [الأحقاف: ١٧] أي: اذكر الذي قال لوالديه أُفٍّ لَّكُمَآ.. [الأحقاف: ١٧] و(أفّ) اسم فعل مضارع بمعنى أتضجر، يقولون: فلان يتأفّف. يعني: يقول أف ويُظهر الضيق والضجر من شيء قذر أو مُنتن أو فعل لا يعجبك.
وقوله لَّكُمَآ دلَّ على غضبه منهما لأنها يُلحان عليه.
فقال: أُفٍّ لَّكُمَآ.. [الأحقاف: ١٧] أنتما ليس بعيداً عنكما.
لكن لماذا يتأفف؟ قالو: لأن الوالدين يُلحان عليه أنْ يؤمن وهو لا يريد الإيمان، فلما أكثرا عليه تأفّف، وقال: أَتَعِدَانِنِيۤ أَنْ أُخْرَجَ.. [الأحقاف: ١٧] يعني: أُبعث بعد الموت، والهمزة هنا استفهام للتعجب أو الإنكار فهو ينكر البعث.
ثم يأتي بالدليل الذي يؤيد وجهة نظره وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ مِن قَبْلِي.. [الأحقاف: ١٧] أي: مضتْ القرون ومات كثيرون ممَّنْ سبق، ولم أرَ أحداً منهم قام من قبره.
لكن من قال أن البعث سيكون في الدنيا، البعث موعده الآخرة بعد أنْ يموت الجميع ولا يبقى إلا الله.
لكن الوالدين بعد أنْ سمعا هذا الكلام، ولمسَا هذا التصميم على الكفر لم يجدا مُنقذاً سوى الله فتوجها إليه: وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ.. [الأحقاف: ١٧].
وهذا تصوير لطبيعة الوالدين وشدة حرصهما على نجاة الابن، فهما يتضرعان ويُلحان على الابن أن يؤمن، وأنْ يذوق حلاوة الإيمان التي ذاقاها.
وكلمة وَيْلَكَ آمِنْ.. [الأحقاف: ١٧] حَثٌّ له على أنْ يؤمن، أو الويل لك إنْ لم تؤمن، ونلاحظ هنا أن الفعل يستغيث يتعدى بالباء فيقول: يستغيث فلان بالله، فلماذا حذف الباء وعدَّى الفعل بنفسه فقال: يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ.. [الأحقاف: ١٧].
قالوا: هذا يدل على أنهما أمام أمر صعب، وأمام قلب قاس متحجر معاند، لا يقبل الدعوة ولا يستجيب لنداء الوالدين، ولا يُقدِّر مشاعرهما.
لذا توجَّها إلى الله مباشرة أنْ يهدي هذا الولد، وأنْ يشرح صدره، وأن يلين هذا الطبع القاسي، ليسمع ويطيع وينجو، لذلك قلنا: لا تجد إنساناً يحب لك الخير كما يحبه لك والدك، يحب أنْ تكون أحسن حالاً منه، وهذه لا تتوافر إلا في الوالد والولد.
إذن: أمام هذا العناد ليس أمام الوالدين إلا التوجّه إلى الله مُقلِّب القلوب ومُسبِّب الأسباب، فما ضاقتْ به أسباب الخَلْق دَعْهُ للخالق سبحانه، فالقلوب بين أصبعين من أصابعه سبحانه يُقلِّبها كيف يشاء.
وسبق أن قلنا ذلك في قصة أم موسى لما قال الله لها: فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ.. [القصص: ٧] بالله أتقبل أم تخاف على ولدها أنْ تلقيه في البحر؟
تقبل أنْ تنجيه من موت مظنون بموت مُحقَّق؟ لكنها آمنَتْ وصدقتْ ونفذت. لأن الله قَلَب قلبها، ووارد الرحمن لا يعارضه ولا يعطله وارد الشيطان، لذلك قال تعالى: وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ.. [الأنفال: ٢٤].
وهذه المسألة حدثتْ مع فرعون، فحال اللهُ بينه وبين قلبه وما يريد، فهو يبحث عن الأطفال ويقتلهم، ومع ذلك جاءه طفل في صندوق مُلقى في البحر، وعلى هيئة مريبة تدعو إلى الشك، ومع ذلك استقبله واحتضنه وربَّاه وصدَّق امرأته لما قالتْ عن الولد قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ.. [القصص: ٩].
إذن: هذا غباء، ممَّنْ؟ من فرعون الذي ادَّعى الألوهية وقال للناس: أنا ربكم الأعلى.
ثم لما نتأمل القصة نجد دلالات أخرى لغباء هذا الرجل، فقد قال له السحرة: إن زوال مُلْكك سيكون على يد طفل يُولَد من بني إسرائيل، فما دُمْت قد صدَّقت بهذه النبوءة، فلماذا تقتل الأطفال؟
إذن: أقدار الله لا بدَّ أنْ تتحقق، وأنْ يُهيء لها أسبابها، وهذا هو معنى وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ.. [الأحقاف: ١٧] يقولان: يا رب أنت قادر على كل شيء وأنت فوق الأسباب، وليس لنا حيلة مع هذا الولد ويعز علينا أنْ نتركه على كفرة فيهلك.
وقد علّمنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نلجأ إلى الله، فكان إذا حزبه أمر يعني: غلبه وضاقتْ عنه أسبابه قام إلى الصلاة ليقف بين يدي ربه، فيحلّ له كل شَاقٍّ ويُهوِّن كلَّ عسير.
وكلمة آمِنْ يعني: انطق بالشهادة واعترف بأن الله إله واحد. ومادة (أمن) لها في القرآن معانٍ متعددة، تقول: آمنتُ بالله. وهذا الفعل مُتعدٍّ بالباء يعني: شهدتُ وصدّقتُ، وأمنتُ له: صدقته كما في قوله تعالى: وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا.. [يوسف: ١٧] يعني: مُصدِّق، وأمنته يعني أعطيته الأمان.
وقولهما: إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ.. [الأحقاف: ١٧] يؤكدان له هذه الحقيقة، وما دام حقاً فسوف يحدث ولا مفرَّ منه، لأن الله إله واحد لا شريك له، ولا أحدَ ينقض هذا الوعد أو يعارضه، وهو سبحانه القادر القوي الذي يملك إنفاذ ما وعد به.
لذلك قال تعالى في شأن الساعة: أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ [النحل: ١] هكذا بالفعل الماضي، لأن وعَدْ الله يستوي فيه الماضي والحاضر والمستقبل، فهو سبحانه خالق الزمن ومالكه والمتصرّف فيه، فيعبر عن المستقبل بالماضي لأنه يعلم أنه لا توجد قوة تعارضه.
إذن: فالقيامة التي ستأتي في المستقبل أتتْ بالفعل وهي حادثة لا شكَّ فيها، لذلك يتصرف في الكون بشهادته سبحانه لنفسه، فأول مَنْ آمن آمنَ اللهُ بذاته سبحانه، فقال: شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ.. [آل عمران: ١٨].
فقد شهد الله لذاته قبل أنْ يشهد بذلك أحدٌ من خلقه، وكأنه سبحانه بهذه الشهادة يقبل على كل شيء يريده وهو يعلم أنه لن يتخلف، وما هي إلا كُنْ فيكون.
كذلك سيدنا رسول الله يشهد لنفسه بالرسالة قبل أنْ يشهد بها أحد، ففي روايةفقوله تعالى: إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ.. [الأحقاف: ١٧] يعني: صادق لا يتخلف، والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير، لأن الله هو الذي قضاه وحكم به، فلا أحدَ يُغيره، لذلك يقول سبحانه: سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً [الفتح: ٢٣].
وقوله تعالى: فَيَقُولُ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ [الأحقاف: ١٧].
أي: يقول هذا الولد المعاند لوالديه، وهما يدعوانه للإيمان بالبعث والنشور: إن ما تقولانه ما هو إلا أساطير الأولين، وهي أكاذيبهم وقصصهم التي جاءتْ في كتبهم، يعني: ما تدعواني إليه كذب أشبه بالأساطير والخرافات.
فقال سبحانه: وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً.. [الإسراء: ٢٣] لأن الوالد والولد هما الخلية الأساسية لبناء المجتمع، فإذا صلحتْ صَلُح المجتمع، وإذا فسدتْ فسد المجتمع، وصلاح هذه الخلية يقتضي منا أن نعلم منزلة الوالدين، وأنهما السبب المباشر في الوجود فلهما حَقُّ السَّببية في الإيجاد، يعني: لولاهما ما وجد الولد.
وحين نبرهما ونحترمهما تكون دُرْبة لنا على تعظيم واحترام المُوجِد الأول سبحانه والأصل الأصيل في المسألة.
لذلك جاءت هذه الوصية عامة، لا فرق بين مؤمن وكافر، فالحق يُوصي بالوالدين حتى إنْ كانا كافريْنِ، لأنه تعالى ربُّ الجميع يتكفل بالجميع حياة ورزقاً وإقامة، لأنه عبده وصَنْعته.
وقُلْنا: يجب أنْ نلحظ الفرق بين الألوهية والربوبية: فالربوبية عطاء وتربية، والألوهية تكليف وتعبُّد بطاعة الأمر واجتناب النهي.
فهو أيضاً عطاء، لكن عطاء تكليفي بافعل ولا تفعل، عطاء لأن فائدته تعود على العبد ولا ينتفع الله منها بشيء، ولا تزيده طاعة الطائعين صفةً لم تكُنْ له سبحانه، ولا تسلبه معصية العاصين صفةً ثابتة له سبحانه.
فالله له صفات الكمال المطلق قبل أنْ يُوجد هذا الخلق، لذلك نرى الإنسان حين يحزبه أمر لا يقدر عليه من أمور حياته يقول: يا رب، فيدعو بصفة الربوبية يعني يا رب، يا من تتولى رعايتي وتربيتي خُذْ بيدي وأعنِّي.
لكن إذا أراد أنْ يستعين على أمر تكليفي لله تعالى يقول: يا الله، يعني يا إلهي، يا مَنْ كلَّفتني أعنِّي على طاعتك فيما كلَّفتني.
إذن: الحكمة من التكليف لا تعود على الله إنما تعود على المكلَّف، والحق سبحانه يريد مجتمعاً مؤمناً صالحاً يبني ويُعمر، ويكون على أحسن حال، كما تحثّ ولدك الصغير على المذاكرة وتقول له: إنْ نجحت سأشتري لك عجلة أو بدلة، فأنت تريد له الخير ولن تنتفع أنت بما ستشتريه له.
لذلك ورد في الحديث القدسى: إذن: حظ التكليف صلاح المكلف.
وقد أوضحنا هذه المسألة في بيان معنى قوله تعالى: أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ.. [البقرة: ٥] فكأن الهدى دابة ومطيّة تحمل المهتدي وتُوصِّله إلى غايته التي يسعى إليها، فالهدي ليس حِمْلاً وليس ثِقَلاً على صاحبه إنما مُعين له.
والآية التي معنا وَٱلَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ.. [الأحقاف: ١٧] تعطينا لقطة للوالدين حينما يكونان مؤمنين والولد غير مؤمن، وتصور لنا حرص الوالدين على نجاة الولد، كما رأينا مثلاً في قصة سيدنا نوح وولده.
وهذه الآية نزلتْ في عبد الرحمن بن أبي بكر وكان أبواه قد أسلما، وأبَى هو أنْ يسلم، فكانا يدعوانه إلى الإيمان بالله والإيمان بالبعث، فيقول لهما: أين فلان؟ وأين فلان؟ ممَّن ماتوا في السابقين.
ثم أسلم عبد الرحمن بعد ذلك وحَسُن إسلامه. وإنْ كانت هناك روايات عن السيدة عائشة أنها نفَتْ ذلك، وقالت: إنما نزلت الآية في شخص آخر وذكرتْ اسمه.
قوله تعالى: وَٱلَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ.. [الأحقاف: ١٧] أي: اذكر الذي قال لوالديه أُفٍّ لَّكُمَآ.. [الأحقاف: ١٧] و(أفّ) اسم فعل مضارع بمعنى أتضجر، يقولون: فلان يتأفّف. يعني: يقول أف ويُظهر الضيق والضجر من شيء قذر أو مُنتن أو فعل لا يعجبك.
وقوله لَّكُمَآ دلَّ على غضبه منهما لأنها يُلحان عليه.
فقال: أُفٍّ لَّكُمَآ.. [الأحقاف: ١٧] أنتما ليس بعيداً عنكما.
لكن لماذا يتأفف؟ قالو: لأن الوالدين يُلحان عليه أنْ يؤمن وهو لا يريد الإيمان، فلما أكثرا عليه تأفّف، وقال: أَتَعِدَانِنِيۤ أَنْ أُخْرَجَ.. [الأحقاف: ١٧] يعني: أُبعث بعد الموت، والهمزة هنا استفهام للتعجب أو الإنكار فهو ينكر البعث.
ثم يأتي بالدليل الذي يؤيد وجهة نظره وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ مِن قَبْلِي.. [الأحقاف: ١٧] أي: مضتْ القرون ومات كثيرون ممَّنْ سبق، ولم أرَ أحداً منهم قام من قبره.
لكن من قال أن البعث سيكون في الدنيا، البعث موعده الآخرة بعد أنْ يموت الجميع ولا يبقى إلا الله.
لكن الوالدين بعد أنْ سمعا هذا الكلام، ولمسَا هذا التصميم على الكفر لم يجدا مُنقذاً سوى الله فتوجها إليه: وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ.. [الأحقاف: ١٧].
وهذا تصوير لطبيعة الوالدين وشدة حرصهما على نجاة الابن، فهما يتضرعان ويُلحان على الابن أن يؤمن، وأنْ يذوق حلاوة الإيمان التي ذاقاها.
وكلمة وَيْلَكَ آمِنْ.. [الأحقاف: ١٧] حَثٌّ له على أنْ يؤمن، أو الويل لك إنْ لم تؤمن، ونلاحظ هنا أن الفعل يستغيث يتعدى بالباء فيقول: يستغيث فلان بالله، فلماذا حذف الباء وعدَّى الفعل بنفسه فقال: يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ.. [الأحقاف: ١٧].
قالوا: هذا يدل على أنهما أمام أمر صعب، وأمام قلب قاس متحجر معاند، لا يقبل الدعوة ولا يستجيب لنداء الوالدين، ولا يُقدِّر مشاعرهما.
لذا توجَّها إلى الله مباشرة أنْ يهدي هذا الولد، وأنْ يشرح صدره، وأن يلين هذا الطبع القاسي، ليسمع ويطيع وينجو، لذلك قلنا: لا تجد إنساناً يحب لك الخير كما يحبه لك والدك، يحب أنْ تكون أحسن حالاً منه، وهذه لا تتوافر إلا في الوالد والولد.
إذن: أمام هذا العناد ليس أمام الوالدين إلا التوجّه إلى الله مُقلِّب القلوب ومُسبِّب الأسباب، فما ضاقتْ به أسباب الخَلْق دَعْهُ للخالق سبحانه، فالقلوب بين أصبعين من أصابعه سبحانه يُقلِّبها كيف يشاء.
وسبق أن قلنا ذلك في قصة أم موسى لما قال الله لها: فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ.. [القصص: ٧] بالله أتقبل أم تخاف على ولدها أنْ تلقيه في البحر؟
تقبل أنْ تنجيه من موت مظنون بموت مُحقَّق؟ لكنها آمنَتْ وصدقتْ ونفذت. لأن الله قَلَب قلبها، ووارد الرحمن لا يعارضه ولا يعطله وارد الشيطان، لذلك قال تعالى: وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ.. [الأنفال: ٢٤].
وهذه المسألة حدثتْ مع فرعون، فحال اللهُ بينه وبين قلبه وما يريد، فهو يبحث عن الأطفال ويقتلهم، ومع ذلك جاءه طفل في صندوق مُلقى في البحر، وعلى هيئة مريبة تدعو إلى الشك، ومع ذلك استقبله واحتضنه وربَّاه وصدَّق امرأته لما قالتْ عن الولد قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ.. [القصص: ٩].
إذن: هذا غباء، ممَّنْ؟ من فرعون الذي ادَّعى الألوهية وقال للناس: أنا ربكم الأعلى.
ثم لما نتأمل القصة نجد دلالات أخرى لغباء هذا الرجل، فقد قال له السحرة: إن زوال مُلْكك سيكون على يد طفل يُولَد من بني إسرائيل، فما دُمْت قد صدَّقت بهذه النبوءة، فلماذا تقتل الأطفال؟
إذن: أقدار الله لا بدَّ أنْ تتحقق، وأنْ يُهيء لها أسبابها، وهذا هو معنى وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ.. [الأحقاف: ١٧] يقولان: يا رب أنت قادر على كل شيء وأنت فوق الأسباب، وليس لنا حيلة مع هذا الولد ويعز علينا أنْ نتركه على كفرة فيهلك.
وقد علّمنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نلجأ إلى الله، فكان إذا حزبه أمر يعني: غلبه وضاقتْ عنه أسبابه قام إلى الصلاة ليقف بين يدي ربه، فيحلّ له كل شَاقٍّ ويُهوِّن كلَّ عسير.
وكلمة آمِنْ يعني: انطق بالشهادة واعترف بأن الله إله واحد. ومادة (أمن) لها في القرآن معانٍ متعددة، تقول: آمنتُ بالله. وهذا الفعل مُتعدٍّ بالباء يعني: شهدتُ وصدّقتُ، وأمنتُ له: صدقته كما في قوله تعالى: وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا.. [يوسف: ١٧] يعني: مُصدِّق، وأمنته يعني أعطيته الأمان.
وقولهما: إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ.. [الأحقاف: ١٧] يؤكدان له هذه الحقيقة، وما دام حقاً فسوف يحدث ولا مفرَّ منه، لأن الله إله واحد لا شريك له، ولا أحدَ ينقض هذا الوعد أو يعارضه، وهو سبحانه القادر القوي الذي يملك إنفاذ ما وعد به.
لذلك قال تعالى في شأن الساعة: أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ [النحل: ١] هكذا بالفعل الماضي، لأن وعَدْ الله يستوي فيه الماضي والحاضر والمستقبل، فهو سبحانه خالق الزمن ومالكه والمتصرّف فيه، فيعبر عن المستقبل بالماضي لأنه يعلم أنه لا توجد قوة تعارضه.
إذن: فالقيامة التي ستأتي في المستقبل أتتْ بالفعل وهي حادثة لا شكَّ فيها، لذلك يتصرف في الكون بشهادته سبحانه لنفسه، فأول مَنْ آمن آمنَ اللهُ بذاته سبحانه، فقال: شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ.. [آل عمران: ١٨].
فقد شهد الله لذاته قبل أنْ يشهد بذلك أحدٌ من خلقه، وكأنه سبحانه بهذه الشهادة يقبل على كل شيء يريده وهو يعلم أنه لن يتخلف، وما هي إلا كُنْ فيكون.
كذلك سيدنا رسول الله يشهد لنفسه بالرسالة قبل أنْ يشهد بها أحد، ففي روايةفقوله تعالى: إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ.. [الأحقاف: ١٧] يعني: صادق لا يتخلف، والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير، لأن الله هو الذي قضاه وحكم به، فلا أحدَ يُغيره، لذلك يقول سبحانه: سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً [الفتح: ٢٣].
وقوله تعالى: فَيَقُولُ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ [الأحقاف: ١٧].
أي: يقول هذا الولد المعاند لوالديه، وهما يدعوانه للإيمان بالبعث والنشور: إن ما تقولانه ما هو إلا أساطير الأولين، وهي أكاذيبهم وقصصهم التي جاءتْ في كتبهم، يعني: ما تدعواني إليه كذب أشبه بالأساطير والخرافات.
آية رقم ١٨
نلاحظ أن الكلام كان في الآية السابقة عن مفرد، وهو الذي قال لوالديه (أفٍّ لكما) لكن هنا يشير إليه الحق سبحانه بصيغة الجمع أُوْلَـٰئِكَ.. [الأحقاف: ١٨] فيأتي بالقرار ويخبر عنه أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ.. [الأحقاف: ١٨].
كأن (الذي) لا يفهم منها المفرد إنما يفهم منها الجمع، كما في قوله تعالى وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ.. [العصر: ١-٣] فاستثنى الجمع من المفرد.
وقالوا في هذه الآية ما قالوا في الآية السابقة. أي: أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر، وهذا القول لا يستقيم مع معنى الآية لأن سيدنا عبد الرحمن أسلم وحسُن إسلامه، وهذه الآية تتحدث عمَّنْ حَقَّ عليهم العذاب. إذن: نزلت في شخص آخر غير عبد الرحمن.
وقد ورد لهذه المسألة قصة في كتب التاريخ، فالذي قال أنها نزلت في عبد الرحمن هو مروان بن الحكم، وكان أميراً على المدينة.
فلما بايع معاوية ابنه يزيد بالخلافة طلب من مروان أنْ يأخذ البيعة ليزيد، فاعترض على ذلك عبد الرحمن بن أبي بكر.
وقال: أجعلتموها هرقلية؟ يعني: ملكية يخلف الولدُ والده؟ فقال: اسكت يا هذا، ثم قال: أتعلمون من هذا؟ هذا الذي قال الله فيه وَٱلَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ.. [الأحقاف: ١٧].
وبلغتْ هذه المقولة السيدة عائشة رضي الله عنها فقالت: والله ما هو، ولو شئتُ أنْ أُسمِّي الذي قيلتْ فيه لقُلْته، ولكن قولوا لمروان: إن الله قد لعنك في ظهر أبيك.
ذلك لأن الحكمَ بنَ العاص كان يوماً يُقلِّد رسول الله في مشيته استهزاءً به، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم فرآه، فأشار إليه بيده فنُفِي إلى الطائف، وبعد العزِّ الذي كان فيه في المدينة صار يرعى الغنم، إلى أنْ جاء سيدنا عثمان وتشفَّع له عند رسول الله فأذن له.
ولكن الصحابة قالوا: لم نسمع من الرسول، فقال عثمان: أنا سمعته.
ومعنى حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ.. [الأحقاف: ١٨] يعني: وجب وثبت لهم العذاب الذي حذرناهم منه فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ.. [الأحقاف: ١٨] يعني: مضتْ وذهبت مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ [الأحقاف: ١٨] لأن الله قال عن المؤمنين قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون: ١].
ففي المقابل، وخسر الكافرون المكذبون.
وهذه الآية تدل على أن الجن أيضاً مكلّف، ومنهم الطائع والعاصي، والمؤمن والكافر، لذلك قال في سورة الجن: وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً [الجن: ١٥] إذن: سيُعذَّبون بما يناسب طبيعتهم.
كأن (الذي) لا يفهم منها المفرد إنما يفهم منها الجمع، كما في قوله تعالى وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ.. [العصر: ١-٣] فاستثنى الجمع من المفرد.
وقالوا في هذه الآية ما قالوا في الآية السابقة. أي: أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر، وهذا القول لا يستقيم مع معنى الآية لأن سيدنا عبد الرحمن أسلم وحسُن إسلامه، وهذه الآية تتحدث عمَّنْ حَقَّ عليهم العذاب. إذن: نزلت في شخص آخر غير عبد الرحمن.
وقد ورد لهذه المسألة قصة في كتب التاريخ، فالذي قال أنها نزلت في عبد الرحمن هو مروان بن الحكم، وكان أميراً على المدينة.
فلما بايع معاوية ابنه يزيد بالخلافة طلب من مروان أنْ يأخذ البيعة ليزيد، فاعترض على ذلك عبد الرحمن بن أبي بكر.
وقال: أجعلتموها هرقلية؟ يعني: ملكية يخلف الولدُ والده؟ فقال: اسكت يا هذا، ثم قال: أتعلمون من هذا؟ هذا الذي قال الله فيه وَٱلَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ.. [الأحقاف: ١٧].
وبلغتْ هذه المقولة السيدة عائشة رضي الله عنها فقالت: والله ما هو، ولو شئتُ أنْ أُسمِّي الذي قيلتْ فيه لقُلْته، ولكن قولوا لمروان: إن الله قد لعنك في ظهر أبيك.
ذلك لأن الحكمَ بنَ العاص كان يوماً يُقلِّد رسول الله في مشيته استهزاءً به، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم فرآه، فأشار إليه بيده فنُفِي إلى الطائف، وبعد العزِّ الذي كان فيه في المدينة صار يرعى الغنم، إلى أنْ جاء سيدنا عثمان وتشفَّع له عند رسول الله فأذن له.
ولكن الصحابة قالوا: لم نسمع من الرسول، فقال عثمان: أنا سمعته.
ومعنى حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ.. [الأحقاف: ١٨] يعني: وجب وثبت لهم العذاب الذي حذرناهم منه فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ.. [الأحقاف: ١٨] يعني: مضتْ وذهبت مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ [الأحقاف: ١٨] لأن الله قال عن المؤمنين قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون: ١].
ففي المقابل، وخسر الكافرون المكذبون.
وهذه الآية تدل على أن الجن أيضاً مكلّف، ومنهم الطائع والعاصي، والمؤمن والكافر، لذلك قال في سورة الجن: وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً [الجن: ١٥] إذن: سيُعذَّبون بما يناسب طبيعتهم.
آية رقم ١٩
قوله تعالى: وَلِكُلٍّ.. [الأحقاف: ١٩] لكلّ من الصنفين: المؤمنين الذي سبق ذكرهم في قوله تعالى: إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ.. [فصلت: ٣٠] والكافرين الذين قال الله عنهم: أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ.. [الأحقاف: ١٨].
فلكُلٍّ من المؤمن والكافر والطائع والعاصي، كُلٌّ له جزاء على قدر درجته ومنزلته دَرَجَٰتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ.. [الأحقاف: ١٩].
ومعلوم أن الجنة درجات، وأن النار - والعياذ بالله - دركات، لذلك قال تعالى: إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ.. [النساء: ١٤٥] لكن هنا جعلها درجات للمؤمنين وللكافرين، فكيف؟
قالوا: هذا نوع من السخرية والاستهزاء بهم والتأنيب لهم، كما في قوله سبحانه: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الانشقاق: ٢٤].
ومعلوم أن العذاب لا يُبشَّر به، البشارة لا تكون إلا بشيء سارَ مفرح. إذن: هذا تهكُّم كما في ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ [الدخان: ٤٩] وهو في هذا الموقف مُهان مُعذَّب مُحتقر، أو: أنه يسميها (درجات) لإغاظتهم ليزدادوا تحسُّراً وألماً.
وقوله تعالى: وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَٰلَهُمْ.. [الأحقاف: ١٩] من الوفاء، وهو أنْ تعطي الجزاء كاملاً غير منقوص كما تقول: وفيت فلاناً دينه. يعني: أعطيتُه كاملاً وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [الأحقاف: ١٩] يعني: لا ينقصون من أجورهم شيئاً.
فلكُلٍّ من المؤمن والكافر والطائع والعاصي، كُلٌّ له جزاء على قدر درجته ومنزلته دَرَجَٰتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ.. [الأحقاف: ١٩].
ومعلوم أن الجنة درجات، وأن النار - والعياذ بالله - دركات، لذلك قال تعالى: إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ.. [النساء: ١٤٥] لكن هنا جعلها درجات للمؤمنين وللكافرين، فكيف؟
قالوا: هذا نوع من السخرية والاستهزاء بهم والتأنيب لهم، كما في قوله سبحانه: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الانشقاق: ٢٤].
ومعلوم أن العذاب لا يُبشَّر به، البشارة لا تكون إلا بشيء سارَ مفرح. إذن: هذا تهكُّم كما في ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ [الدخان: ٤٩] وهو في هذا الموقف مُهان مُعذَّب مُحتقر، أو: أنه يسميها (درجات) لإغاظتهم ليزدادوا تحسُّراً وألماً.
وقوله تعالى: وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَٰلَهُمْ.. [الأحقاف: ١٩] من الوفاء، وهو أنْ تعطي الجزاء كاملاً غير منقوص كما تقول: وفيت فلاناً دينه. يعني: أعطيتُه كاملاً وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [الأحقاف: ١٩] يعني: لا ينقصون من أجورهم شيئاً.
آية رقم ٢٠
التقدير هنا: واذكر يا محمد يوم يُعرض الذين كفروا على النار، فساعة ترى الظرف فابحث عن الحدث الذي فيه، لأن الزمن لا يُمدح ولا يُذمُّ لذاته، إنما بحسب الفعل الذي يحدث فيه.
والحدث هنا أنْ يُعرض الذين كفروا على النار، لكن مَنْ يُعرض على مَنْ؟ النار غير عاقل والكافرون عُقلاء، فالنار تُعرض عليهم كما تقول: عرضتُ القماش على المشتري، لكن يوم القيامة سيتبين لهم أن النار عاقلة وهم الذين سيُعرضون عليها.
واقرأ: يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ [ق: ٣٠] وثبت في الحديث الشريف أنها تشتاق لأهلها من الكافرين والعاصين وأنها ستتكلم وتنطق.
والحق سبحانه يخاطب ما شاء بما شاء. إذن: لا نفهم هذه الآية بقوانين البشر، لأن لله قوانين أخرى مع الأشياء، لذلك لو علّمها الله لأحد من خَلْقه لعلمها وتعامل بها، كما رأينا في قصة سيدنا سليمان عليه السلام فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ.. [الأنبياء: ٧٩].
فكان يفهم لغة الحيوان والطير، لذلك لما سمع النملة وفهم منها تبسَّم ضاحكاً من قولها، وشكر المنعم عليه بهذه النعمة.
ومنهم من قال: إن في الآية قلباً كما تقول: عرضتُ الحوض على الناقة، والواقع أنك تعرض الناقة على الحوض لتشرب منه.
وقوله تعالى: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا.. [الأحقاف: ٢٠] أى: يقال لهم هذا الكلام في الآخرة بعد أنْ تقوم الساعة. لكن هناك آية أخرى يظن البعض أنها تتعارض مع هذه.
وهي قوله تعالى: ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ [غافر: ٤٦] ففهموا منها أن العرض يكون في الدنيا لأنه عطف عليها بقوله: وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ.. [غافر: ٤٦].
لكن المتأمل في هذه الآية يجد أن هذا العرش ليس في الدنيا ولا في الآخرة، إنما في مرحلة البرزخ، كيف؟ لأن الغدو والعشي ناشىء من حركة الشمس ووجود الليل والنهار، والآخرة ليس فيها شيء من هذا.
فالآخرة ليس فيها شمس ولا قمر، ولا ليل ولا نهار يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ.. [إبراهيم: ٤٨] فنحن في الدنيا نعيش بالأسباب، أما في الآخرة فنعيش بالمسبِّب سبحانه الشمس تُنير لنا في الدنيا، أما الآخرة وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا.. [الزمر: ٦٩].
إذن: العرض هنا في البرزخ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ [غافر: ٤٦] فالعرض ليس في الآخرة بل الدخول، فالعرض في الأولى غير العرض في الثانية، وما يدريك أنهم قبل أنْ يدخلوا النار يُعرضون عليها، لأن الصراط مضروب على متن جهنم، فيُعرضون على النار قبل أنْ يدخلوها.
وقوله تعالى: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا.. [الأحقاف: ٢٠] هذه الآية حَلَّتْ لنا إشكالاً، حيث نرى أهل الكفر والإلحاد أكثر منا مالاً وزينة في الدنيا، والبعض يسأل عن المخترعين والمكتشفين من غير المسلمين الذين خدموا البشرية بعلومهم، هل لهم جزاء على ذلك؟
الجواب هنا أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا.. الأحقاف: ٢٠] ولم يبق لهم نصيب في الآخرة، فهذه سنة الله التي لا تتبدل، فالله تعالى أعطى الأسباب للمؤمنين وللكافرين.
فمَنْ أحسن في الأسباب لم يُحرم ثمرة إحسانه. حتى لو كان كافراً، ومَنْ قعد وتخاذل حُرم ولو كان مؤمناً، لأن هذا عطاء الربوبية.
والذين قدَّموا للبشرية هذا العطاء وخدموها هذه الخدمة، أكان في بالهم الله؟ أبداً كان في بالهم الحضارة والتقدم وخدمة التاريخ والإنسانية، وقد أخذوا منها جزاءهم سمعة وصيتاً وتخليداً لذكراهم، أقاموا لهم التماثيل وألَّفوا فيهم الكتب.
إذن: أخذوا أجورهم ممَّنْ عملوا لهم وانتهت المسألة.
لذلك يقول تعالى في وصف حال هؤلاء: وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ [النور: ٣٩].
فوجىء بإلهٍ يحاسبه لم يكُنْ في باله ساعة العمل، هذا حال الكافر، أما المؤمن فيعمل العمل في الدنيا وعَيْنه على الآخرة.
وسيدنا عمر بن عبد العزيز كان قبل الخلافة مشهوراً بأنه الفتى المدلَّل الذي يتقلب في النعيم ليل نهار، حتى إنه كان يلبس الحرير، وكان الخدم الذين يغسلون له ملابسه يأخذون من الناس رشوة ليغسلوا ملابسهم في الماء الذي غسل فيه ثياب عمر لكثرة ما بها من العطر والطيب.
فلما تولى الخلافة زهد في هذا النعيم وعاش حياة الزهد والتقشف، وارتدى الثياب الخشنة، فلما سألوه عن ذلك قال: والله لو شئتُ لكنتُ أطيبكم طعاماً وأحسنكم ثياباً، لكني أستبقي طيباتي للآخرة، وإن لي نفساً توَّاقة - يعني: عندهما طموح للأحسن - تاقتْ للإمارة، فلما نلْتها تاقتْ للخلافة، فلما نلتها تاقت للجنة.
لذلك رُويَ عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالتْ: كان يمرُّ الهلال ثم يمر الهلال، ثم يمر الهلال. يعني: ثلاثة أشهر ما يُوقد في بيت محمد نار. قيل: فما طعامكم؟ قالت: الأسودان الماء والتمر.
إلا أنه قد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جيران من الأنصار كانت لهم منائح، وكانوا يمنحون رسول الله صلى الله عليه وسلم من ألبانهم فيسقينا. إذن: كان بيت سيدنا رسول الله نموذجاً ومثالاً وأُسْوة للفقراء.
وقوله فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا.. [الأحقاف: ٢٠] بالله ساعة تفكر في معنى كلمة الدنيا، هل تجد لها وصفا أدنى وأقل من هذا؟ وساعة تسمع الدنيا لا بد أنْ تتذكر المقابل، وأن هناك حياة مقابلة تُوصف بأنها العليا، وهي التي فيها الجزاء.
فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ.. [الأحقاف: ٢٠] أي: يوم القيامة تُجزون على أعمالكم عذاب الهون. يعني: الهوان والذلة، لأنكم استكبرتم في الدنيا عن قبول الحق.
ومن الهُون هذه أُخذِتْ كلمة (الهون)، وهو الآلة التي ندقُّ فيها الأشياء في المطبخ، فهو آلة الطحن والدقّ وسحق المادة التي تُوضع فيه.
فكأن العذاب الذي سيلاقونه سيسحق كبرياءهم ويجعلهم أذلةَ مُهانين بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ.. [الأحقاف: ٢٠] يعني: بسبب استكباركم وتعاليكم عن قبول الحق فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ.. [الأحقاف: ٢٠] دل على أن هناك استكباراً بالحق، وهو أنْ تتكبَّر على المتكبر؛ لذلك قيل: الكبر على أهل الكبر صدقة.
لذلك كان سيدنا حمزة في الحرب يرتدي عصابةَ الموت، وهي عصابة حمراء ويرفع سيفه، ثم يسير بين الصفوف يتبختر مزْهُواً بنفسه، فنظر إليه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: هذه مِشْية يبغضها الله إلا في هذا الموقف، وقال: رحم الله امرءاً أبدى لهم من نفسه قوة.
ونفهم من آيات القرآن الكريم أن المؤمن مِنْ وصفه في القرآن أنه غير مطبوع على طبع واحد ولا قالب واحد، إنما الموقف الذي يعيشه هو الذي يملي عليه الطبع المناسب للموقف.
واقرأ: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ.. [الفتح: ٢٩] وقال: أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ.. [المائدة: ٥٤].
إذن: هو عزيز في موقف، وذليل في موقف آخر، شديد في موقف، ورحيم في موقف آخر، فهو يجمع بين المتناقضيْن لأن المقام مختلف.
وقوله: وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ [الأحقاف: ٢٠] إذن: هناك استكبار وهناك فسق، الاستكبار: التعالي عن قبول الحق، والفسق: من فسقَتْ الرُّطبة يعني: خرجت عن قشرتها.
والبلح له في استوائه أعمار، فلما يكتمل الحجم يبدأ اللون أحمر أو أصفر ثم يرطب وتكون له قشرة، فإذا كان في بيئة جافة جَمُدَ وجَفّ ولصقتْ القشرة في لحم البلحة، وهذا أجود أنواع التمر.
فمعنى الفسق هنا يعني الخروج عن وعاء الطاعة، ولما تتأمل الاستكبار والفسق تجد أنهما يجمعان بين عمل القلب وعمل الجوارح.
فالإنسان له قلبٌ وقالب، القلب محلُّ الأسرار والغيبيات، ومحل الإخلاص أو الرياء، ومحلُّ التواضع أو التعالي، فالاستكبار من أعمال القلب، قال تعالى: وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً.. [النمل: ١٤].
أما الفسق فهو الخروج عن الطاعة التي هي عمل الجوارح.
والحدث هنا أنْ يُعرض الذين كفروا على النار، لكن مَنْ يُعرض على مَنْ؟ النار غير عاقل والكافرون عُقلاء، فالنار تُعرض عليهم كما تقول: عرضتُ القماش على المشتري، لكن يوم القيامة سيتبين لهم أن النار عاقلة وهم الذين سيُعرضون عليها.
واقرأ: يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ [ق: ٣٠] وثبت في الحديث الشريف أنها تشتاق لأهلها من الكافرين والعاصين وأنها ستتكلم وتنطق.
والحق سبحانه يخاطب ما شاء بما شاء. إذن: لا نفهم هذه الآية بقوانين البشر، لأن لله قوانين أخرى مع الأشياء، لذلك لو علّمها الله لأحد من خَلْقه لعلمها وتعامل بها، كما رأينا في قصة سيدنا سليمان عليه السلام فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ.. [الأنبياء: ٧٩].
فكان يفهم لغة الحيوان والطير، لذلك لما سمع النملة وفهم منها تبسَّم ضاحكاً من قولها، وشكر المنعم عليه بهذه النعمة.
ومنهم من قال: إن في الآية قلباً كما تقول: عرضتُ الحوض على الناقة، والواقع أنك تعرض الناقة على الحوض لتشرب منه.
وقوله تعالى: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا.. [الأحقاف: ٢٠] أى: يقال لهم هذا الكلام في الآخرة بعد أنْ تقوم الساعة. لكن هناك آية أخرى يظن البعض أنها تتعارض مع هذه.
وهي قوله تعالى: ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ [غافر: ٤٦] ففهموا منها أن العرض يكون في الدنيا لأنه عطف عليها بقوله: وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ.. [غافر: ٤٦].
لكن المتأمل في هذه الآية يجد أن هذا العرش ليس في الدنيا ولا في الآخرة، إنما في مرحلة البرزخ، كيف؟ لأن الغدو والعشي ناشىء من حركة الشمس ووجود الليل والنهار، والآخرة ليس فيها شيء من هذا.
فالآخرة ليس فيها شمس ولا قمر، ولا ليل ولا نهار يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ.. [إبراهيم: ٤٨] فنحن في الدنيا نعيش بالأسباب، أما في الآخرة فنعيش بالمسبِّب سبحانه الشمس تُنير لنا في الدنيا، أما الآخرة وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا.. [الزمر: ٦٩].
إذن: العرض هنا في البرزخ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ [غافر: ٤٦] فالعرض ليس في الآخرة بل الدخول، فالعرض في الأولى غير العرض في الثانية، وما يدريك أنهم قبل أنْ يدخلوا النار يُعرضون عليها، لأن الصراط مضروب على متن جهنم، فيُعرضون على النار قبل أنْ يدخلوها.
وقوله تعالى: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا.. [الأحقاف: ٢٠] هذه الآية حَلَّتْ لنا إشكالاً، حيث نرى أهل الكفر والإلحاد أكثر منا مالاً وزينة في الدنيا، والبعض يسأل عن المخترعين والمكتشفين من غير المسلمين الذين خدموا البشرية بعلومهم، هل لهم جزاء على ذلك؟
الجواب هنا أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا.. الأحقاف: ٢٠] ولم يبق لهم نصيب في الآخرة، فهذه سنة الله التي لا تتبدل، فالله تعالى أعطى الأسباب للمؤمنين وللكافرين.
فمَنْ أحسن في الأسباب لم يُحرم ثمرة إحسانه. حتى لو كان كافراً، ومَنْ قعد وتخاذل حُرم ولو كان مؤمناً، لأن هذا عطاء الربوبية.
والذين قدَّموا للبشرية هذا العطاء وخدموها هذه الخدمة، أكان في بالهم الله؟ أبداً كان في بالهم الحضارة والتقدم وخدمة التاريخ والإنسانية، وقد أخذوا منها جزاءهم سمعة وصيتاً وتخليداً لذكراهم، أقاموا لهم التماثيل وألَّفوا فيهم الكتب.
إذن: أخذوا أجورهم ممَّنْ عملوا لهم وانتهت المسألة.
لذلك يقول تعالى في وصف حال هؤلاء: وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ [النور: ٣٩].
فوجىء بإلهٍ يحاسبه لم يكُنْ في باله ساعة العمل، هذا حال الكافر، أما المؤمن فيعمل العمل في الدنيا وعَيْنه على الآخرة.
وسيدنا عمر بن عبد العزيز كان قبل الخلافة مشهوراً بأنه الفتى المدلَّل الذي يتقلب في النعيم ليل نهار، حتى إنه كان يلبس الحرير، وكان الخدم الذين يغسلون له ملابسه يأخذون من الناس رشوة ليغسلوا ملابسهم في الماء الذي غسل فيه ثياب عمر لكثرة ما بها من العطر والطيب.
فلما تولى الخلافة زهد في هذا النعيم وعاش حياة الزهد والتقشف، وارتدى الثياب الخشنة، فلما سألوه عن ذلك قال: والله لو شئتُ لكنتُ أطيبكم طعاماً وأحسنكم ثياباً، لكني أستبقي طيباتي للآخرة، وإن لي نفساً توَّاقة - يعني: عندهما طموح للأحسن - تاقتْ للإمارة، فلما نلْتها تاقتْ للخلافة، فلما نلتها تاقت للجنة.
لذلك رُويَ عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالتْ: كان يمرُّ الهلال ثم يمر الهلال، ثم يمر الهلال. يعني: ثلاثة أشهر ما يُوقد في بيت محمد نار. قيل: فما طعامكم؟ قالت: الأسودان الماء والتمر.
إلا أنه قد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جيران من الأنصار كانت لهم منائح، وكانوا يمنحون رسول الله صلى الله عليه وسلم من ألبانهم فيسقينا. إذن: كان بيت سيدنا رسول الله نموذجاً ومثالاً وأُسْوة للفقراء.
وقوله فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا.. [الأحقاف: ٢٠] بالله ساعة تفكر في معنى كلمة الدنيا، هل تجد لها وصفا أدنى وأقل من هذا؟ وساعة تسمع الدنيا لا بد أنْ تتذكر المقابل، وأن هناك حياة مقابلة تُوصف بأنها العليا، وهي التي فيها الجزاء.
فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ.. [الأحقاف: ٢٠] أي: يوم القيامة تُجزون على أعمالكم عذاب الهون. يعني: الهوان والذلة، لأنكم استكبرتم في الدنيا عن قبول الحق.
ومن الهُون هذه أُخذِتْ كلمة (الهون)، وهو الآلة التي ندقُّ فيها الأشياء في المطبخ، فهو آلة الطحن والدقّ وسحق المادة التي تُوضع فيه.
فكأن العذاب الذي سيلاقونه سيسحق كبرياءهم ويجعلهم أذلةَ مُهانين بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ.. [الأحقاف: ٢٠] يعني: بسبب استكباركم وتعاليكم عن قبول الحق فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ.. [الأحقاف: ٢٠] دل على أن هناك استكباراً بالحق، وهو أنْ تتكبَّر على المتكبر؛ لذلك قيل: الكبر على أهل الكبر صدقة.
لذلك كان سيدنا حمزة في الحرب يرتدي عصابةَ الموت، وهي عصابة حمراء ويرفع سيفه، ثم يسير بين الصفوف يتبختر مزْهُواً بنفسه، فنظر إليه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: هذه مِشْية يبغضها الله إلا في هذا الموقف، وقال: رحم الله امرءاً أبدى لهم من نفسه قوة.
ونفهم من آيات القرآن الكريم أن المؤمن مِنْ وصفه في القرآن أنه غير مطبوع على طبع واحد ولا قالب واحد، إنما الموقف الذي يعيشه هو الذي يملي عليه الطبع المناسب للموقف.
واقرأ: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ.. [الفتح: ٢٩] وقال: أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ.. [المائدة: ٥٤].
إذن: هو عزيز في موقف، وذليل في موقف آخر، شديد في موقف، ورحيم في موقف آخر، فهو يجمع بين المتناقضيْن لأن المقام مختلف.
وقوله: وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ [الأحقاف: ٢٠] إذن: هناك استكبار وهناك فسق، الاستكبار: التعالي عن قبول الحق، والفسق: من فسقَتْ الرُّطبة يعني: خرجت عن قشرتها.
والبلح له في استوائه أعمار، فلما يكتمل الحجم يبدأ اللون أحمر أو أصفر ثم يرطب وتكون له قشرة، فإذا كان في بيئة جافة جَمُدَ وجَفّ ولصقتْ القشرة في لحم البلحة، وهذا أجود أنواع التمر.
فمعنى الفسق هنا يعني الخروج عن وعاء الطاعة، ولما تتأمل الاستكبار والفسق تجد أنهما يجمعان بين عمل القلب وعمل الجوارح.
فالإنسان له قلبٌ وقالب، القلب محلُّ الأسرار والغيبيات، ومحل الإخلاص أو الرياء، ومحلُّ التواضع أو التعالي، فالاستكبار من أعمال القلب، قال تعالى: وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً.. [النمل: ١٤].
أما الفسق فهو الخروج عن الطاعة التي هي عمل الجوارح.
آية رقم ٢١
قوله تعالى وَٱذْكُرْ.. [الأحقاف: ٢١] أي: اذكر يا محمد، كأن هذا الذكر جاء لتذكير رسول الله بمواقف إخوانه من الرسل في موكب الإيمان، يعني: انظر لمَنْ سبقك منهم ولما تحمّل في سبيل دعوته، فأنت لستَ بدعاً في الرسل.
نعم تحمَّلوا المشقة والأذى، لكن صدق اللهُ وعده بنُصْرتهم في النهاية، لذلك تلاحظ على أسلوب القرآن تعدُّد القصة الواحدة بتعدُّد الأحداث التي تمرُّ بالرسول، يقول تعالى: وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ.. [هود: ١٢٠].
فكلّما حدث لرسول الله أمر مع قومه يُذِّكره الله بموقف من مواقف الرسل السابقين ليُطمئنه وليُثبِّت فؤاده على الحق، وإذا كان كل رسول يتعرض للأذى على قدر مهمته فلا شكَّ أنك ستكون أشدَّ الرسل إيذاء لأنك الرسول الخاتم.
وقوله: أَخَا عَادٍ.. [الأحقاف: ٢١] المراد سيدنا هود وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً.. [الأعراف: ٦٥] كلمة أخ تُجمع على إخوة وإخوان، إخوة تعني أخوة النسب، كما جاء في قوله تعالى: وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ.. [يوسف: ٥٨].
إما إخوان فيُراد بها أخوة المنهج والدين والقيم كما في قوله تعالى: إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ [الحجر: ٤٧] فقوله: أَخَا عَادٍ.. [الأحقاف: ٢١] أخاهم في النسب، وعاد هي القبيلة أو الأمة التي أُرِسلَ فيها سيدنا هود عليه السلام.
والإضافة في أَخَا عَادٍ.. [الأحقاف: ٢١] تحنينٌ لهم وإثارة لمشاعر الرحمة والدم والواحد، فالذي جاءهم ليس غريباً عنهم، إنما هو أخ لهم، وإنْ جاءهم منهج مخالف لما هُمْ عليه وأراد أنْ يُخرجهم عمَّا ألِفُوه من الضلال والفساد، والأخ لا يغشّ أخاه سواء أكانتْ أخوتهم له للنسب، أم للدين والمنهج والقيم.
إذن: عليهم أنْ يستقبلوا دعوته بالحنان الذي تقتضيه الأخوة.
أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِٱلأَحْقَافِ.. [الأحقاف: ٢١] عاد كانت جماعة من العرب البائدة، وكانت تسكن الأحقاف في جنوب شبه الجزيرة العربية، والأحقاف جمع حقف: وهو الرمل المستطيل الذي يعلو وينخفض ويتحرك يميناً وشمالاً، وهنا وهنا.
والرمل لنعومته تُحركه الرياح والأعاصير بسهولة، حتى إن الهبَّة الواحدة من الإعصار في هذا المكان كانت تطمر قافلة وتغطيها في هذا الوادي، لذلك لم تظهر آثار قوم عاد حتى الآن لأنها مطمورةٌ على مسافات بعيدة تحت الرمال.
كذلك الآثار القديمة في كل مكان لا توجد إلا تحت الأرض في حفريات، لأن عوامل التعرية تطمرها. لذلك ترى الواحد منا إذا سافر مثلاً وترك بيته لعدة شهور مثلاً يعود فيجده مُغطى بطبقة من التراب، مع أنه مغلق بإحكام، فما بالك في الخلاء مع هبوب الرياح والأعاصير.
وفي سورة الفجر، الحق سبحانه يعطينا طرفاً من تاريخ هذه الأمم وما حَلَّ بها من العذاب: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ * ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ * وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ * ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ [الفجر: ٦-١٤].
ونحن حتى الآن لا نعرف أين ديارهم، ولا نعرف آثارهم إلا ما أخبرنا الله به، ذلك لأنها تحت مسافات في باطن الأرض.
وقوله تعالى: وَقَدْ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ.. [الأحقاف: ٢١] فهو ليس أول الرسل إليهم ولا هو آخرهم، فقد مضتْ الرسل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ.. [الأحقاف: ٢١] يعني: قبله وَمِنْ خَلْفِهِ.. [الأحقاف: ٢١] يعني: من بعده.
والنُّذر جمع نذير، وهو الذي يُخوّفك ويُحذِّرك من الشر قبل حلوله، وفائدة الإنذار أنه ينبهك من الخطر قبل أنْ تقعَ فيه فتتجنبه، ويجب أنْ يكون الإنذار قبل حدوث الشر بمدة كافية تمكِّنك من تدارك الأمر وتجنب الوقوع فيه.
وقوله: أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ.. [الأحقاف: ٢١] يعني: هذه القضية اتفق عليها جميع الرسل من قبل هود ومن بعده، فكل الديانات ما جاءتْ إلا لخدمة هذه القضية ودعوة الناس إليها.
والعبادة كما بينّا طاعة العابد لأوامر المعبود ونواهيه، وهذا المعنى ينقض ويبطل عبادة غير الله، فكلها آلهة باطلة وعبادتها باطلة لأنها آلهة بلا منهج وبلا أمر ولا نهي.
فالشمس، ماذا قالت لمَنْ عبدها؟ بمَ أمرته وعمّ نهَتْ؟ ماذا أعدتْ لمن عبدها من الجزاء؟ وماذا أعدّت لمَنْ كفر بها؟ فإنْ سألتَ لماذا عبدها الناس وعبدوا غيرها من الأشياء؟
نقول: لأن التدّين غريزة في الإنسان منذ خلقه الله ومنذ كان في عالم الذر، لكن التدين الحق له مطالب ومسئوليات تكبح جماح النفس وتُقيد شهواتها.
لذلك لجأ البعض إلى عبادة تُرضي عندهم غريزة التدين وتُعفيهم من مطالب الدين الحق، فراحوا إلى الآلهة الباطلة وعبدوها، لأنها لا تلزمهم بشيء ولا تكلفهم شيئاً، وتُطلق العنان لشهواتهم.
وقوله: إِنَّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الأحقاف: ٢١] هذا الخوف هو مقتضى الأخوة، فالأخ حريص على مصلحة أخيه، حريص على نجاته، لذلك قال تعالى في سيدنا رسول الله: لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ [التوبة: ١٢٨].
وهنا وصف يوم العذاب بأنه يوم عظيم، أنتم فب دنياكم تصفون بعض الأشياء بأنها عظيمة، وهذا العظمة في وجودكم المادي مردودة إلى الفناء مهما طال أجلها، كذلك كل نعيم في الدنيا يُنغِّصه على صاحبه أمران: أنْ يفوته النعيم، أو يفوت هو النعيم ويتركه بالموت. فوصف هذا اليوم بأنه عظيم لأنه دائم لا يزول، ولا يموت صاحبه فيستريح منه.
نعم تحمَّلوا المشقة والأذى، لكن صدق اللهُ وعده بنُصْرتهم في النهاية، لذلك تلاحظ على أسلوب القرآن تعدُّد القصة الواحدة بتعدُّد الأحداث التي تمرُّ بالرسول، يقول تعالى: وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ.. [هود: ١٢٠].
فكلّما حدث لرسول الله أمر مع قومه يُذِّكره الله بموقف من مواقف الرسل السابقين ليُطمئنه وليُثبِّت فؤاده على الحق، وإذا كان كل رسول يتعرض للأذى على قدر مهمته فلا شكَّ أنك ستكون أشدَّ الرسل إيذاء لأنك الرسول الخاتم.
وقوله: أَخَا عَادٍ.. [الأحقاف: ٢١] المراد سيدنا هود وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً.. [الأعراف: ٦٥] كلمة أخ تُجمع على إخوة وإخوان، إخوة تعني أخوة النسب، كما جاء في قوله تعالى: وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ.. [يوسف: ٥٨].
إما إخوان فيُراد بها أخوة المنهج والدين والقيم كما في قوله تعالى: إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ [الحجر: ٤٧] فقوله: أَخَا عَادٍ.. [الأحقاف: ٢١] أخاهم في النسب، وعاد هي القبيلة أو الأمة التي أُرِسلَ فيها سيدنا هود عليه السلام.
والإضافة في أَخَا عَادٍ.. [الأحقاف: ٢١] تحنينٌ لهم وإثارة لمشاعر الرحمة والدم والواحد، فالذي جاءهم ليس غريباً عنهم، إنما هو أخ لهم، وإنْ جاءهم منهج مخالف لما هُمْ عليه وأراد أنْ يُخرجهم عمَّا ألِفُوه من الضلال والفساد، والأخ لا يغشّ أخاه سواء أكانتْ أخوتهم له للنسب، أم للدين والمنهج والقيم.
إذن: عليهم أنْ يستقبلوا دعوته بالحنان الذي تقتضيه الأخوة.
أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِٱلأَحْقَافِ.. [الأحقاف: ٢١] عاد كانت جماعة من العرب البائدة، وكانت تسكن الأحقاف في جنوب شبه الجزيرة العربية، والأحقاف جمع حقف: وهو الرمل المستطيل الذي يعلو وينخفض ويتحرك يميناً وشمالاً، وهنا وهنا.
والرمل لنعومته تُحركه الرياح والأعاصير بسهولة، حتى إن الهبَّة الواحدة من الإعصار في هذا المكان كانت تطمر قافلة وتغطيها في هذا الوادي، لذلك لم تظهر آثار قوم عاد حتى الآن لأنها مطمورةٌ على مسافات بعيدة تحت الرمال.
كذلك الآثار القديمة في كل مكان لا توجد إلا تحت الأرض في حفريات، لأن عوامل التعرية تطمرها. لذلك ترى الواحد منا إذا سافر مثلاً وترك بيته لعدة شهور مثلاً يعود فيجده مُغطى بطبقة من التراب، مع أنه مغلق بإحكام، فما بالك في الخلاء مع هبوب الرياح والأعاصير.
وفي سورة الفجر، الحق سبحانه يعطينا طرفاً من تاريخ هذه الأمم وما حَلَّ بها من العذاب: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ * ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ * وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ * ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ [الفجر: ٦-١٤].
ونحن حتى الآن لا نعرف أين ديارهم، ولا نعرف آثارهم إلا ما أخبرنا الله به، ذلك لأنها تحت مسافات في باطن الأرض.
وقوله تعالى: وَقَدْ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ.. [الأحقاف: ٢١] فهو ليس أول الرسل إليهم ولا هو آخرهم، فقد مضتْ الرسل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ.. [الأحقاف: ٢١] يعني: قبله وَمِنْ خَلْفِهِ.. [الأحقاف: ٢١] يعني: من بعده.
والنُّذر جمع نذير، وهو الذي يُخوّفك ويُحذِّرك من الشر قبل حلوله، وفائدة الإنذار أنه ينبهك من الخطر قبل أنْ تقعَ فيه فتتجنبه، ويجب أنْ يكون الإنذار قبل حدوث الشر بمدة كافية تمكِّنك من تدارك الأمر وتجنب الوقوع فيه.
وقوله: أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ.. [الأحقاف: ٢١] يعني: هذه القضية اتفق عليها جميع الرسل من قبل هود ومن بعده، فكل الديانات ما جاءتْ إلا لخدمة هذه القضية ودعوة الناس إليها.
والعبادة كما بينّا طاعة العابد لأوامر المعبود ونواهيه، وهذا المعنى ينقض ويبطل عبادة غير الله، فكلها آلهة باطلة وعبادتها باطلة لأنها آلهة بلا منهج وبلا أمر ولا نهي.
فالشمس، ماذا قالت لمَنْ عبدها؟ بمَ أمرته وعمّ نهَتْ؟ ماذا أعدتْ لمن عبدها من الجزاء؟ وماذا أعدّت لمَنْ كفر بها؟ فإنْ سألتَ لماذا عبدها الناس وعبدوا غيرها من الأشياء؟
نقول: لأن التدّين غريزة في الإنسان منذ خلقه الله ومنذ كان في عالم الذر، لكن التدين الحق له مطالب ومسئوليات تكبح جماح النفس وتُقيد شهواتها.
لذلك لجأ البعض إلى عبادة تُرضي عندهم غريزة التدين وتُعفيهم من مطالب الدين الحق، فراحوا إلى الآلهة الباطلة وعبدوها، لأنها لا تلزمهم بشيء ولا تكلفهم شيئاً، وتُطلق العنان لشهواتهم.
وقوله: إِنَّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الأحقاف: ٢١] هذا الخوف هو مقتضى الأخوة، فالأخ حريص على مصلحة أخيه، حريص على نجاته، لذلك قال تعالى في سيدنا رسول الله: لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ [التوبة: ١٢٨].
وهنا وصف يوم العذاب بأنه يوم عظيم، أنتم فب دنياكم تصفون بعض الأشياء بأنها عظيمة، وهذا العظمة في وجودكم المادي مردودة إلى الفناء مهما طال أجلها، كذلك كل نعيم في الدنيا يُنغِّصه على صاحبه أمران: أنْ يفوته النعيم، أو يفوت هو النعيم ويتركه بالموت. فوصف هذا اليوم بأنه عظيم لأنه دائم لا يزول، ولا يموت صاحبه فيستريح منه.
آية رقم ٢٢
الكلام هنا عن قوم هود، فلما دعاهم إلى عبادة الله وحده قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا.. [الأحقاف: ٢٢] يعنى: تصرفنا عَنْ آلِهَتِنَا.. [الأحقاف: ٢٢] أي المدَّعاة. والإفك: قَلْب الشيء على وجهه، وصرف الحق إلى الباطل، والصدق إلى الكذب.
ومنه قوله تعالىِ: وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ [النجم: ٥٣] وهي القرى التي قلبها اللهُ رأساً على عَقِب فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ.. [الأحقاف: ٢٢] أي: من العذاب إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ [الأحقاف: ٢٢] والعذاب الذي يعدهم به لا يأتيهم في الحال إنما يوم القيامة لكنهم يستعجلونه.
لذلك خاطبهم بقوله: أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ الآنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ [يونس: ٥١]، وقال: يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ * ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ [الذاريات: ١٣-١٤].
فهم يستعجلون العذاب لأنهم لا يؤمنون به ويُكذِّبونه، ولو أنهم يؤمنون به ما استعجلوه.
ثم يرد عليهم بالجواب الطبيعى:
قَالَ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِندَ ٱللَّهِ... .
ومنه قوله تعالىِ: وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ [النجم: ٥٣] وهي القرى التي قلبها اللهُ رأساً على عَقِب فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ.. [الأحقاف: ٢٢] أي: من العذاب إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ [الأحقاف: ٢٢] والعذاب الذي يعدهم به لا يأتيهم في الحال إنما يوم القيامة لكنهم يستعجلونه.
لذلك خاطبهم بقوله: أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ الآنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ [يونس: ٥١]، وقال: يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ * ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ [الذاريات: ١٣-١٤].
فهم يستعجلون العذاب لأنهم لا يؤمنون به ويُكذِّبونه، ولو أنهم يؤمنون به ما استعجلوه.
ثم يرد عليهم بالجواب الطبيعى:
قَالَ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِندَ ٱللَّهِ... .
آية رقم ٢٣
أي: علم الساعة عند الله لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ.. [الأعراف: ١٨٧] وما أنا إلا رسول أُبلغكم ما أُرسلْتُ به من ربي وَلَـٰكِنِّيۤ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ [الأحقاف: ٢٣].
وهذه خلاصة الأمر أنكم تجهلون. يعني: عندكم جَهْل بالأمور، والجهل هو المشكلة الكبرى التي تقابل الرسل، البعض يفهم أن الجهلَ عدمُ العلم، لكن الجهل علمٌ يناقض الحق.
لذلك قلنا: إن الأميَّ الذي لا يعلم شيئاً وليستْ لديه قضية أهون من الجاهل، لأنه فارغ الذِّهْن فتلقي إليه بالمعلومة فيقبلها، أما الجاهل فعنده قضية مُناقضة للحق فيحتاج إلى إخراجها أولاً، فتكن دعوتُه للحقِّ أصعبَ.
وقوله: وَأُبَلِّغُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ.. [الأحقاف: ٢٣] أي: أنني ما جئتُ من تلقاء نفسي، إنما جيء بي لأدعوكم إلى الله فلا بدّ أنْ يُنسب الفعلُ إلى فاعله. أُرْسِلْتُ.. [الأحقاف: ٢٣] أي: من الله، كما قلنا في سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا.. [الإسراء: ١] فمحمد صلى الله عليه وسلم لم يقل سريتُ إنما قال: أُسْرِي بي.
وهذا يعني أنهم كذابون في قولهم أَجِئْتَنَا.. [الأحقاف: ٢٢] لأنه لم يأت من عند نفسه، إنما أرسله الله للبلاغ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ [العنكبوت: ١٨] فأنا مرسل فقط للبلاغ، ولا أعرف متى يأتي العذاب، إنما يعرفه الذي يقدر عليه.
وَلَـٰكِنِّيۤ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ [الأحقاف: ٢٣] أي: تجهلون أن الرسول جاء مُبلِّغاً، ولا علمَ عنده بحلول العذاب بمَنْ كذَّبه.
وهذه خلاصة الأمر أنكم تجهلون. يعني: عندكم جَهْل بالأمور، والجهل هو المشكلة الكبرى التي تقابل الرسل، البعض يفهم أن الجهلَ عدمُ العلم، لكن الجهل علمٌ يناقض الحق.
لذلك قلنا: إن الأميَّ الذي لا يعلم شيئاً وليستْ لديه قضية أهون من الجاهل، لأنه فارغ الذِّهْن فتلقي إليه بالمعلومة فيقبلها، أما الجاهل فعنده قضية مُناقضة للحق فيحتاج إلى إخراجها أولاً، فتكن دعوتُه للحقِّ أصعبَ.
وقوله: وَأُبَلِّغُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ.. [الأحقاف: ٢٣] أي: أنني ما جئتُ من تلقاء نفسي، إنما جيء بي لأدعوكم إلى الله فلا بدّ أنْ يُنسب الفعلُ إلى فاعله. أُرْسِلْتُ.. [الأحقاف: ٢٣] أي: من الله، كما قلنا في سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا.. [الإسراء: ١] فمحمد صلى الله عليه وسلم لم يقل سريتُ إنما قال: أُسْرِي بي.
وهذا يعني أنهم كذابون في قولهم أَجِئْتَنَا.. [الأحقاف: ٢٢] لأنه لم يأت من عند نفسه، إنما أرسله الله للبلاغ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ [العنكبوت: ١٨] فأنا مرسل فقط للبلاغ، ولا أعرف متى يأتي العذاب، إنما يعرفه الذي يقدر عليه.
وَلَـٰكِنِّيۤ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ [الأحقاف: ٢٣] أي: تجهلون أن الرسول جاء مُبلِّغاً، ولا علمَ عنده بحلول العذاب بمَنْ كذَّبه.
آية رقم ٢٤
يعني: بعد أن استعجلوا العذاب، وقالوا: فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ [الأحقاف: ٢٢] فجاءهم العذاب في صورة سحاب فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً.. [الأحقاف: ٢٤] يعني: سحاباً يعترض في جو السماء مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ.. [الأحقاف: ٢٤] مقبلاً عليهم قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا.. [الأحقاف: ٢٤] يعني: ظنوه سحاباً عادياً سيمطر على أوديتهم ويأتيهم بالخير.
إذن: الهاء في رَأَوْهُ.. [الأحقاف: ٢٤] تعود على السحاب، لأنه هو المعلوم في الكلام بدليل قولهم (ممطرنا) ولا يمطر إلا السحاب، فالقرينة دلّتْ على أنه السحاب.
وكثيراً ما يعتمد القرآن في أسلوبه على القرائن التي تبين مرجع الضمير اعتماداً على أن العقلَ يدرك بذاته المسألة.
اقرأ: وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ.. [فاطر: ٤٥] والمراد: ظهر الأرض مع أنها لم تُذكر في السياق، لكن هي التي تأتي في الذهن، ولا يُفهم من الكلام إلا هذا.
فالقاعدة أن الضمير لا بدَّ انْ يكون له مرجع، ولا يوجد ضمير غائب ليس له مرجع إلا شيء واحد هو إذا كان الضمير الغيبي للغيب المطلق وهو الحق سبحانه وتعالى، واستدلوا بقوله سبحانه: قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: ١] هو من؟ الله لأنها لا تنصرف إلا إليه سبحانه.
تقول: جاء زيد فأكرمته - أى زيداً، وجاءت فاطمة فأكرمتُها. الهاء تعود على فاطمة وهكذا، ومرجع الضمير يكون لذات الشيء كما لو قلت: جاءني رجل فأكرمته - أي: أكرمتُ الرجل، وقد يعود على غير ذات الشيء كما لو قلت: تصَّدقْتُ بدرهم ونصفه، فالهاء في نصفه لا تعود على الدرهم المذكور إنما على درهم مثله، أي على نصف درهم مثله.
لكن، لماذا ظنُّوا السحاب المعترض ممطراً؟ قالوا: لأنهم كانوا في جَذْب وقحط ينتظرون الماء، فرأوا سحاباً يعترض أفق السماء رأوه داكناً بطيئاً في سيره وهذه علامات السحاب الممطر، لأن أبطأ الدَّلاء فيضاً أملؤها، وأثقل السحب مشْياً أحفلها، فبُطء السحاب دلالة على أنه مُحمَّل بالماء وهم مُستشرفون للمطر، فظنوْه مطراً.
إذن: أعطاهم الأمل في نزول المطر، فكلُّ العلامات تدل عليه، وفجأة تقطع عنهم هذا الأمل، وبين بسْط النفس بالأمل وقمْعها بقطع الأمل نوعٌ من النكاية والحسرة، يُسمُّونه (يأس بعد طمع).
وهذا نوع من التعذيب في حَدِّ ذاته يستعمله مثلاً القائمون على التعذيب في السجن، فيمنعون الماء عن المسجون حتى يشتدَّ به العطش ويتوسَّل إليه ليشرب، فيأتيه العسكري بكوب ويُقرِّبه منه حتى يكون على شفتيه فيرميه على الأرض، وهذا إيلام وتعذيب، فليْته ما جاء بالماء أصلاً، لأن مجيء الماء أمامه بلاء فوق بلاء العطش.
كذلك الحال في هؤلاء، استشرفوا للمطر وقالوا: يخلّصنا مما نحن فيه من الجدب، فإذا به يُنزل عليهم العذاب بدلاً من الماء، إذا به العذاب الذي سبق لهم أنْ كذّبوا به واستعجلوه بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ.. [الأحقاف: ٢٤] أي: من العذاب جاء متمثلاً في صورة رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ [الأحقاف: ٢٤].
قلنا: إن كلمة الريح إذا جاءت هكذا مفردة دلَّتْ على أنها تحمل العذاب والشر. فقوله (ريح) أي: عذاب مُجمَل ثم يُفصِّله فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ [الأحقاف: ٢٤] أما إذا جمعتْ (رياح) فإنها تدل على الخير، كما في قوله تعالى: وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ.. [الجاثية: ٥] لأن تصريفها يسوق السحاب ويُجري السفن ويلقح الزهر.. إلخ.
لذلك ورد في الحديث الشريف في دعاء هبوب الريح: وسبق أنْ بيَّنا أن الرياحَ طاقةٌ وقوة تصلح وتنفع إذا جاءتْ من جميع الجهات، وتدمر إذا جاءتْ من جهة واحدة، وتفريغ الهواء الآن عِلْم له قواعدُ يستخدمونه في التدمير.
ثم إن الهواء نفسه مُقوِّم من مُقوِّمات الحياة وبدونه لا توجد حياة، لذلك جعله الله عاماً شائعاً في الكون لا يملكه أحد كما يملكون الطعام مثلاً، لأن مالك الهواء لو منعه عنك لحظة تموت، على خلاف الماء والطعام مثلاً.
ثم بعد ذلك يُفصِّل القول في كلمة فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ [الأحقاف: ٢٤] فيقول:
تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا... .
إذن: الهاء في رَأَوْهُ.. [الأحقاف: ٢٤] تعود على السحاب، لأنه هو المعلوم في الكلام بدليل قولهم (ممطرنا) ولا يمطر إلا السحاب، فالقرينة دلّتْ على أنه السحاب.
وكثيراً ما يعتمد القرآن في أسلوبه على القرائن التي تبين مرجع الضمير اعتماداً على أن العقلَ يدرك بذاته المسألة.
اقرأ: وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ.. [فاطر: ٤٥] والمراد: ظهر الأرض مع أنها لم تُذكر في السياق، لكن هي التي تأتي في الذهن، ولا يُفهم من الكلام إلا هذا.
فالقاعدة أن الضمير لا بدَّ انْ يكون له مرجع، ولا يوجد ضمير غائب ليس له مرجع إلا شيء واحد هو إذا كان الضمير الغيبي للغيب المطلق وهو الحق سبحانه وتعالى، واستدلوا بقوله سبحانه: قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: ١] هو من؟ الله لأنها لا تنصرف إلا إليه سبحانه.
تقول: جاء زيد فأكرمته - أى زيداً، وجاءت فاطمة فأكرمتُها. الهاء تعود على فاطمة وهكذا، ومرجع الضمير يكون لذات الشيء كما لو قلت: جاءني رجل فأكرمته - أي: أكرمتُ الرجل، وقد يعود على غير ذات الشيء كما لو قلت: تصَّدقْتُ بدرهم ونصفه، فالهاء في نصفه لا تعود على الدرهم المذكور إنما على درهم مثله، أي على نصف درهم مثله.
لكن، لماذا ظنُّوا السحاب المعترض ممطراً؟ قالوا: لأنهم كانوا في جَذْب وقحط ينتظرون الماء، فرأوا سحاباً يعترض أفق السماء رأوه داكناً بطيئاً في سيره وهذه علامات السحاب الممطر، لأن أبطأ الدَّلاء فيضاً أملؤها، وأثقل السحب مشْياً أحفلها، فبُطء السحاب دلالة على أنه مُحمَّل بالماء وهم مُستشرفون للمطر، فظنوْه مطراً.
إذن: أعطاهم الأمل في نزول المطر، فكلُّ العلامات تدل عليه، وفجأة تقطع عنهم هذا الأمل، وبين بسْط النفس بالأمل وقمْعها بقطع الأمل نوعٌ من النكاية والحسرة، يُسمُّونه (يأس بعد طمع).
وهذا نوع من التعذيب في حَدِّ ذاته يستعمله مثلاً القائمون على التعذيب في السجن، فيمنعون الماء عن المسجون حتى يشتدَّ به العطش ويتوسَّل إليه ليشرب، فيأتيه العسكري بكوب ويُقرِّبه منه حتى يكون على شفتيه فيرميه على الأرض، وهذا إيلام وتعذيب، فليْته ما جاء بالماء أصلاً، لأن مجيء الماء أمامه بلاء فوق بلاء العطش.
كذلك الحال في هؤلاء، استشرفوا للمطر وقالوا: يخلّصنا مما نحن فيه من الجدب، فإذا به يُنزل عليهم العذاب بدلاً من الماء، إذا به العذاب الذي سبق لهم أنْ كذّبوا به واستعجلوه بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ.. [الأحقاف: ٢٤] أي: من العذاب جاء متمثلاً في صورة رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ [الأحقاف: ٢٤].
قلنا: إن كلمة الريح إذا جاءت هكذا مفردة دلَّتْ على أنها تحمل العذاب والشر. فقوله (ريح) أي: عذاب مُجمَل ثم يُفصِّله فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ [الأحقاف: ٢٤] أما إذا جمعتْ (رياح) فإنها تدل على الخير، كما في قوله تعالى: وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ.. [الجاثية: ٥] لأن تصريفها يسوق السحاب ويُجري السفن ويلقح الزهر.. إلخ.
لذلك ورد في الحديث الشريف في دعاء هبوب الريح: وسبق أنْ بيَّنا أن الرياحَ طاقةٌ وقوة تصلح وتنفع إذا جاءتْ من جميع الجهات، وتدمر إذا جاءتْ من جهة واحدة، وتفريغ الهواء الآن عِلْم له قواعدُ يستخدمونه في التدمير.
ثم إن الهواء نفسه مُقوِّم من مُقوِّمات الحياة وبدونه لا توجد حياة، لذلك جعله الله عاماً شائعاً في الكون لا يملكه أحد كما يملكون الطعام مثلاً، لأن مالك الهواء لو منعه عنك لحظة تموت، على خلاف الماء والطعام مثلاً.
ثم بعد ذلك يُفصِّل القول في كلمة فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ [الأحقاف: ٢٤] فيقول:
تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا... .
آية رقم ٢٥
كلمة تُدَمِّرُ.. [الأحقاف: ٢٥] تهلك كُلَّ شَيْءٍ.. [الأحقاف: ٢٥] يعني: لا تُبقي لهم شيئاً بِأَمْرِ رَبِّهَا.. [الأحقاف: ٢٥] خالقها ومُجريها، فهي لا تُهلك بطبيعتها إنما بأمر الله لها، فبدل أنْ تأتيهم بالخير أتتهم بالشر، فتحتاج هنا إلى أمر زائد من الله بأنْ تتحول إلى الشر، وتُهلك بدل أنْ تعمِّر.
ولا يملك هذا الأمر إلا الله، ولا يُخرجها عن طبيعتها إلا خالقها سبحانه، كما أخرج النار عن طبيعتها في قصة سيدنا إبراهيم، فقال لها: يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء: ٦٩].
إذن: استجابتْ الريحُ لأمر ربها، وأهلكتهم هلاكاً لم يُبْق لهم شيئا من متاعهم إلا بقايا بيوتهم فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ.. [الأحقاف: ٢٥] ولماذا أبقتْ على مساكنهم؟
قالوا: لتكون عبرة لغيرهم، وأثراً من آثارهم الدَّالة عليهم وعلى نزول العذاب بهم، وإنْ كانت هذه القرى مطمورة تحت الأرض، لأنهم كما قلنا: كانوا في وادٍ من الرمال هو (الأحقاف)، وهذه الرمال هي التي طمرتهم.
قالوا: لما أراد اللهُ إهلاكهم وسلَّط عليهم الريح العاصف، فأوَّل مَنْ رأى العذاب امرأةٌ منهم، رأتْ بيتها يطير في الهواء مثل الطير.
ولما فاجأهم العذاب دخلوا البيوت يحتمون بها من شدة العواصف، فدخلتْ الريح وراءهم البيوت، ودخلت عليهم الرمال حتى دفنتهم فيها، ونفس الريح التي طمرتهم هي التي كشفتْ عنهم وأظهرتْ جيَفهم ليعتبر الناسُ بها ثم أُلقُوا في البحر.
كَذَلِكَ.. [الأحقاف: ٢٥] أي: بمثل هذا نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ [الأحقاف: ٢٥] فالجزاء ليس ظلماً ولا عدواناً، إنما جزاء من جنس العمل، فما استحقوا هذا العذاب إلا لأنهم مجرمون.
أما الذين آمنوا بسيدنا هود وصدَّقوا دعوته فقد حصَّنهم من العذاب بأنْ خَطَّ حول مساكنهم خطاً، وكأن لسانَ حاله يقول: يا ربّ هؤلاء هم المؤمنون بدعوتي، فنجِّهم واحرسهم فنجّاهم الله.
وقوله تعالى: كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ [الأحقاف: ٢٥] إنذار وتحذير لكفار قريش، يعني: يا كفار قريش خُذُوا عبرة ممَّنْ كذّب الرسل قبلكم، فهذا جزاء كلِّ كافر مخالف لمنهج الله مكذِّب لرسله، وهذه هي الصورة أمامكم.
ثم يُوجِّه الخطاب إليهم:
وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ... .
ولا يملك هذا الأمر إلا الله، ولا يُخرجها عن طبيعتها إلا خالقها سبحانه، كما أخرج النار عن طبيعتها في قصة سيدنا إبراهيم، فقال لها: يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء: ٦٩].
إذن: استجابتْ الريحُ لأمر ربها، وأهلكتهم هلاكاً لم يُبْق لهم شيئا من متاعهم إلا بقايا بيوتهم فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ.. [الأحقاف: ٢٥] ولماذا أبقتْ على مساكنهم؟
قالوا: لتكون عبرة لغيرهم، وأثراً من آثارهم الدَّالة عليهم وعلى نزول العذاب بهم، وإنْ كانت هذه القرى مطمورة تحت الأرض، لأنهم كما قلنا: كانوا في وادٍ من الرمال هو (الأحقاف)، وهذه الرمال هي التي طمرتهم.
قالوا: لما أراد اللهُ إهلاكهم وسلَّط عليهم الريح العاصف، فأوَّل مَنْ رأى العذاب امرأةٌ منهم، رأتْ بيتها يطير في الهواء مثل الطير.
ولما فاجأهم العذاب دخلوا البيوت يحتمون بها من شدة العواصف، فدخلتْ الريح وراءهم البيوت، ودخلت عليهم الرمال حتى دفنتهم فيها، ونفس الريح التي طمرتهم هي التي كشفتْ عنهم وأظهرتْ جيَفهم ليعتبر الناسُ بها ثم أُلقُوا في البحر.
كَذَلِكَ.. [الأحقاف: ٢٥] أي: بمثل هذا نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ [الأحقاف: ٢٥] فالجزاء ليس ظلماً ولا عدواناً، إنما جزاء من جنس العمل، فما استحقوا هذا العذاب إلا لأنهم مجرمون.
أما الذين آمنوا بسيدنا هود وصدَّقوا دعوته فقد حصَّنهم من العذاب بأنْ خَطَّ حول مساكنهم خطاً، وكأن لسانَ حاله يقول: يا ربّ هؤلاء هم المؤمنون بدعوتي، فنجِّهم واحرسهم فنجّاهم الله.
وقوله تعالى: كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ [الأحقاف: ٢٥] إنذار وتحذير لكفار قريش، يعني: يا كفار قريش خُذُوا عبرة ممَّنْ كذّب الرسل قبلكم، فهذا جزاء كلِّ كافر مخالف لمنهج الله مكذِّب لرسله، وهذه هي الصورة أمامكم.
ثم يُوجِّه الخطاب إليهم:
وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ... .
آية رقم ٢٦
هذا خطاب لقريش ولَفْتٌ لهم أن هؤلاء المعذّبين من قوم عاد كانوا أقوى منكم وأحسن أثاثاً ورئياً، وأكثر منكم أموالاً، وأثاروا الأرض وعمروها، ولهم حضارة من أعظم حضارات الدنيا. أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ * ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ [الفجر: ٦-٨].
ومع ذلك كان هذا مصيرهم فلم تُغنْ عنهم قوتهم، ولم تدفع عنهم الحضارة شيئاً من عذاب الله وأنتم لستُم أقوى منهم، فاحذروا ما وقعوا فيه من تكذيب الرسول، واحذروا أنْ يُصيبكم ما أصابهم.
فقوله تعالى: وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ.. [الأحقاف: ٢٦] يعني: مكنَّا قوم عاد. والتمكين يعني: أعطيناهم القوة والاستطاعة، وبسْطنا لهم في أسباب الدنيا حتى عملوا ما لم يعمله غيرهم من الأمم.
فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ.. [الأحقاف: ٢٦] إن هنا نافية كما في قوله تعالى: مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ.. [المجادلة: ٢] ما أمهاتهم إلا اللائي ولدْنَهم، وهنا مكنَّا لهم ما لم نُمكِّن لكم، وبسطنا لهم ما لم نبسط لكم من الأسباب.
ثم وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ.. [الأحقاف: ٢٦].
السمع والأبصار والأفئدة هي وسائل الإدراك الرئيسية في الإنسان، وقد وردتْ في كُلِّ مواضعها في القرآن بهذه الصيغة: السمع مفرد، والأبصار والأفئدة جمع.
وهذه من دقائق التعبير في القرآن، فالسمع لا تُجمع لأن الصوت يسمعه الجميع كأننا في السماع واحد، ترى مصدر الصوت أو لا تراه لكن تسمعه.
أما البصر فيختلف من شخص لآخر، فواحد يرى والآخر لا يرى، واحد نظره حَادّ، وآخر نظره كليل، وآخر أعور. إذن: الأبصار مختلفة، كذلك تختلف الأفئدة في استقبال الأشياء.
وقد ثبت في علم وظائف الأعضاء أن الأذن هي أول جهاز يعمل في الطفل بعد ولادته مباشرة، أما العين فترى بعد ثلاثة إلى عشرة أيام، ثم بعد ذلك تعمل الأفئدة.
إذن: هذا هو الترتيب الطبيعي لعمل الجوارح التي هي وسائل الإدراك، ولأهمية السمع جعله اللهُ أول هذه الجوارح عملاً، فهو أول ما يستقبل من مُدركات بعد الولادة، وهو الحاسَّة التي لا تنتهي مهمتها حتى في النوم.
فالعين مثلاً لا ترى أثناء النوم، أما الأذن فتسمع لأنها وسيلةُ الاستدعاء للنائم، فلا بدّ أنْ تكون مستعدة دائماً للتلقَّي والسماع.
وهذه المسألة رأيناها في قصة أهل الكهف في قوله تعالى: فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي ٱلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً [الكهف: ١١] لأن الكهف في صحراء يكثر بها الأصوات المزعجة ليلاً بالإضافة إلى أصوات الرعد والبرق والريح، فلو كانت الأذنُ على طبيعتها لأزعجتْهم هذه الأصواتُ، لكن ضرب الله عليها حتى لا تسمع.
ولأن السمع هو وسيلة التلقِّي واستقبال البلاغ عن الله جعلها الله سبحانه أول هذه المدارك عملاً، لذلك سَنَّ لنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنْ نُؤذِّن في أذن الطفل بمجرد أنْ يُولد.
ولو كانت الأذن لا تعمل في هذا الوقت كان التكليف عبثاً، فإذا قلت مثلاً: وهل يفهم الطفل هذا؟ نقول: نعم يفهم بما فيه من العهد الذي أُخذ على آدم ونحن في مرحلة الذر.
إذن: أول ما يجب أنْ يُعنى به الوالدان أنْ يُسمعا الطفل هذا النداء: الله أكبر الله أكبر من كل شيء آخر، وهذه هي الخميرة الإيمانية التي تدور حولها كل خمائر الإيمان.
ما زلتم تذكرون حديثنا عن قوله تعالى: وَٱلَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ.. [الأحقاف: ١٧] فماذ يشغل هذين الوالدين في هذه المرحلة من عمر الابن؟ لم ينشغلا بالقبول ثم الثانوية ثم الجامعة، أبداً إنما بالأمر الأحق والأهم، وهو مسألة الدين والعقيدة، فهذه أوْلى بالاهتمام في الصِّغَر حتى يشبّ عليها.
لذلك نستقبل المولود بألفاظ الأذان لنغرسها فيه وفي تكوينه وهو صافي الذهن نقي القلب، فترسخ عنده، وتتمكن منه ولا تفارقه، على حَدِّ قول القائل:
أتَانِي هَوَاهَا قَبْلَ أنْ أعرِفَ الهَوَى فَصَادفَ قَلْباً خَالياً فَتمكنَّا
قلنا: إن السمع مُقدّم على البصر، هذا في الدنيا، أما في الآخرة قالوا: أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا.. [السجدة: ١٢] فقدَّم البصر على السمع؛ لأنه حين تقوم القيامة يُفاجأ الإنسان بمنظر رهيب، فيرى قبل أن يسمع.
ثم يقول تعالى في وصف قوم عاد: فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ.. [الأحقاف: ٢٦] إذن: سمعوا وكأنهم ما سمعوا، وأبصروا وكأنهم ما أبصروا لم يستفيدوا من هذا، كما قال تعالى: وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْراً.. [الإسراء: ٤٦].
وبالتالي أصبحت أفئدتهم خالية، كما قال سبحانه: وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ [إبراهيم: ٤٣].
وقال: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ [الأعراف: ١٧٩].
لكن، ما العلاقة بين السمع والبصر والفؤاد أي القلب؟ ولماذا جمع بينهم؟ قالوا: لأن السمع يدرك المسموع، والبصر يدرك المرئي، ومن هذه الإدراكات يُكوِّن الإنسان الفكر ثم يعرضه على العقل ليختار منه ويفاضل بين مكوِّناته، فيأخذ الطبيب ويترك الخبيث، يأخذ الصواب ويترك الخطأ، يأخذ ما وافق الشرع ويترك ما خالفه.
فإذا استقر على أمر ألقاه إلى القلب ليثبت فيه، ويكون عقيدة راسخة لا تتزحزح، وإيمان لا يتذبذب ولا يطفو إلى العقل ليُناقش مرة أخرى، فالقلب إذن هو محلُّ العقائد.
لذلك قال عنه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأنه الوعاء الذي حمل سائل الحياة ويضخه لجميع أجزاء الجسم، وحين يمتلىء بالإيمان يضخ هذا الإيمان مع الدم إلى جميع أجزاء الجسم، فتأتي التصرفات والأفعال على وفق هذا الإيمان، وتؤدي كل حاسة مهمتها بدقة.
وهكذا تجد أن واهب الحياة لك لا يعطيك ما يُعوِّقك عنه، ولا ما يعطل عندك أداء منهجه. لذلك اقرأ: وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي ٱلْجَاهِلِينَ [القصص: ٥٥].
وقال: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱلْكَٰفِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً [النساء: ١٤٠].
إذن: إذا تمكَّن الإيمان من قلب العبد لا يصدر منه إلا ما يوافق مقتضيات الإيمان قولاً وعملاً، وانطبعت كُلُّ حركاته في الحياة بهذا الطابع. أما قوم عاد الذين نتحدث عنهم فلم ينتفعوا بما سمعوا من رسولهم، ولا بما رأوا من آيات الكون، ولم يذوقوا إذن طعم الإيمان بالله.
إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ.. [الأحقاف: ٢٦] وينكرونها وينصرفون عنها، ولو آمنوا لشرح اللهُ صدروهم، لكن ختم الله على قلوبهم، وعلى سمعهم، وعلى أبصارهم، لأنهم اختاروا الكفر وأحبُّوه فأعانهم الله عليه، لأنه رَبٌّ يعطي عبده ما يريد.
لذلك قلنا للمرأة التي تبالغ في الحزن على فَقْد عزيز عليها: أحذري من ذلك، واخرجي من دائرة الحزن ولا تألفيه، وانظري لا إلى ما أُخِذ بل إلى ما أبقى، وإلا أدام الله عليك الحزن وأخذ منك الباقي.
وهنا درس مهم، وهو إذا أصابك مكروه في شيء عزيز عليك فلا تنظر إلى ما أخذتْ المصيبة، لكن انظر فيما أبقتْ لك، حتى تهون وحتى لا تدخل من باب الجزع واليأس، وسوف تجد أن ما بقي أكثر، وأن مصيبتك أهون من غيرك.
لذلك حكيم الصين لما جاءه الناس يشكُون إليه متاعب الحياة وهمومها، قال لهم: فليكتب كلُّ واحد منكم همومه ومتاعبه في ورقة، ثم يلقي بها في هذا الصندوق وليأتني بعد أسبوع، وبعد أسبوع جاء الشاكون فقال للأول: مدّ يدك وخُذْ ورقة مما في الصندوق فأخذ ورقة.
ولما نظر فيها قال: لا أريد ورقتي، لماذا؟ لأنه وجد مصيبته أهون من مصيبة غيره. وقد ترجم العامة هذا المعنى فقالوا (اللي يشوف بلاوي الناس تهون عليه بلوته).
ويُرْوَى أن سيدنا عروة بن الزبير سافر إلى الخليفة الأموي في الشام، وفي الطريق جُرحت رجْله ولم يجد مَنْ يداويها حتى وصل إلى دمشق فوجدوها قد قاحتْ ولم يجدوا حلاً إلا قطعها، فبحثوا له عن مُرقِّد يعنى (بنج) قال: لا فأنا لا أحب أنْ أغفلَ عن ربي طرفة عين، لكن اتركوني حتى أدخل في الصلاة.
فلما دخل في صلاته قطعوا رِجْله فلم يشعر بها، ثم أخذوها وكفَّنوها فقال لهم: أعطوني إياها، فأمسك بها وقال: اللهم إنْ كنتَ قد ابتليتَ في عضو فقد عافيتَ في أعضاء.
نعم، وهل الذي يغيب في معيَّة الله يشعر بألم، ويجب أنْ نصدق بهذه الأخبار ولا نستبعدها، لأنه من أسرار الأذن أنك إذا أحكمتَ سدَّها لا تشعر بالألم، فإن حاولتَ وشعرت بشيء من الألم فاعلم أنك لم تُحِكم سدَّها تماماً.
ونداء الله أكبر هو الذي يُخرجك من عمل الدنيا ويُوقِفك بين يدي الله، وهو تكبيرة الإحرام للدخول في الصلاة، سبق أنْ بيَّنا أن معنى الله أكبر أن العمل والسعي يعتبر كبيراً، لكن الله أكبر، فلا يُستهان أبداً بعمل الدنيا والسَّعي فيها واستنباط خيراتها، فالدنيا أهم من أنْ تُنسى، ولكنها أحقر من أنْ تكون غاية.
والمتتبع لقصة قوم عاد يجد أنها وردتْ في عدة سُور، وردت هنا على وجه الإجمال والإيجاز، وجاء تفصيل هذه القصة في سورة هود.
وفي سورة الحاقة فصَّل لقطة العذاب التي جاءت هنا، فقال سبحانه: وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ [الحاقة: ٦-٨].
فالريح التي أهلكتهم ريح صرصر. يعني: شديدة لها صوتٌ مزعج تأيتهم من أعلى في سبع ليالٍ وثمانية أيام حسوماً، والحسوم جمع حاسم فهي حاسمة يعني: حسمتْ الموقف وأنهتْ المسألة، فلم تُبْق لهم على شيء.
فإنْ قلتَ: فلماذا قال: سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ.. [الحاقة: ٧] مع أن العادة في التشريع أن الليالي تسبق الأيام، والزمن يدخل بليله لا بنهاره، بدليل أننا في رمضان نثبت دخوله بليله، فقبل أنْ نصوم نصلي القيام.
لذلك جعلوها لغزاً فقهياً: ما السّنة التي تسبق الفرض؟ ويبدو أن العذاب نزل بهم في الصبح فاستقبل النهار وانتهى عند المغرب، وبذلك استمر سبع ليالٍ وثمانية أيام.
وقد وقف المستشرقون عند هذه الآية يعترضون على طريقة القرآن في تأنيث العدد مع المذكر، وتذكيره مع المؤنث سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ.. [الحاقة: ٧] وقالوا: متى يلبس الذُّكران قلائد النسوان؟ ومتى تبرز ربَّات الحجال في عمائم الرجال؟
والقاعدة في علم النحو أن تأتي الأعداد من الثلاثة إلى التسعة على خلاف المعدود من حيث التذكير والتأنيث، ولهذا علة، فالأصل في الكلمة التذكير تقول (كاتب)، أما المؤنث فيحتاج إلى علامة تميزه فوضعوا له تاء التأنيث نقول (كاتبة).
فالتأنيث فرع التذكير، لذلك احتاج إلى ما يُميزه، أما ألفاظ الأعداد من الثلاثة إلى التسعة فهي أصلاً موضوعة على التأنيث نقول: ثلاثة أربعة خمسة.
فلما جاء مع المذكر جاء على أصله، ومع المؤنث احتاج إلى علامة، فبدل أنْ يأتوا بعلامة أخرى قالوا بحذف العلامة الموجودة في المؤنث.
وهكذا أتى العدد مُخالفاً للمعدود في التذكير والتأنيث، فقال تعالى: سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ.. [الحاقة: ٧].
ثم إن اليوم عند الفلكيين يُحسب من الوقت إلى مثله من اليوم التالي، لذلك نراهم عند الساعة الواحدة بعد الظهر يقولون: الواحدة مساءً. ونحن ما نزال في وسط النهار، وكذلك في الواحدة بعد منتصف الليل يقولون: الواحدة صباحاً ونحن ما نزال في الليل. أما اليوم في التشريع، فمن طلوع الشمس إلى غروبها، والليل من غروب الشمس إلى طلوعها.
نلاحظ أن هذه السورة جاءت ببعض اللقطات من القصة، لكن لها تفصيل في سورة سُمِّيتْ باسمه، هي سورة (هود) تعرضتْ لكثير من اللقطات التي لم ترد هنا.
ففي هذه السورة ركز السياق على ثلاث لقطات أو مسائل، هي: الدعوة إلى عبادة الله وحده، ثم التحذير من عبادة غيره، لأنهم إنْ عبدوا غير الله عرَّضُوا أنفسهم للعقاب، وهو أخوهم وحريص على نجاتهم، ثم ردُّوا عليه أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ [الأحقاف: ٢٢].
أما سورة (هود) فقد زادتْ على ذلك لقطات أخرى، فقال تعالى هناك: وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ.. [هود: ٥٠] وهذه متفقة مع التي معنا، وقال هنا: أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الأعراف: ٥٩] وهناك قال: إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ [هود: ٥٠] والافتراء ينشأ عنه العذاب العظيم.
إذن: تكلَّم هنا عن المسبِّب وهناك عن السبب، فالعذاب العظيم سببه أنكم افتريتم على الله بأن اتخذتم له شركاء.
ثم ذكر زيادة أخرى في هود هي قوله تعالى: يٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِي فَطَرَنِيۤ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [هود: ٥١].
فكأن المسألة في العقل وبقانون المبادلات أنني أستحق أجراً على دعوتي لكم، لكن أنا لا أريد منكم أجراً فأنتم لا تقدرون عليه لأنه عظيم وفوق قدرتكم، لذلك لا أطلبه إلا من الله الذي أرسلني وانتدبني لهذا الأمر.
وقوله: ٱلَّذِي فَطَرَنِيۤ.. [هود: ٥١] أي: خلقني وأنشأني، ولم يقل الذي أرسلنى، فالمراد أنه تعالى خلقني لأكونَ رسولاً وأصلح لأنْ أحمل دعوته سبحانه، وأكون سفيراً له إلى خَلْقه.
حتى اسمه جاء موافقاً لهذه المهمة، فكلمة (هود) من هَادَ يعني: رجع وتاب وأناب إلى ربه، ومنه قوله تعالى: إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ.. [الأعراف: ١٥٦] يعني: تُبْنا ورجعنا إلى الله.
ثم في (هود) يأمرهم بالاستغفار والتوبة: وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ.. [هود: ٥٢] والاستغفار للذنب الذي مضى، أما التوبة فهي عدم الرجوع إلى الذنب مرة أخرى فهي للمستقبل، ثم يُبيِّن لهم ثمرة ذلك: يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ [هود: ٥٢] وهذه لم تأت في الأحقاف.
ومن التفاصيل التي وردت في (هود) ولم تأت هنا قولهم: إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوۤءٍ قَالَ إِنِّيۤ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوۤاْ أَنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ [هود: ٥٤].
وهنا نلاحظ أنه لم يرد الدعوى عن نفسه، إنما ردها عن الله فيتبرأ من هذا القول، ثم يقول لهم: إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [هود: ٥٦].
فيظهر في حديثه هنا ثقة المؤمن بربه، فيقول متحدياً لهم: افعلوا ما شئتم فما جئتكم من نفسي ولا أواجهكم بجاهي ولا قوتي ولا عزوتي، إنما أواجهكم بالله الذي أرسلني وعليه توكلتُ في دعوتي.
وهنا درس عقدي مهم إذا نزل بك بلاءٌ فلا تيأس ولا تغضب وعُدْ إلى رصيد الإيمان في نفسك، فإنْ توقفتْ قوانينك فقوانينُ الله لا تتوقف، وإنْ خذلتْكَ الأسبابُ فالمسبِّب موجود فارجع إليه.
وفي (هود) يعطينا لقطة لنجاة المؤمنين به لم تُذكر هنا وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ [هود: ٥٨] هذه آية كونية خرقتْ النواميس كلها وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا.. [هود: ٥٨] أي: بهلاكهم وبالعذاب الذي كانوا يستعجلونه نجيَّنا هوداً والذين آمنوا معه، بماذا؟
بِرَحْمَةٍ مِّنَّا.. [هود: ٥٨] فقط رحمة الله هي التي تداركتهم، لأن ما حدث كان ثورة طبيعية وغضبة للطبيعة على المخالفين لخالق هذه الطبيعة، الريح هي الريح عاصفة مدمرة مزعجة صرصر عاتية، ومع ذلك خالفتْ كُلَّ نواميس التكوين البيئي، فأهلكت هؤلاء وتركت هؤلاء.
ومع ذلك كان هذا مصيرهم فلم تُغنْ عنهم قوتهم، ولم تدفع عنهم الحضارة شيئاً من عذاب الله وأنتم لستُم أقوى منهم، فاحذروا ما وقعوا فيه من تكذيب الرسول، واحذروا أنْ يُصيبكم ما أصابهم.
فقوله تعالى: وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ.. [الأحقاف: ٢٦] يعني: مكنَّا قوم عاد. والتمكين يعني: أعطيناهم القوة والاستطاعة، وبسْطنا لهم في أسباب الدنيا حتى عملوا ما لم يعمله غيرهم من الأمم.
فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ.. [الأحقاف: ٢٦] إن هنا نافية كما في قوله تعالى: مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ.. [المجادلة: ٢] ما أمهاتهم إلا اللائي ولدْنَهم، وهنا مكنَّا لهم ما لم نُمكِّن لكم، وبسطنا لهم ما لم نبسط لكم من الأسباب.
ثم وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ.. [الأحقاف: ٢٦].
السمع والأبصار والأفئدة هي وسائل الإدراك الرئيسية في الإنسان، وقد وردتْ في كُلِّ مواضعها في القرآن بهذه الصيغة: السمع مفرد، والأبصار والأفئدة جمع.
وهذه من دقائق التعبير في القرآن، فالسمع لا تُجمع لأن الصوت يسمعه الجميع كأننا في السماع واحد، ترى مصدر الصوت أو لا تراه لكن تسمعه.
أما البصر فيختلف من شخص لآخر، فواحد يرى والآخر لا يرى، واحد نظره حَادّ، وآخر نظره كليل، وآخر أعور. إذن: الأبصار مختلفة، كذلك تختلف الأفئدة في استقبال الأشياء.
وقد ثبت في علم وظائف الأعضاء أن الأذن هي أول جهاز يعمل في الطفل بعد ولادته مباشرة، أما العين فترى بعد ثلاثة إلى عشرة أيام، ثم بعد ذلك تعمل الأفئدة.
إذن: هذا هو الترتيب الطبيعي لعمل الجوارح التي هي وسائل الإدراك، ولأهمية السمع جعله اللهُ أول هذه الجوارح عملاً، فهو أول ما يستقبل من مُدركات بعد الولادة، وهو الحاسَّة التي لا تنتهي مهمتها حتى في النوم.
فالعين مثلاً لا ترى أثناء النوم، أما الأذن فتسمع لأنها وسيلةُ الاستدعاء للنائم، فلا بدّ أنْ تكون مستعدة دائماً للتلقَّي والسماع.
وهذه المسألة رأيناها في قصة أهل الكهف في قوله تعالى: فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي ٱلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً [الكهف: ١١] لأن الكهف في صحراء يكثر بها الأصوات المزعجة ليلاً بالإضافة إلى أصوات الرعد والبرق والريح، فلو كانت الأذنُ على طبيعتها لأزعجتْهم هذه الأصواتُ، لكن ضرب الله عليها حتى لا تسمع.
ولأن السمع هو وسيلة التلقِّي واستقبال البلاغ عن الله جعلها الله سبحانه أول هذه المدارك عملاً، لذلك سَنَّ لنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنْ نُؤذِّن في أذن الطفل بمجرد أنْ يُولد.
ولو كانت الأذن لا تعمل في هذا الوقت كان التكليف عبثاً، فإذا قلت مثلاً: وهل يفهم الطفل هذا؟ نقول: نعم يفهم بما فيه من العهد الذي أُخذ على آدم ونحن في مرحلة الذر.
إذن: أول ما يجب أنْ يُعنى به الوالدان أنْ يُسمعا الطفل هذا النداء: الله أكبر الله أكبر من كل شيء آخر، وهذه هي الخميرة الإيمانية التي تدور حولها كل خمائر الإيمان.
ما زلتم تذكرون حديثنا عن قوله تعالى: وَٱلَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ.. [الأحقاف: ١٧] فماذ يشغل هذين الوالدين في هذه المرحلة من عمر الابن؟ لم ينشغلا بالقبول ثم الثانوية ثم الجامعة، أبداً إنما بالأمر الأحق والأهم، وهو مسألة الدين والعقيدة، فهذه أوْلى بالاهتمام في الصِّغَر حتى يشبّ عليها.
لذلك نستقبل المولود بألفاظ الأذان لنغرسها فيه وفي تكوينه وهو صافي الذهن نقي القلب، فترسخ عنده، وتتمكن منه ولا تفارقه، على حَدِّ قول القائل:
أتَانِي هَوَاهَا قَبْلَ أنْ أعرِفَ الهَوَى فَصَادفَ قَلْباً خَالياً فَتمكنَّا
قلنا: إن السمع مُقدّم على البصر، هذا في الدنيا، أما في الآخرة قالوا: أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا.. [السجدة: ١٢] فقدَّم البصر على السمع؛ لأنه حين تقوم القيامة يُفاجأ الإنسان بمنظر رهيب، فيرى قبل أن يسمع.
ثم يقول تعالى في وصف قوم عاد: فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ.. [الأحقاف: ٢٦] إذن: سمعوا وكأنهم ما سمعوا، وأبصروا وكأنهم ما أبصروا لم يستفيدوا من هذا، كما قال تعالى: وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْراً.. [الإسراء: ٤٦].
وبالتالي أصبحت أفئدتهم خالية، كما قال سبحانه: وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ [إبراهيم: ٤٣].
وقال: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ [الأعراف: ١٧٩].
لكن، ما العلاقة بين السمع والبصر والفؤاد أي القلب؟ ولماذا جمع بينهم؟ قالوا: لأن السمع يدرك المسموع، والبصر يدرك المرئي، ومن هذه الإدراكات يُكوِّن الإنسان الفكر ثم يعرضه على العقل ليختار منه ويفاضل بين مكوِّناته، فيأخذ الطبيب ويترك الخبيث، يأخذ الصواب ويترك الخطأ، يأخذ ما وافق الشرع ويترك ما خالفه.
فإذا استقر على أمر ألقاه إلى القلب ليثبت فيه، ويكون عقيدة راسخة لا تتزحزح، وإيمان لا يتذبذب ولا يطفو إلى العقل ليُناقش مرة أخرى، فالقلب إذن هو محلُّ العقائد.
لذلك قال عنه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأنه الوعاء الذي حمل سائل الحياة ويضخه لجميع أجزاء الجسم، وحين يمتلىء بالإيمان يضخ هذا الإيمان مع الدم إلى جميع أجزاء الجسم، فتأتي التصرفات والأفعال على وفق هذا الإيمان، وتؤدي كل حاسة مهمتها بدقة.
وهكذا تجد أن واهب الحياة لك لا يعطيك ما يُعوِّقك عنه، ولا ما يعطل عندك أداء منهجه. لذلك اقرأ: وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي ٱلْجَاهِلِينَ [القصص: ٥٥].
وقال: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱلْكَٰفِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً [النساء: ١٤٠].
إذن: إذا تمكَّن الإيمان من قلب العبد لا يصدر منه إلا ما يوافق مقتضيات الإيمان قولاً وعملاً، وانطبعت كُلُّ حركاته في الحياة بهذا الطابع. أما قوم عاد الذين نتحدث عنهم فلم ينتفعوا بما سمعوا من رسولهم، ولا بما رأوا من آيات الكون، ولم يذوقوا إذن طعم الإيمان بالله.
إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ.. [الأحقاف: ٢٦] وينكرونها وينصرفون عنها، ولو آمنوا لشرح اللهُ صدروهم، لكن ختم الله على قلوبهم، وعلى سمعهم، وعلى أبصارهم، لأنهم اختاروا الكفر وأحبُّوه فأعانهم الله عليه، لأنه رَبٌّ يعطي عبده ما يريد.
لذلك قلنا للمرأة التي تبالغ في الحزن على فَقْد عزيز عليها: أحذري من ذلك، واخرجي من دائرة الحزن ولا تألفيه، وانظري لا إلى ما أُخِذ بل إلى ما أبقى، وإلا أدام الله عليك الحزن وأخذ منك الباقي.
وهنا درس مهم، وهو إذا أصابك مكروه في شيء عزيز عليك فلا تنظر إلى ما أخذتْ المصيبة، لكن انظر فيما أبقتْ لك، حتى تهون وحتى لا تدخل من باب الجزع واليأس، وسوف تجد أن ما بقي أكثر، وأن مصيبتك أهون من غيرك.
لذلك حكيم الصين لما جاءه الناس يشكُون إليه متاعب الحياة وهمومها، قال لهم: فليكتب كلُّ واحد منكم همومه ومتاعبه في ورقة، ثم يلقي بها في هذا الصندوق وليأتني بعد أسبوع، وبعد أسبوع جاء الشاكون فقال للأول: مدّ يدك وخُذْ ورقة مما في الصندوق فأخذ ورقة.
ولما نظر فيها قال: لا أريد ورقتي، لماذا؟ لأنه وجد مصيبته أهون من مصيبة غيره. وقد ترجم العامة هذا المعنى فقالوا (اللي يشوف بلاوي الناس تهون عليه بلوته).
ويُرْوَى أن سيدنا عروة بن الزبير سافر إلى الخليفة الأموي في الشام، وفي الطريق جُرحت رجْله ولم يجد مَنْ يداويها حتى وصل إلى دمشق فوجدوها قد قاحتْ ولم يجدوا حلاً إلا قطعها، فبحثوا له عن مُرقِّد يعنى (بنج) قال: لا فأنا لا أحب أنْ أغفلَ عن ربي طرفة عين، لكن اتركوني حتى أدخل في الصلاة.
فلما دخل في صلاته قطعوا رِجْله فلم يشعر بها، ثم أخذوها وكفَّنوها فقال لهم: أعطوني إياها، فأمسك بها وقال: اللهم إنْ كنتَ قد ابتليتَ في عضو فقد عافيتَ في أعضاء.
نعم، وهل الذي يغيب في معيَّة الله يشعر بألم، ويجب أنْ نصدق بهذه الأخبار ولا نستبعدها، لأنه من أسرار الأذن أنك إذا أحكمتَ سدَّها لا تشعر بالألم، فإن حاولتَ وشعرت بشيء من الألم فاعلم أنك لم تُحِكم سدَّها تماماً.
ونداء الله أكبر هو الذي يُخرجك من عمل الدنيا ويُوقِفك بين يدي الله، وهو تكبيرة الإحرام للدخول في الصلاة، سبق أنْ بيَّنا أن معنى الله أكبر أن العمل والسعي يعتبر كبيراً، لكن الله أكبر، فلا يُستهان أبداً بعمل الدنيا والسَّعي فيها واستنباط خيراتها، فالدنيا أهم من أنْ تُنسى، ولكنها أحقر من أنْ تكون غاية.
والمتتبع لقصة قوم عاد يجد أنها وردتْ في عدة سُور، وردت هنا على وجه الإجمال والإيجاز، وجاء تفصيل هذه القصة في سورة هود.
وفي سورة الحاقة فصَّل لقطة العذاب التي جاءت هنا، فقال سبحانه: وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ [الحاقة: ٦-٨].
فالريح التي أهلكتهم ريح صرصر. يعني: شديدة لها صوتٌ مزعج تأيتهم من أعلى في سبع ليالٍ وثمانية أيام حسوماً، والحسوم جمع حاسم فهي حاسمة يعني: حسمتْ الموقف وأنهتْ المسألة، فلم تُبْق لهم على شيء.
فإنْ قلتَ: فلماذا قال: سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ.. [الحاقة: ٧] مع أن العادة في التشريع أن الليالي تسبق الأيام، والزمن يدخل بليله لا بنهاره، بدليل أننا في رمضان نثبت دخوله بليله، فقبل أنْ نصوم نصلي القيام.
لذلك جعلوها لغزاً فقهياً: ما السّنة التي تسبق الفرض؟ ويبدو أن العذاب نزل بهم في الصبح فاستقبل النهار وانتهى عند المغرب، وبذلك استمر سبع ليالٍ وثمانية أيام.
وقد وقف المستشرقون عند هذه الآية يعترضون على طريقة القرآن في تأنيث العدد مع المذكر، وتذكيره مع المؤنث سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ.. [الحاقة: ٧] وقالوا: متى يلبس الذُّكران قلائد النسوان؟ ومتى تبرز ربَّات الحجال في عمائم الرجال؟
والقاعدة في علم النحو أن تأتي الأعداد من الثلاثة إلى التسعة على خلاف المعدود من حيث التذكير والتأنيث، ولهذا علة، فالأصل في الكلمة التذكير تقول (كاتب)، أما المؤنث فيحتاج إلى علامة تميزه فوضعوا له تاء التأنيث نقول (كاتبة).
فالتأنيث فرع التذكير، لذلك احتاج إلى ما يُميزه، أما ألفاظ الأعداد من الثلاثة إلى التسعة فهي أصلاً موضوعة على التأنيث نقول: ثلاثة أربعة خمسة.
فلما جاء مع المذكر جاء على أصله، ومع المؤنث احتاج إلى علامة، فبدل أنْ يأتوا بعلامة أخرى قالوا بحذف العلامة الموجودة في المؤنث.
وهكذا أتى العدد مُخالفاً للمعدود في التذكير والتأنيث، فقال تعالى: سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ.. [الحاقة: ٧].
ثم إن اليوم عند الفلكيين يُحسب من الوقت إلى مثله من اليوم التالي، لذلك نراهم عند الساعة الواحدة بعد الظهر يقولون: الواحدة مساءً. ونحن ما نزال في وسط النهار، وكذلك في الواحدة بعد منتصف الليل يقولون: الواحدة صباحاً ونحن ما نزال في الليل. أما اليوم في التشريع، فمن طلوع الشمس إلى غروبها، والليل من غروب الشمس إلى طلوعها.
نلاحظ أن هذه السورة جاءت ببعض اللقطات من القصة، لكن لها تفصيل في سورة سُمِّيتْ باسمه، هي سورة (هود) تعرضتْ لكثير من اللقطات التي لم ترد هنا.
ففي هذه السورة ركز السياق على ثلاث لقطات أو مسائل، هي: الدعوة إلى عبادة الله وحده، ثم التحذير من عبادة غيره، لأنهم إنْ عبدوا غير الله عرَّضُوا أنفسهم للعقاب، وهو أخوهم وحريص على نجاتهم، ثم ردُّوا عليه أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ [الأحقاف: ٢٢].
أما سورة (هود) فقد زادتْ على ذلك لقطات أخرى، فقال تعالى هناك: وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ.. [هود: ٥٠] وهذه متفقة مع التي معنا، وقال هنا: أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الأعراف: ٥٩] وهناك قال: إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ [هود: ٥٠] والافتراء ينشأ عنه العذاب العظيم.
إذن: تكلَّم هنا عن المسبِّب وهناك عن السبب، فالعذاب العظيم سببه أنكم افتريتم على الله بأن اتخذتم له شركاء.
ثم ذكر زيادة أخرى في هود هي قوله تعالى: يٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِي فَطَرَنِيۤ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [هود: ٥١].
فكأن المسألة في العقل وبقانون المبادلات أنني أستحق أجراً على دعوتي لكم، لكن أنا لا أريد منكم أجراً فأنتم لا تقدرون عليه لأنه عظيم وفوق قدرتكم، لذلك لا أطلبه إلا من الله الذي أرسلني وانتدبني لهذا الأمر.
وقوله: ٱلَّذِي فَطَرَنِيۤ.. [هود: ٥١] أي: خلقني وأنشأني، ولم يقل الذي أرسلنى، فالمراد أنه تعالى خلقني لأكونَ رسولاً وأصلح لأنْ أحمل دعوته سبحانه، وأكون سفيراً له إلى خَلْقه.
حتى اسمه جاء موافقاً لهذه المهمة، فكلمة (هود) من هَادَ يعني: رجع وتاب وأناب إلى ربه، ومنه قوله تعالى: إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ.. [الأعراف: ١٥٦] يعني: تُبْنا ورجعنا إلى الله.
ثم في (هود) يأمرهم بالاستغفار والتوبة: وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ.. [هود: ٥٢] والاستغفار للذنب الذي مضى، أما التوبة فهي عدم الرجوع إلى الذنب مرة أخرى فهي للمستقبل، ثم يُبيِّن لهم ثمرة ذلك: يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ [هود: ٥٢] وهذه لم تأت في الأحقاف.
ومن التفاصيل التي وردت في (هود) ولم تأت هنا قولهم: إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوۤءٍ قَالَ إِنِّيۤ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوۤاْ أَنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ [هود: ٥٤].
وهنا نلاحظ أنه لم يرد الدعوى عن نفسه، إنما ردها عن الله فيتبرأ من هذا القول، ثم يقول لهم: إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [هود: ٥٦].
فيظهر في حديثه هنا ثقة المؤمن بربه، فيقول متحدياً لهم: افعلوا ما شئتم فما جئتكم من نفسي ولا أواجهكم بجاهي ولا قوتي ولا عزوتي، إنما أواجهكم بالله الذي أرسلني وعليه توكلتُ في دعوتي.
وهنا درس عقدي مهم إذا نزل بك بلاءٌ فلا تيأس ولا تغضب وعُدْ إلى رصيد الإيمان في نفسك، فإنْ توقفتْ قوانينك فقوانينُ الله لا تتوقف، وإنْ خذلتْكَ الأسبابُ فالمسبِّب موجود فارجع إليه.
وفي (هود) يعطينا لقطة لنجاة المؤمنين به لم تُذكر هنا وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ [هود: ٥٨] هذه آية كونية خرقتْ النواميس كلها وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا.. [هود: ٥٨] أي: بهلاكهم وبالعذاب الذي كانوا يستعجلونه نجيَّنا هوداً والذين آمنوا معه، بماذا؟
بِرَحْمَةٍ مِّنَّا.. [هود: ٥٨] فقط رحمة الله هي التي تداركتهم، لأن ما حدث كان ثورة طبيعية وغضبة للطبيعة على المخالفين لخالق هذه الطبيعة، الريح هي الريح عاصفة مدمرة مزعجة صرصر عاتية، ومع ذلك خالفتْ كُلَّ نواميس التكوين البيئي، فأهلكت هؤلاء وتركت هؤلاء.
آية رقم ٢٧
الخطاب هنا لقريش يريد أنْ يلفت أنظارهم إلى مصير الأمم المكذبة حولهم مَا حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلْقُرَىٰ.. [الأحقاف: ٢٧] يعني: حول مكة.
وقد خاطبهم في موضع آخر: وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وَبِٱلَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [الصافات: ١٣٧-١٣٨] نعم يمرون على مدائن صالح وعلى قوم نوح، وعلى الأحقاف على عاد وثمود، ويشاهدون آثارهم وما لحقهم من عقاب الله.
وفي موضع آخر قال سبحانه: أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ [الرعد: ٤١].
يعني: يا قريش تنبهوا ولا تغتروا بما لكم من سيادة على العرب وسيطرة على قبائل شبه الجزيرة، وأنَّ لكم منزلة في قلوب الناس، لأن قوة الإيمان التي تتغلغل في قلوب الناس سوف تسحب بساط السيادة من تحت أقدامكم.
وها أنتم ترون كل يوم زيادة أرض الإيمان وتراجع مساحة الكفر فخذوا عبرة من ذلك، وهذه المسألة هي سببُ إيمان خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وغيرهم من قادة وزعماء الكفر، حين رأوا أمر محمد في ازدياد فقالوا: لقد ظهر أمر محمد واستقام، وأصبحت له قوة لا يقف في وجهها أحد، وفعلاً آمنوا بدعوته.
وقوله سبحانه: وَصَرَّفْنَا ٱلآيَاتِ.. [الأحقاف: ٢٧] حولناها وقلَّبنا لهم البراهين كُلّ وجه وبأساليب مختلفة: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأحقاف: ٢٧] يعني: عن كبريائهم وغطرستهم وعنادهم، يرجعون عن كفرهم وجحودهم لنِعَم الله، فبعد أنْ أخذوا النعمة كفروا بالمنعم وجعلوا له شركاء.
لذلك قال في الآية بعدها:
فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ... [الأحقاف: ٢٨].
وقد خاطبهم في موضع آخر: وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وَبِٱلَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [الصافات: ١٣٧-١٣٨] نعم يمرون على مدائن صالح وعلى قوم نوح، وعلى الأحقاف على عاد وثمود، ويشاهدون آثارهم وما لحقهم من عقاب الله.
وفي موضع آخر قال سبحانه: أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ [الرعد: ٤١].
يعني: يا قريش تنبهوا ولا تغتروا بما لكم من سيادة على العرب وسيطرة على قبائل شبه الجزيرة، وأنَّ لكم منزلة في قلوب الناس، لأن قوة الإيمان التي تتغلغل في قلوب الناس سوف تسحب بساط السيادة من تحت أقدامكم.
وها أنتم ترون كل يوم زيادة أرض الإيمان وتراجع مساحة الكفر فخذوا عبرة من ذلك، وهذه المسألة هي سببُ إيمان خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وغيرهم من قادة وزعماء الكفر، حين رأوا أمر محمد في ازدياد فقالوا: لقد ظهر أمر محمد واستقام، وأصبحت له قوة لا يقف في وجهها أحد، وفعلاً آمنوا بدعوته.
وقوله سبحانه: وَصَرَّفْنَا ٱلآيَاتِ.. [الأحقاف: ٢٧] حولناها وقلَّبنا لهم البراهين كُلّ وجه وبأساليب مختلفة: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأحقاف: ٢٧] يعني: عن كبريائهم وغطرستهم وعنادهم، يرجعون عن كفرهم وجحودهم لنِعَم الله، فبعد أنْ أخذوا النعمة كفروا بالمنعم وجعلوا له شركاء.
لذلك قال في الآية بعدها:
فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ... [الأحقاف: ٢٨].
آية رقم ٢٨
يعني: هذه الآلهة التي اتخذوها من دون الله فَلَوْلاَ.. [الأحقاف: ٢٨] يعني: هلا، وهي تفيد الحضّ، وفي المعنى تهكّم بهم أي: هلاّ نصروهم ووقفوا إلى جوارهم في مصائبهم، ومعنى قُرْبَاناً.. [الأحقاف: ٢٨] يعني: تقربهم إلى الله، وهذا كله لم يحدث لماذا؟ لأنها آلهة باطلة مُدَّعاة، لا تضر ولا تنفع.
بل هي من صُنْع أيديهم، وباشروا صناعتها بأنفسهم فأقاموا الحجر وجعلوا له ذراعين ورِجْليْن وأنف وأذن، وإذا وقع رفعوه، وإذا كُسِر ذراعه أصلحوه، بالله هل هذه عقول؟
وقولهم قُرْبَاناً.. [الأحقاف: ٢٨] كما قالوا في موضع آخر: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ.. [الزمر: ٣].
وعجيبٌ منهم هذا الكلام وهم أمة الفصاحة والبيان، ويعلمون جيداً معنى العبادة، فلو قالوا ما نحترمهم إلا ليُقرِّبونا إلى الله لكانَ معقولاً، لكن نَعْبُدُهُمْ.. [الزمر: ٣] وأنتم تعرفون أن العبادة طاعة أمر المعبود في أمره ونهيه، وهل للآلهة هذه أوامر أو نوَاهٍ؟
لذلك يردُّ اللهُ عليهم بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ.. [الأحقاف: ٢٨] يعني: تاهوا وغابوا عنهم، من قولنا: ضلّ فلان الطريق، ومنه قوله تعالى: وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ.. [الإسراء: ٦٧] لماذا؟ لأن المسألة هلاك.
والإنسان لا يخدع نفسه، ففي وقت الشدة يترك الآلهة المدعاة، ويلجأ إلى الإله الحق الذي يملك النفع ويملك الضر، ففي هذا الموقف لا يقول أبداً: يا هُبل، لأنه يعلم أن (هبل) لن ينقذه لكن يقول: يا الله.
وَذَلِكَ.. [الأحقاف: ٢٨] إشارة إلى اتخاذهم آلهةً من دون الله إِفْكُهُمْ.. [الأحقاف: ٢٨] الإفك هو الكذب المتعمَّد، وهو أشد أنواع الكذب وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ [الأحقاف: ٢٨] يختلقون من الكذب من قولهم أن هذه آلهة، فكأن المعنى العام للآية: أن عدم النصرة نتيجة الإفك والافتراء على الله باتخاذ آلهة من دونه.
بل هي من صُنْع أيديهم، وباشروا صناعتها بأنفسهم فأقاموا الحجر وجعلوا له ذراعين ورِجْليْن وأنف وأذن، وإذا وقع رفعوه، وإذا كُسِر ذراعه أصلحوه، بالله هل هذه عقول؟
وقولهم قُرْبَاناً.. [الأحقاف: ٢٨] كما قالوا في موضع آخر: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ.. [الزمر: ٣].
وعجيبٌ منهم هذا الكلام وهم أمة الفصاحة والبيان، ويعلمون جيداً معنى العبادة، فلو قالوا ما نحترمهم إلا ليُقرِّبونا إلى الله لكانَ معقولاً، لكن نَعْبُدُهُمْ.. [الزمر: ٣] وأنتم تعرفون أن العبادة طاعة أمر المعبود في أمره ونهيه، وهل للآلهة هذه أوامر أو نوَاهٍ؟
لذلك يردُّ اللهُ عليهم بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ.. [الأحقاف: ٢٨] يعني: تاهوا وغابوا عنهم، من قولنا: ضلّ فلان الطريق، ومنه قوله تعالى: وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ.. [الإسراء: ٦٧] لماذا؟ لأن المسألة هلاك.
والإنسان لا يخدع نفسه، ففي وقت الشدة يترك الآلهة المدعاة، ويلجأ إلى الإله الحق الذي يملك النفع ويملك الضر، ففي هذا الموقف لا يقول أبداً: يا هُبل، لأنه يعلم أن (هبل) لن ينقذه لكن يقول: يا الله.
وَذَلِكَ.. [الأحقاف: ٢٨] إشارة إلى اتخاذهم آلهةً من دون الله إِفْكُهُمْ.. [الأحقاف: ٢٨] الإفك هو الكذب المتعمَّد، وهو أشد أنواع الكذب وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ [الأحقاف: ٢٨] يختلقون من الكذب من قولهم أن هذه آلهة، فكأن المعنى العام للآية: أن عدم النصرة نتيجة الإفك والافتراء على الله باتخاذ آلهة من دونه.
آية رقم ٢٩
ينتقل السياق بنا إلى مجال آخر من مجالات الدعوة، فبعد أنْ حدَّثنا عن موقف الإنس وما كان منهم من تصديق لرسول الله أو تكذيب يُحدِّثنا عن الجن، وهم الجنس المقابل للإنس في الدعوة.
حيث أُرسل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الثقلين الإنس والجن، إذن: الجن جنس مكلّف مثلنا، لكنه غيب عنا فلا نراه إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ.. [الأعراف: ٢٧].
والجن له خِفَّة في الحركة وتغلغل في الأشياء لطبيعته النارية، لذلك لو أشعلت النار خلف هذا الجدار بعد لحظات تُحس بها هنا. إذن: صدِّق أنه من نار، وأنه يتغلغل خلال الأشياء، وأن له طبيعة غير طبيعة الآدمي.
الحق سبحانه يريد أنْ يُبيِّن لنا أن الجن وإنْ كان غائباً عنَّا إلا أنه مثلنا في التكليف وأنه مثلنا مُخاطب بالقرآن، ومنه المؤمن والكافر والطائع والعاصي.
ونحن نعلم قصة الصراع بين الجن والإنسان، منذ خلق آدم عليه السلام وأمر إبليس بالسجود له فأبى واستكبر، وكانت حجته أنه خُلِق من نار، وآدم خُلِق من طين، فكيف يسجد له وهو أفضل منه على حَدِّ قوله: خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ [الاعراف: ١٢].
صحيح أن آدم هو أيضاً وقع في المعصية، لكن فرْقٌ كبير بين معصية آدم ومعصية إبليس، آدم عصى ربه حين أكل من الشجرة التي نهاه الله عن الأكل منها، عصى عن غفلة وتغلب النفس ووسوسة الشيطان.
ثم لما عرف معصيته اعترف بها وتاب عنها واعترف بأنه أخطأ في حَقِّ ربه وظلم نفسه قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ [الأعراف: ٢٣] وقال في البقرة: فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ [البقرة: ٣٧].
إذن: قُبلت توبة آدم لأنه لم يرد حكم الله، أما إبليس فردّ الحكم ولم يخضع له فطُرد من رحمة الله وأُبْعد، وفرْق بين أنْ تعصي الحكم وأنت معترف به، مُصدِّق بأنه من الله، وبين أنْ ترده.
لذلك نقول هذا الكلام لمن يجادل مثلاً في مسائل من الدين الحكم فيها واضح، كالربا مثلاً أو إطلاق اللحية فيقول: التعامل بالربا الآن حلال، نقول لهذا: أنت بهذا القول ترد حكم الله في الربا، والأسلم لك أن تقول أنه حرام لكن ظروفي تجبرني عليه مثلاً.
ثم لك أنْ تقتدي بأبيك آدم فتتوب، تستغفر لعل الله يغفر لك، بدل أنْ تعاند ربك في حكمه، وهذه لا تقدر عليها، وتذكَّر قول الشيطان وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ.. [النساء: ١١٩].
فاحذر هذه المسألة، وأنت تعلم أن إبليس كان في يوم من الأيام (طاووس الملائكة) فلما عاند واستكبر وردَّ حكم الله جعله ملعوناً مطروداً من رحمة الله.
ولنا ملحظ هام في أمر الله لآدم بعدم الأكل من الشجرة وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ.. [البقرة: ٣٥] فالنهي عن مجرد قربها، وهكذا كل أمر في ما حرَّمه الله تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا.. [البقرة: ١٨٧].
أما ما أحلَّ الله لك فقال فيه: تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا.. [البقرة: ٢٢٩] يعني: لا تتعدوا ما أحلَّ الله، أما الحرام فلا تقربوه لأن مَنْ حام حول الحِمَى يوشك أنْ يقع فيه.
وذرية إبليس تسير على نهجه في إغواء بني آدم، ونحن لا نراهم كما لا نرى الملائكة، مع الفارق بينهما، فالملائكة من نور، والشياطين من نار.
وهنا ينقل الحديث في شأن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم من الإنس إلى الجن، والإخبار بأن الجن مُكلف، وبأنه يستمع القرآن لم يأتِ به محمد صلى الله عليه وسلم من عند نفسه، إنما يحكي لنا ما أخبره الله به من أن الجن يستمعون القرآن.
فقال في سورة الجن: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوۤاْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ.. [الجن: ١-٢].
وكأن الحق سبحانه يقول لنبيه محمد: أنا لم أبعثك لتذهب إلى الجن وتخاطبهم لأنك لا تراهم، لذلك صرفتهم إليك، وأتيتُ بهم إليك ليستمعوا القرآن وأنت لا تشعر بهم، ولولا إخباري لك بذلك ما كنت تعلمه.
وهنا يقول: وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ.. [الأحقاف: ٢٩] فأنت تقرأ وهم حولك يستمعون.
وقولهم في سورة الجن يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ.. [الجن: ٢] وهنا قالوا: كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ.. [الأحقاف: ٣٠] دلّ على أن للجن صلة بالأنبياء السابقين، وأنهم مكلفون مثلنا.
وفي سورة الرحمن: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلاَنِ [الرحمن: ٣١] يعني: نفرغ لحسابكم، فبعد أنْ تركناكم على راحتكم تفعلون ما تريدون، لا تظنوا أن هذه غفلة منا عنكم، إنما أمهلناكم لنؤكد أمر الاختيار الذي خلقناه فيكم ومنحناكم إيَاه.
فالثقلان: الجن والإنس سواء في الحساب، كما هم سواء في التكليف.
روُي عن سيدنا أنس رضي الله عنه أنه قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جبل من جبال مكة، فإذا رجل عجوز يُقبل علينا معه عكاز يتكىء عليه، فلما رآه رسول الله عرفه. وقال: كأنها مِشْية جِنِّي ونظمته، فقال الرجل: نعم أنا من الجن، فقال له رسول الله: من أنت؟ قال: أنا هامة بن هيم بن لاقيس بن إبليس، فقال له: بينك وبين أبيك إبليس أبوان اثنان؟ قال: نعم، ولقد أدركتُ من الزمن أكثره وبقى أقلُّه، ولقد شاهدتُ قابيل وهو يقتل هابيل.
فهذه الرواية دليلٌ على طول أعمارهم، وأنهم يتشكلون بأشكال مختلفة، كما يتشكل الملَك، فنحن لا نرى الملَك على حقيقته، ولا نرى الجني على حقيقته، إلا إذا تشكَّل في صورة إنسي.
وأنتم تعرفون حديث جبريل الطويللذلك رأينا بعض أعداء الدعوة المحمدية يثيرون حولها بعض الإشكالات، ومنها قولهم أنْ يكون الرسول ملكاً وهذا إشكال مردود، فلو جاء الرسول ملَكاً لجاءهم في صورة رجل، وإلا كيف يُبلِّغهم وكيف يكون التلقي عنه؟
إذن: سيظل الإشكال قائما، ثم إن المَلك لا تصح الأسوة به، لأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فكيف يكون أُسوةً لمَنْ في طبيعته الخطأ والغفلة والنسيان؟
إذن: شرط في النبي الرسول أنْ يكون من جنس مَنْ أُرسل إليهم لتقوم به الأُسوة.
والحق سبحانه أعطانا صورة تفصيلية لحال الجن، وأن منهم المؤمن والكافر، فقال حكايةً عنهم: وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً * وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً [الجن: ١٤-١٥].
لذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: ، فلك الحمد، يكررونها بتكرار الآية.
واسمعهم يقولون: وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا.. [الجن: ٣] يعني: تعالتْ عظمته، ولهذه العظمة مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً [الجن: ٣] إذن: الجن يعلمون قضايا الإيمان وقضايا التوحيد، وربما كانوا أدقَّ منا في التعبير عنها، ويكفي أنهم حكموا على إبليس بالسَّفَه، فقالوا: وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى ٱللَّهِ شَطَطاً [الجن: ٤].
نعود إلى ما كنا بصدده من قوله تعالى: وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ.. [الأحقاف: ٢٩] النفر: هم الجماعة من الثلاثة إلى الأربعين، صرفناهم إليك يعني: أتينا بهم إليك بدل أنْ تذهبَ أنتَ إليهم.
فَلَمَّا حَضَرُوهُ.. [الأحقاف: ٢٩] حضروا القراءة قَالُوۤاْ أَنصِتُواْ.. [الأحقاف: ٢٩] استمعوا باهتمام وتدبُّر يعني: وصَّى بعضهم بعضاً بالإنصات فَلَمَّا قُضِيَ.. [الأحقاف: ٢٩] انتهتْ القراءة وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ [الأحقاف: ٢٩] ذهبوا إلى قومهم ينذروهم ويُبلِّغونهم ما سمعوه.
قَالُواْ يٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ.. [الأحقاف: ٣٠] أي: القرآن، وقولهم مِن بَعْدِ مُوسَىٰ.. [الأحقاف: ٣٠] يدل على أنهم كانوا على صلة بالرسل السابقين، وأنهم كانوا مؤمنين بسيدنا موسى يعني: كانوا من اليهود.
وذكروا موسى دون عيسى - عليهما السلام - لأن كتاب موسى هو المنهج الذي ينظم حركة الحياة وفيه شرائع وأحكام، أما كتاب عيسى فكان مجرد وجدانيات ووصايا، لذلك تنبهوا لهذه المسألة وجمعوا بين الإنجيل والتوراة في كتاب واحد مع وجود عصبية بينهما، وأسمَوْهُ الكتاب المقدس.
ومعنى مُصَدِّقاً.. [الأحقاف: ٣٠] أي: القرآن مُصدِّق لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ.. [الأحقاف: ٣٠] لما قبله من الكتب السماوية، وما دام مُصدِّقاً لها إذن جاء بما جاءتْ به ولكن يزيد عليها أنه يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ [الأحقاف: ٣٠] بما يناسب عالمية التدين.
فكلّ رسول قبل محمد كان يأتي ليعالج أمراض مجتمعه في زمن محدود ومكان محدود، وقد يتعاصر الرسولان، كما رأينا في سيدنا إبراهيم، عاصره سيدنا لوط، وسيدنا موسى عاصر سيدنا شعيب.
فالعالم في هذا الوقت كان في انعزال ووحدة، لم يكُنْ هناك الالتقاء الموجود الآن، والذي يجعل العالم كله كقرية صغيرة، فهذه الحياة المنعزلة تجعل كلَّ مجتمع لا يدري بغيره.
لذلك كان لهم مفاسد خاصة تحتاج كلٌّ منها إلى رسول ليُصلحها ويأخذ بأيدي قومه إلى الله، فقوم عبدوا الأصنام من دون الله، وآخرون طفَّفوا المكيال والميزان، وآخرون انحرفوا جنسياً عن الطبيعة التي خلقها الله، وكل جماعة من هؤلاء تحتاج إلى رسول.
لكن لما التقى العالم، ووُجدتْ بينه وسائل انتقال كان لا بُدَّ من رسول واحد، لأن المفاسد والآفاق ستتحد، لا بد من رسول واحد يصلح لكلِّ زمان ومكان، لذلك شرف كل زمان ومكان بالجامع للخير في كل زمان ومكان محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.
إذن: من الجن جماعة سمعوا وتحمَّلوا مهمة البلاغ، لذلك يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم ومن يدريك لعل المبلَّغ يكون أحرصَ على التطبيق من السامع، وقد فطن الشاعر العربي إلى هذا المعنى فقال:
فَخُذْ بِعلْمي وَلاَ تَنْظُرْ إلَى عَملِي وَاجْنِ الثِّمارَ وَخَلِّ العُودَ لِلنارِ
ثم يستمر هؤلاء الجماعة من الجن فى تبليغ قومهم وإنذارهم بما سمعوه:
يٰقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ... .
حيث أُرسل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الثقلين الإنس والجن، إذن: الجن جنس مكلّف مثلنا، لكنه غيب عنا فلا نراه إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ.. [الأعراف: ٢٧].
والجن له خِفَّة في الحركة وتغلغل في الأشياء لطبيعته النارية، لذلك لو أشعلت النار خلف هذا الجدار بعد لحظات تُحس بها هنا. إذن: صدِّق أنه من نار، وأنه يتغلغل خلال الأشياء، وأن له طبيعة غير طبيعة الآدمي.
الحق سبحانه يريد أنْ يُبيِّن لنا أن الجن وإنْ كان غائباً عنَّا إلا أنه مثلنا في التكليف وأنه مثلنا مُخاطب بالقرآن، ومنه المؤمن والكافر والطائع والعاصي.
ونحن نعلم قصة الصراع بين الجن والإنسان، منذ خلق آدم عليه السلام وأمر إبليس بالسجود له فأبى واستكبر، وكانت حجته أنه خُلِق من نار، وآدم خُلِق من طين، فكيف يسجد له وهو أفضل منه على حَدِّ قوله: خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ [الاعراف: ١٢].
صحيح أن آدم هو أيضاً وقع في المعصية، لكن فرْقٌ كبير بين معصية آدم ومعصية إبليس، آدم عصى ربه حين أكل من الشجرة التي نهاه الله عن الأكل منها، عصى عن غفلة وتغلب النفس ووسوسة الشيطان.
ثم لما عرف معصيته اعترف بها وتاب عنها واعترف بأنه أخطأ في حَقِّ ربه وظلم نفسه قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ [الأعراف: ٢٣] وقال في البقرة: فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ [البقرة: ٣٧].
إذن: قُبلت توبة آدم لأنه لم يرد حكم الله، أما إبليس فردّ الحكم ولم يخضع له فطُرد من رحمة الله وأُبْعد، وفرْق بين أنْ تعصي الحكم وأنت معترف به، مُصدِّق بأنه من الله، وبين أنْ ترده.
لذلك نقول هذا الكلام لمن يجادل مثلاً في مسائل من الدين الحكم فيها واضح، كالربا مثلاً أو إطلاق اللحية فيقول: التعامل بالربا الآن حلال، نقول لهذا: أنت بهذا القول ترد حكم الله في الربا، والأسلم لك أن تقول أنه حرام لكن ظروفي تجبرني عليه مثلاً.
ثم لك أنْ تقتدي بأبيك آدم فتتوب، تستغفر لعل الله يغفر لك، بدل أنْ تعاند ربك في حكمه، وهذه لا تقدر عليها، وتذكَّر قول الشيطان وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ.. [النساء: ١١٩].
فاحذر هذه المسألة، وأنت تعلم أن إبليس كان في يوم من الأيام (طاووس الملائكة) فلما عاند واستكبر وردَّ حكم الله جعله ملعوناً مطروداً من رحمة الله.
ولنا ملحظ هام في أمر الله لآدم بعدم الأكل من الشجرة وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ.. [البقرة: ٣٥] فالنهي عن مجرد قربها، وهكذا كل أمر في ما حرَّمه الله تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا.. [البقرة: ١٨٧].
أما ما أحلَّ الله لك فقال فيه: تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا.. [البقرة: ٢٢٩] يعني: لا تتعدوا ما أحلَّ الله، أما الحرام فلا تقربوه لأن مَنْ حام حول الحِمَى يوشك أنْ يقع فيه.
وذرية إبليس تسير على نهجه في إغواء بني آدم، ونحن لا نراهم كما لا نرى الملائكة، مع الفارق بينهما، فالملائكة من نور، والشياطين من نار.
وهنا ينقل الحديث في شأن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم من الإنس إلى الجن، والإخبار بأن الجن مُكلف، وبأنه يستمع القرآن لم يأتِ به محمد صلى الله عليه وسلم من عند نفسه، إنما يحكي لنا ما أخبره الله به من أن الجن يستمعون القرآن.
فقال في سورة الجن: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوۤاْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ.. [الجن: ١-٢].
وكأن الحق سبحانه يقول لنبيه محمد: أنا لم أبعثك لتذهب إلى الجن وتخاطبهم لأنك لا تراهم، لذلك صرفتهم إليك، وأتيتُ بهم إليك ليستمعوا القرآن وأنت لا تشعر بهم، ولولا إخباري لك بذلك ما كنت تعلمه.
وهنا يقول: وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ.. [الأحقاف: ٢٩] فأنت تقرأ وهم حولك يستمعون.
وقولهم في سورة الجن يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ.. [الجن: ٢] وهنا قالوا: كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ.. [الأحقاف: ٣٠] دلّ على أن للجن صلة بالأنبياء السابقين، وأنهم مكلفون مثلنا.
وفي سورة الرحمن: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلاَنِ [الرحمن: ٣١] يعني: نفرغ لحسابكم، فبعد أنْ تركناكم على راحتكم تفعلون ما تريدون، لا تظنوا أن هذه غفلة منا عنكم، إنما أمهلناكم لنؤكد أمر الاختيار الذي خلقناه فيكم ومنحناكم إيَاه.
فالثقلان: الجن والإنس سواء في الحساب، كما هم سواء في التكليف.
روُي عن سيدنا أنس رضي الله عنه أنه قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جبل من جبال مكة، فإذا رجل عجوز يُقبل علينا معه عكاز يتكىء عليه، فلما رآه رسول الله عرفه. وقال: كأنها مِشْية جِنِّي ونظمته، فقال الرجل: نعم أنا من الجن، فقال له رسول الله: من أنت؟ قال: أنا هامة بن هيم بن لاقيس بن إبليس، فقال له: بينك وبين أبيك إبليس أبوان اثنان؟ قال: نعم، ولقد أدركتُ من الزمن أكثره وبقى أقلُّه، ولقد شاهدتُ قابيل وهو يقتل هابيل.
فهذه الرواية دليلٌ على طول أعمارهم، وأنهم يتشكلون بأشكال مختلفة، كما يتشكل الملَك، فنحن لا نرى الملَك على حقيقته، ولا نرى الجني على حقيقته، إلا إذا تشكَّل في صورة إنسي.
وأنتم تعرفون حديث جبريل الطويللذلك رأينا بعض أعداء الدعوة المحمدية يثيرون حولها بعض الإشكالات، ومنها قولهم أنْ يكون الرسول ملكاً وهذا إشكال مردود، فلو جاء الرسول ملَكاً لجاءهم في صورة رجل، وإلا كيف يُبلِّغهم وكيف يكون التلقي عنه؟
إذن: سيظل الإشكال قائما، ثم إن المَلك لا تصح الأسوة به، لأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فكيف يكون أُسوةً لمَنْ في طبيعته الخطأ والغفلة والنسيان؟
إذن: شرط في النبي الرسول أنْ يكون من جنس مَنْ أُرسل إليهم لتقوم به الأُسوة.
والحق سبحانه أعطانا صورة تفصيلية لحال الجن، وأن منهم المؤمن والكافر، فقال حكايةً عنهم: وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً * وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً [الجن: ١٤-١٥].
لذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: ، فلك الحمد، يكررونها بتكرار الآية.
واسمعهم يقولون: وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا.. [الجن: ٣] يعني: تعالتْ عظمته، ولهذه العظمة مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً [الجن: ٣] إذن: الجن يعلمون قضايا الإيمان وقضايا التوحيد، وربما كانوا أدقَّ منا في التعبير عنها، ويكفي أنهم حكموا على إبليس بالسَّفَه، فقالوا: وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى ٱللَّهِ شَطَطاً [الجن: ٤].
نعود إلى ما كنا بصدده من قوله تعالى: وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ.. [الأحقاف: ٢٩] النفر: هم الجماعة من الثلاثة إلى الأربعين، صرفناهم إليك يعني: أتينا بهم إليك بدل أنْ تذهبَ أنتَ إليهم.
فَلَمَّا حَضَرُوهُ.. [الأحقاف: ٢٩] حضروا القراءة قَالُوۤاْ أَنصِتُواْ.. [الأحقاف: ٢٩] استمعوا باهتمام وتدبُّر يعني: وصَّى بعضهم بعضاً بالإنصات فَلَمَّا قُضِيَ.. [الأحقاف: ٢٩] انتهتْ القراءة وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ [الأحقاف: ٢٩] ذهبوا إلى قومهم ينذروهم ويُبلِّغونهم ما سمعوه.
قَالُواْ يٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ.. [الأحقاف: ٣٠] أي: القرآن، وقولهم مِن بَعْدِ مُوسَىٰ.. [الأحقاف: ٣٠] يدل على أنهم كانوا على صلة بالرسل السابقين، وأنهم كانوا مؤمنين بسيدنا موسى يعني: كانوا من اليهود.
وذكروا موسى دون عيسى - عليهما السلام - لأن كتاب موسى هو المنهج الذي ينظم حركة الحياة وفيه شرائع وأحكام، أما كتاب عيسى فكان مجرد وجدانيات ووصايا، لذلك تنبهوا لهذه المسألة وجمعوا بين الإنجيل والتوراة في كتاب واحد مع وجود عصبية بينهما، وأسمَوْهُ الكتاب المقدس.
ومعنى مُصَدِّقاً.. [الأحقاف: ٣٠] أي: القرآن مُصدِّق لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ.. [الأحقاف: ٣٠] لما قبله من الكتب السماوية، وما دام مُصدِّقاً لها إذن جاء بما جاءتْ به ولكن يزيد عليها أنه يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ [الأحقاف: ٣٠] بما يناسب عالمية التدين.
فكلّ رسول قبل محمد كان يأتي ليعالج أمراض مجتمعه في زمن محدود ومكان محدود، وقد يتعاصر الرسولان، كما رأينا في سيدنا إبراهيم، عاصره سيدنا لوط، وسيدنا موسى عاصر سيدنا شعيب.
فالعالم في هذا الوقت كان في انعزال ووحدة، لم يكُنْ هناك الالتقاء الموجود الآن، والذي يجعل العالم كله كقرية صغيرة، فهذه الحياة المنعزلة تجعل كلَّ مجتمع لا يدري بغيره.
لذلك كان لهم مفاسد خاصة تحتاج كلٌّ منها إلى رسول ليُصلحها ويأخذ بأيدي قومه إلى الله، فقوم عبدوا الأصنام من دون الله، وآخرون طفَّفوا المكيال والميزان، وآخرون انحرفوا جنسياً عن الطبيعة التي خلقها الله، وكل جماعة من هؤلاء تحتاج إلى رسول.
لكن لما التقى العالم، ووُجدتْ بينه وسائل انتقال كان لا بُدَّ من رسول واحد، لأن المفاسد والآفاق ستتحد، لا بد من رسول واحد يصلح لكلِّ زمان ومكان، لذلك شرف كل زمان ومكان بالجامع للخير في كل زمان ومكان محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.
إذن: من الجن جماعة سمعوا وتحمَّلوا مهمة البلاغ، لذلك يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم ومن يدريك لعل المبلَّغ يكون أحرصَ على التطبيق من السامع، وقد فطن الشاعر العربي إلى هذا المعنى فقال:
فَخُذْ بِعلْمي وَلاَ تَنْظُرْ إلَى عَملِي وَاجْنِ الثِّمارَ وَخَلِّ العُودَ لِلنارِ
ثم يستمر هؤلاء الجماعة من الجن فى تبليغ قومهم وإنذارهم بما سمعوه:
يٰقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ... .
آية رقم ٣٠
ينتقل السياق بنا إلى مجال آخر من مجالات الدعوة، فبعد أنْ حدَّثنا عن موقف الإنس وما كان منهم من تصديق لرسول الله أو تكذيب يُحدِّثنا عن الجن، وهم الجنس المقابل للإنس في الدعوة.
حيث أُرسل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الثقلين الإنس والجن، إذن: الجن جنس مكلّف مثلنا، لكنه غيب عنا فلا نراه إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ.. [الأعراف: ٢٧].
والجن له خِفَّة في الحركة وتغلغل في الأشياء لطبيعته النارية، لذلك لو أشعلت النار خلف هذا الجدار بعد لحظات تُحس بها هنا. إذن: صدِّق أنه من نار، وأنه يتغلغل خلال الأشياء، وأن له طبيعة غير طبيعة الآدمي.
الحق سبحانه يريد أنْ يُبيِّن لنا أن الجن وإنْ كان غائباً عنَّا إلا أنه مثلنا في التكليف وأنه مثلنا مُخاطب بالقرآن، ومنه المؤمن والكافر والطائع والعاصي.
ونحن نعلم قصة الصراع بين الجن والإنسان، منذ خلق آدم عليه السلام وأمر إبليس بالسجود له فأبى واستكبر، وكانت حجته أنه خُلِق من نار، وآدم خُلِق من طين، فكيف يسجد له وهو أفضل منه على حَدِّ قوله: خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ [الاعراف: ١٢].
صحيح أن آدم هو أيضاً وقع في المعصية، لكن فرْقٌ كبير بين معصية آدم ومعصية إبليس، آدم عصى ربه حين أكل من الشجرة التي نهاه الله عن الأكل منها، عصى عن غفلة وتغلب النفس ووسوسة الشيطان.
ثم لما عرف معصيته اعترف بها وتاب عنها واعترف بأنه أخطأ في حَقِّ ربه وظلم نفسه قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ [الأعراف: ٢٣] وقال في البقرة: فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ [البقرة: ٣٧].
إذن: قُبلت توبة آدم لأنه لم يرد حكم الله، أما إبليس فردّ الحكم ولم يخضع له فطُرد من رحمة الله وأُبْعد، وفرْق بين أنْ تعصي الحكم وأنت معترف به، مُصدِّق بأنه من الله، وبين أنْ ترده.
لذلك نقول هذا الكلام لمن يجادل مثلاً في مسائل من الدين الحكم فيها واضح، كالربا مثلاً أو إطلاق اللحية فيقول: التعامل بالربا الآن حلال، نقول لهذا: أنت بهذا القول ترد حكم الله في الربا، والأسلم لك أن تقول أنه حرام لكن ظروفي تجبرني عليه مثلاً.
ثم لك أنْ تقتدي بأبيك آدم فتتوب، تستغفر لعل الله يغفر لك، بدل أنْ تعاند ربك في حكمه، وهذه لا تقدر عليها، وتذكَّر قول الشيطان وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ.. [النساء: ١١٩].
فاحذر هذه المسألة، وأنت تعلم أن إبليس كان في يوم من الأيام (طاووس الملائكة) فلما عاند واستكبر وردَّ حكم الله جعله ملعوناً مطروداً من رحمة الله.
ولنا ملحظ هام في أمر الله لآدم بعدم الأكل من الشجرة وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ.. [البقرة: ٣٥] فالنهي عن مجرد قربها، وهكذا كل أمر في ما حرَّمه الله تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا.. [البقرة: ١٨٧].
أما ما أحلَّ الله لك فقال فيه: تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا.. [البقرة: ٢٢٩] يعني: لا تتعدوا ما أحلَّ الله، أما الحرام فلا تقربوه لأن مَنْ حام حول الحِمَى يوشك أنْ يقع فيه.
وذرية إبليس تسير على نهجه في إغواء بني آدم، ونحن لا نراهم كما لا نرى الملائكة، مع الفارق بينهما، فالملائكة من نور، والشياطين من نار.
وهنا ينقل الحديث في شأن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم من الإنس إلى الجن، والإخبار بأن الجن مُكلف، وبأنه يستمع القرآن لم يأتِ به محمد صلى الله عليه وسلم من عند نفسه، إنما يحكي لنا ما أخبره الله به من أن الجن يستمعون القرآن.
فقال في سورة الجن: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوۤاْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ.. [الجن: ١-٢].
وكأن الحق سبحانه يقول لنبيه محمد: أنا لم أبعثك لتذهب إلى الجن وتخاطبهم لأنك لا تراهم، لذلك صرفتهم إليك، وأتيتُ بهم إليك ليستمعوا القرآن وأنت لا تشعر بهم، ولولا إخباري لك بذلك ما كنت تعلمه.
وهنا يقول: وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ.. [الأحقاف: ٢٩] فأنت تقرأ وهم حولك يستمعون.
وقولهم في سورة الجن يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ.. [الجن: ٢] وهنا قالوا: كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ.. [الأحقاف: ٣٠] دلّ على أن للجن صلة بالأنبياء السابقين، وأنهم مكلفون مثلنا.
وفي سورة الرحمن: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلاَنِ [الرحمن: ٣١] يعني: نفرغ لحسابكم، فبعد أنْ تركناكم على راحتكم تفعلون ما تريدون، لا تظنوا أن هذه غفلة منا عنكم، إنما أمهلناكم لنؤكد أمر الاختيار الذي خلقناه فيكم ومنحناكم إيَاه.
فالثقلان: الجن والإنس سواء في الحساب، كما هم سواء في التكليف.
روُي عن سيدنا أنس رضي الله عنه أنه قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جبل من جبال مكة، فإذا رجل عجوز يُقبل علينا معه عكاز يتكىء عليه، فلما رآه رسول الله عرفه. وقال: كأنها مِشْية جِنِّي ونظمته، فقال الرجل: نعم أنا من الجن، فقال له رسول الله: من أنت؟ قال: أنا هامة بن هيم بن لاقيس بن إبليس، فقال له: بينك وبين أبيك إبليس أبوان اثنان؟ قال: نعم، ولقد أدركتُ من الزمن أكثره وبقى أقلُّه، ولقد شاهدتُ قابيل وهو يقتل هابيل.
فهذه الرواية دليلٌ على طول أعمارهم، وأنهم يتشكلون بأشكال مختلفة، كما يتشكل الملَك، فنحن لا نرى الملَك على حقيقته، ولا نرى الجني على حقيقته، إلا إذا تشكَّل في صورة إنسي.
وأنتم تعرفون حديث جبريل الطويللذلك رأينا بعض أعداء الدعوة المحمدية يثيرون حولها بعض الإشكالات، ومنها قولهم أنْ يكون الرسول ملكاً وهذا إشكال مردود، فلو جاء الرسول ملَكاً لجاءهم في صورة رجل، وإلا كيف يُبلِّغهم وكيف يكون التلقي عنه؟
إذن: سيظل الإشكال قائما، ثم إن المَلك لا تصح الأسوة به، لأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فكيف يكون أُسوةً لمَنْ في طبيعته الخطأ والغفلة والنسيان؟
إذن: شرط في النبي الرسول أنْ يكون من جنس مَنْ أُرسل إليهم لتقوم به الأُسوة.
والحق سبحانه أعطانا صورة تفصيلية لحال الجن، وأن منهم المؤمن والكافر، فقال حكايةً عنهم: وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً * وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً [الجن: ١٤-١٥].
لذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: ، فلك الحمد، يكررونها بتكرار الآية.
واسمعهم يقولون: وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا.. [الجن: ٣] يعني: تعالتْ عظمته، ولهذه العظمة مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً [الجن: ٣] إذن: الجن يعلمون قضايا الإيمان وقضايا التوحيد، وربما كانوا أدقَّ منا في التعبير عنها، ويكفي أنهم حكموا على إبليس بالسَّفَه، فقالوا: وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى ٱللَّهِ شَطَطاً [الجن: ٤].
نعود إلى ما كنا بصدده من قوله تعالى: وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ.. [الأحقاف: ٢٩] النفر: هم الجماعة من الثلاثة إلى الأربعين، صرفناهم إليك يعني: أتينا بهم إليك بدل أنْ تذهبَ أنتَ إليهم.
فَلَمَّا حَضَرُوهُ.. [الأحقاف: ٢٩] حضروا القراءة قَالُوۤاْ أَنصِتُواْ.. [الأحقاف: ٢٩] استمعوا باهتمام وتدبُّر يعني: وصَّى بعضهم بعضاً بالإنصات فَلَمَّا قُضِيَ.. [الأحقاف: ٢٩] انتهتْ القراءة وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ [الأحقاف: ٢٩] ذهبوا إلى قومهم ينذروهم ويُبلِّغونهم ما سمعوه.
قَالُواْ يٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ.. [الأحقاف: ٣٠] أي: القرآن، وقولهم مِن بَعْدِ مُوسَىٰ.. [الأحقاف: ٣٠] يدل على أنهم كانوا على صلة بالرسل السابقين، وأنهم كانوا مؤمنين بسيدنا موسى يعني: كانوا من اليهود.
وذكروا موسى دون عيسى - عليهما السلام - لأن كتاب موسى هو المنهج الذي ينظم حركة الحياة وفيه شرائع وأحكام، أما كتاب عيسى فكان مجرد وجدانيات ووصايا، لذلك تنبهوا لهذه المسألة وجمعوا بين الإنجيل والتوراة في كتاب واحد مع وجود عصبية بينهما، وأسمَوْهُ الكتاب المقدس.
ومعنى مُصَدِّقاً.. [الأحقاف: ٣٠] أي: القرآن مُصدِّق لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ.. [الأحقاف: ٣٠] لما قبله من الكتب السماوية، وما دام مُصدِّقاً لها إذن جاء بما جاءتْ به ولكن يزيد عليها أنه يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ [الأحقاف: ٣٠] بما يناسب عالمية التدين.
فكلّ رسول قبل محمد كان يأتي ليعالج أمراض مجتمعه في زمن محدود ومكان محدود، وقد يتعاصر الرسولان، كما رأينا في سيدنا إبراهيم، عاصره سيدنا لوط، وسيدنا موسى عاصر سيدنا شعيب.
فالعالم في هذا الوقت كان في انعزال ووحدة، لم يكُنْ هناك الالتقاء الموجود الآن، والذي يجعل العالم كله كقرية صغيرة، فهذه الحياة المنعزلة تجعل كلَّ مجتمع لا يدري بغيره.
لذلك كان لهم مفاسد خاصة تحتاج كلٌّ منها إلى رسول ليُصلحها ويأخذ بأيدي قومه إلى الله، فقوم عبدوا الأصنام من دون الله، وآخرون طفَّفوا المكيال والميزان، وآخرون انحرفوا جنسياً عن الطبيعة التي خلقها الله، وكل جماعة من هؤلاء تحتاج إلى رسول.
لكن لما التقى العالم، ووُجدتْ بينه وسائل انتقال كان لا بُدَّ من رسول واحد، لأن المفاسد والآفاق ستتحد، لا بد من رسول واحد يصلح لكلِّ زمان ومكان، لذلك شرف كل زمان ومكان بالجامع للخير في كل زمان ومكان محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.
إذن: من الجن جماعة سمعوا وتحمَّلوا مهمة البلاغ، لذلك يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم ومن يدريك لعل المبلَّغ يكون أحرصَ على التطبيق من السامع، وقد فطن الشاعر العربي إلى هذا المعنى فقال:
فَخُذْ بِعلْمي وَلاَ تَنْظُرْ إلَى عَملِي وَاجْنِ الثِّمارَ وَخَلِّ العُودَ لِلنارِ
ثم يستمر هؤلاء الجماعة من الجن فى تبليغ قومهم وإنذارهم بما سمعوه:
يٰقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ... .
حيث أُرسل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الثقلين الإنس والجن، إذن: الجن جنس مكلّف مثلنا، لكنه غيب عنا فلا نراه إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ.. [الأعراف: ٢٧].
والجن له خِفَّة في الحركة وتغلغل في الأشياء لطبيعته النارية، لذلك لو أشعلت النار خلف هذا الجدار بعد لحظات تُحس بها هنا. إذن: صدِّق أنه من نار، وأنه يتغلغل خلال الأشياء، وأن له طبيعة غير طبيعة الآدمي.
الحق سبحانه يريد أنْ يُبيِّن لنا أن الجن وإنْ كان غائباً عنَّا إلا أنه مثلنا في التكليف وأنه مثلنا مُخاطب بالقرآن، ومنه المؤمن والكافر والطائع والعاصي.
ونحن نعلم قصة الصراع بين الجن والإنسان، منذ خلق آدم عليه السلام وأمر إبليس بالسجود له فأبى واستكبر، وكانت حجته أنه خُلِق من نار، وآدم خُلِق من طين، فكيف يسجد له وهو أفضل منه على حَدِّ قوله: خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ [الاعراف: ١٢].
صحيح أن آدم هو أيضاً وقع في المعصية، لكن فرْقٌ كبير بين معصية آدم ومعصية إبليس، آدم عصى ربه حين أكل من الشجرة التي نهاه الله عن الأكل منها، عصى عن غفلة وتغلب النفس ووسوسة الشيطان.
ثم لما عرف معصيته اعترف بها وتاب عنها واعترف بأنه أخطأ في حَقِّ ربه وظلم نفسه قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ [الأعراف: ٢٣] وقال في البقرة: فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ [البقرة: ٣٧].
إذن: قُبلت توبة آدم لأنه لم يرد حكم الله، أما إبليس فردّ الحكم ولم يخضع له فطُرد من رحمة الله وأُبْعد، وفرْق بين أنْ تعصي الحكم وأنت معترف به، مُصدِّق بأنه من الله، وبين أنْ ترده.
لذلك نقول هذا الكلام لمن يجادل مثلاً في مسائل من الدين الحكم فيها واضح، كالربا مثلاً أو إطلاق اللحية فيقول: التعامل بالربا الآن حلال، نقول لهذا: أنت بهذا القول ترد حكم الله في الربا، والأسلم لك أن تقول أنه حرام لكن ظروفي تجبرني عليه مثلاً.
ثم لك أنْ تقتدي بأبيك آدم فتتوب، تستغفر لعل الله يغفر لك، بدل أنْ تعاند ربك في حكمه، وهذه لا تقدر عليها، وتذكَّر قول الشيطان وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ.. [النساء: ١١٩].
فاحذر هذه المسألة، وأنت تعلم أن إبليس كان في يوم من الأيام (طاووس الملائكة) فلما عاند واستكبر وردَّ حكم الله جعله ملعوناً مطروداً من رحمة الله.
ولنا ملحظ هام في أمر الله لآدم بعدم الأكل من الشجرة وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ.. [البقرة: ٣٥] فالنهي عن مجرد قربها، وهكذا كل أمر في ما حرَّمه الله تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا.. [البقرة: ١٨٧].
أما ما أحلَّ الله لك فقال فيه: تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا.. [البقرة: ٢٢٩] يعني: لا تتعدوا ما أحلَّ الله، أما الحرام فلا تقربوه لأن مَنْ حام حول الحِمَى يوشك أنْ يقع فيه.
وذرية إبليس تسير على نهجه في إغواء بني آدم، ونحن لا نراهم كما لا نرى الملائكة، مع الفارق بينهما، فالملائكة من نور، والشياطين من نار.
وهنا ينقل الحديث في شأن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم من الإنس إلى الجن، والإخبار بأن الجن مُكلف، وبأنه يستمع القرآن لم يأتِ به محمد صلى الله عليه وسلم من عند نفسه، إنما يحكي لنا ما أخبره الله به من أن الجن يستمعون القرآن.
فقال في سورة الجن: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوۤاْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ.. [الجن: ١-٢].
وكأن الحق سبحانه يقول لنبيه محمد: أنا لم أبعثك لتذهب إلى الجن وتخاطبهم لأنك لا تراهم، لذلك صرفتهم إليك، وأتيتُ بهم إليك ليستمعوا القرآن وأنت لا تشعر بهم، ولولا إخباري لك بذلك ما كنت تعلمه.
وهنا يقول: وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ.. [الأحقاف: ٢٩] فأنت تقرأ وهم حولك يستمعون.
وقولهم في سورة الجن يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ.. [الجن: ٢] وهنا قالوا: كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ.. [الأحقاف: ٣٠] دلّ على أن للجن صلة بالأنبياء السابقين، وأنهم مكلفون مثلنا.
وفي سورة الرحمن: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلاَنِ [الرحمن: ٣١] يعني: نفرغ لحسابكم، فبعد أنْ تركناكم على راحتكم تفعلون ما تريدون، لا تظنوا أن هذه غفلة منا عنكم، إنما أمهلناكم لنؤكد أمر الاختيار الذي خلقناه فيكم ومنحناكم إيَاه.
فالثقلان: الجن والإنس سواء في الحساب، كما هم سواء في التكليف.
روُي عن سيدنا أنس رضي الله عنه أنه قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جبل من جبال مكة، فإذا رجل عجوز يُقبل علينا معه عكاز يتكىء عليه، فلما رآه رسول الله عرفه. وقال: كأنها مِشْية جِنِّي ونظمته، فقال الرجل: نعم أنا من الجن، فقال له رسول الله: من أنت؟ قال: أنا هامة بن هيم بن لاقيس بن إبليس، فقال له: بينك وبين أبيك إبليس أبوان اثنان؟ قال: نعم، ولقد أدركتُ من الزمن أكثره وبقى أقلُّه، ولقد شاهدتُ قابيل وهو يقتل هابيل.
فهذه الرواية دليلٌ على طول أعمارهم، وأنهم يتشكلون بأشكال مختلفة، كما يتشكل الملَك، فنحن لا نرى الملَك على حقيقته، ولا نرى الجني على حقيقته، إلا إذا تشكَّل في صورة إنسي.
وأنتم تعرفون حديث جبريل الطويللذلك رأينا بعض أعداء الدعوة المحمدية يثيرون حولها بعض الإشكالات، ومنها قولهم أنْ يكون الرسول ملكاً وهذا إشكال مردود، فلو جاء الرسول ملَكاً لجاءهم في صورة رجل، وإلا كيف يُبلِّغهم وكيف يكون التلقي عنه؟
إذن: سيظل الإشكال قائما، ثم إن المَلك لا تصح الأسوة به، لأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فكيف يكون أُسوةً لمَنْ في طبيعته الخطأ والغفلة والنسيان؟
إذن: شرط في النبي الرسول أنْ يكون من جنس مَنْ أُرسل إليهم لتقوم به الأُسوة.
والحق سبحانه أعطانا صورة تفصيلية لحال الجن، وأن منهم المؤمن والكافر، فقال حكايةً عنهم: وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً * وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً [الجن: ١٤-١٥].
لذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: ، فلك الحمد، يكررونها بتكرار الآية.
واسمعهم يقولون: وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا.. [الجن: ٣] يعني: تعالتْ عظمته، ولهذه العظمة مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً [الجن: ٣] إذن: الجن يعلمون قضايا الإيمان وقضايا التوحيد، وربما كانوا أدقَّ منا في التعبير عنها، ويكفي أنهم حكموا على إبليس بالسَّفَه، فقالوا: وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى ٱللَّهِ شَطَطاً [الجن: ٤].
نعود إلى ما كنا بصدده من قوله تعالى: وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ.. [الأحقاف: ٢٩] النفر: هم الجماعة من الثلاثة إلى الأربعين، صرفناهم إليك يعني: أتينا بهم إليك بدل أنْ تذهبَ أنتَ إليهم.
فَلَمَّا حَضَرُوهُ.. [الأحقاف: ٢٩] حضروا القراءة قَالُوۤاْ أَنصِتُواْ.. [الأحقاف: ٢٩] استمعوا باهتمام وتدبُّر يعني: وصَّى بعضهم بعضاً بالإنصات فَلَمَّا قُضِيَ.. [الأحقاف: ٢٩] انتهتْ القراءة وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ [الأحقاف: ٢٩] ذهبوا إلى قومهم ينذروهم ويُبلِّغونهم ما سمعوه.
قَالُواْ يٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ.. [الأحقاف: ٣٠] أي: القرآن، وقولهم مِن بَعْدِ مُوسَىٰ.. [الأحقاف: ٣٠] يدل على أنهم كانوا على صلة بالرسل السابقين، وأنهم كانوا مؤمنين بسيدنا موسى يعني: كانوا من اليهود.
وذكروا موسى دون عيسى - عليهما السلام - لأن كتاب موسى هو المنهج الذي ينظم حركة الحياة وفيه شرائع وأحكام، أما كتاب عيسى فكان مجرد وجدانيات ووصايا، لذلك تنبهوا لهذه المسألة وجمعوا بين الإنجيل والتوراة في كتاب واحد مع وجود عصبية بينهما، وأسمَوْهُ الكتاب المقدس.
ومعنى مُصَدِّقاً.. [الأحقاف: ٣٠] أي: القرآن مُصدِّق لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ.. [الأحقاف: ٣٠] لما قبله من الكتب السماوية، وما دام مُصدِّقاً لها إذن جاء بما جاءتْ به ولكن يزيد عليها أنه يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ [الأحقاف: ٣٠] بما يناسب عالمية التدين.
فكلّ رسول قبل محمد كان يأتي ليعالج أمراض مجتمعه في زمن محدود ومكان محدود، وقد يتعاصر الرسولان، كما رأينا في سيدنا إبراهيم، عاصره سيدنا لوط، وسيدنا موسى عاصر سيدنا شعيب.
فالعالم في هذا الوقت كان في انعزال ووحدة، لم يكُنْ هناك الالتقاء الموجود الآن، والذي يجعل العالم كله كقرية صغيرة، فهذه الحياة المنعزلة تجعل كلَّ مجتمع لا يدري بغيره.
لذلك كان لهم مفاسد خاصة تحتاج كلٌّ منها إلى رسول ليُصلحها ويأخذ بأيدي قومه إلى الله، فقوم عبدوا الأصنام من دون الله، وآخرون طفَّفوا المكيال والميزان، وآخرون انحرفوا جنسياً عن الطبيعة التي خلقها الله، وكل جماعة من هؤلاء تحتاج إلى رسول.
لكن لما التقى العالم، ووُجدتْ بينه وسائل انتقال كان لا بُدَّ من رسول واحد، لأن المفاسد والآفاق ستتحد، لا بد من رسول واحد يصلح لكلِّ زمان ومكان، لذلك شرف كل زمان ومكان بالجامع للخير في كل زمان ومكان محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.
إذن: من الجن جماعة سمعوا وتحمَّلوا مهمة البلاغ، لذلك يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم ومن يدريك لعل المبلَّغ يكون أحرصَ على التطبيق من السامع، وقد فطن الشاعر العربي إلى هذا المعنى فقال:
فَخُذْ بِعلْمي وَلاَ تَنْظُرْ إلَى عَملِي وَاجْنِ الثِّمارَ وَخَلِّ العُودَ لِلنارِ
ثم يستمر هؤلاء الجماعة من الجن فى تبليغ قومهم وإنذارهم بما سمعوه:
يٰقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ... .
آية رقم ٣١
معنى دَاعِيَ ٱللَّهِ.. [الأحقاف: ٣١] الأصل فيه رسول الله ثم المبلّغ عنه منهج الله للقوم وَآمِنُواْ بِهِ.. [الأحقاف: ٣١] أي: بما جاء به يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف: ٣١] قال: مِّن ذُنُوبِكُمْ.. [الأحقاف: ٣١] فأفادت (من) التبعيض. يعني: يغفر لكم بعض الذنوب، وهذه المغفرة ثمرة الإيمان.
ولم يقل كل الذنوب، لأن الحق سبحانه يغفر بعضها ويترك بعضها للتوبة والإنابة إليه، فمثلاً من الذنوب ما تغفرها الصلاة إلى الصلاة، أو الجمعة إلى الجمعة، أو رمضان إلى رمضان.
لكن هناك ذنوب لا بُدَّ لها من توبة، ويكون لمغفرتها شروط أخرى كما لو كانت في حَقِّ العباد، وهناك مظالم ومتعلقات لا بُدَّ أنْ تُردَّ إلى أصحابها وَيُجِرْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف: ٣١] إذن: الذنوب ينشأ عنها العقاب في النار، وإذا غفر الذنوب أجار صاحبها من النار، وهذه قاعدة التخلية قبل التحلية كما ذكرنا.
لكن لم يقُلْ هنا أنهم يدخلون الجنة، وهذا يفرض علينا سؤالاً: هل يدخل الجنُّ المؤمن الجنة؟ البعض يرى أنهم بعد الحساب سيتحوَّلون إلى تراب وتنتهي المسألة، بدليل أنه لم يُقلْ هنا أنهم يدخلون الجنة بعد أنْ يُجيرهم من النار.
لكن ما داموا مكلّفين مثلنا، ومنهم المؤمن والكافر، إذن: لا بُدَّ من الجزاء بالجنة أو بالنار، فإنْ وقفت عند مسألة أنهم خُلِقوا من النار، فكيف يُعذَّبون بها؟ هذا أمر بعيد في أذهاننا نحن، لكنه يسير على الخالق سبحانه، فله قوانين أخرى.
وسبق أنْ قلنا: أنت مخلوق من طين، فهل معنى ذلك أنك إذا نزلتَ البحر مثلاً (تبوش) ثم اقرأ إنْ شئتَ: إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ [الصافات: ٦٤] فكيف تنبت شجرة في إصل الجحيم؟ إذن: لا تتكلم في هذه المسألة والله أعلم بخلقه.
وقوله سبحانه: وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ ٱللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي ٱلأَرْضِ.. [الأحقاف: ٣٢] معجز يعني: يُعجز غيره. والعجز ضعف لا يُمكنك من الفعل تقول: أعجز فلانٌ فلاناً يعني: سبَّب له ما يعجز عنه، ومنه قولنا: القرآن مُعجز يعني: أعجز العربَ عن الإتيان بمثله.
فؤلاء الذين عصوْا الداعي إلى الله وكفروا به لن يُعجزونا، ولن يجدوا لهم مهرباً من عقابنا ولا مفرّاً منه.
وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ.. [الأحقاف: ٣٢] من دون الله أَوْلِيَآءُ.. [الأحقاف: ٣٢] يعني: يتولونهم ويدافعون عنهم أو يشفعون لهم، ولا قوة تمنع عنهم عذاب الله أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ [الأحقاف: ٣٢] يعني: هؤلاء الأولياء ضَلُّوا عنهم، تاهوا فلا وجود لهم.
مُّبِينٍ [الأحقاف: ٣٢] محيط، كما يفعل التائه الذي ضلَّ طريقه، فيذهب إلى هنا ويذهب إلى هناك، فلا يهتدي للغاية التي يريدها.
ثم يعود السياق ويلفتهم إلى الآيات الكونية لعلهم يتدبرونها، لأنهم جحدوا وأنكروا ولم يستفيدوا بما خلقه اللهُ فيهم من وسائل الإدراك من سمع وبصر وتعقُّل، والحديث مرة أخرى عن الآيات الكونية وإظهارها لهم من باب تلوين العظات.
ولم يقل كل الذنوب، لأن الحق سبحانه يغفر بعضها ويترك بعضها للتوبة والإنابة إليه، فمثلاً من الذنوب ما تغفرها الصلاة إلى الصلاة، أو الجمعة إلى الجمعة، أو رمضان إلى رمضان.
لكن هناك ذنوب لا بُدَّ لها من توبة، ويكون لمغفرتها شروط أخرى كما لو كانت في حَقِّ العباد، وهناك مظالم ومتعلقات لا بُدَّ أنْ تُردَّ إلى أصحابها وَيُجِرْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف: ٣١] إذن: الذنوب ينشأ عنها العقاب في النار، وإذا غفر الذنوب أجار صاحبها من النار، وهذه قاعدة التخلية قبل التحلية كما ذكرنا.
لكن لم يقُلْ هنا أنهم يدخلون الجنة، وهذا يفرض علينا سؤالاً: هل يدخل الجنُّ المؤمن الجنة؟ البعض يرى أنهم بعد الحساب سيتحوَّلون إلى تراب وتنتهي المسألة، بدليل أنه لم يُقلْ هنا أنهم يدخلون الجنة بعد أنْ يُجيرهم من النار.
لكن ما داموا مكلّفين مثلنا، ومنهم المؤمن والكافر، إذن: لا بُدَّ من الجزاء بالجنة أو بالنار، فإنْ وقفت عند مسألة أنهم خُلِقوا من النار، فكيف يُعذَّبون بها؟ هذا أمر بعيد في أذهاننا نحن، لكنه يسير على الخالق سبحانه، فله قوانين أخرى.
وسبق أنْ قلنا: أنت مخلوق من طين، فهل معنى ذلك أنك إذا نزلتَ البحر مثلاً (تبوش) ثم اقرأ إنْ شئتَ: إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ [الصافات: ٦٤] فكيف تنبت شجرة في إصل الجحيم؟ إذن: لا تتكلم في هذه المسألة والله أعلم بخلقه.
وقوله سبحانه: وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ ٱللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي ٱلأَرْضِ.. [الأحقاف: ٣٢] معجز يعني: يُعجز غيره. والعجز ضعف لا يُمكنك من الفعل تقول: أعجز فلانٌ فلاناً يعني: سبَّب له ما يعجز عنه، ومنه قولنا: القرآن مُعجز يعني: أعجز العربَ عن الإتيان بمثله.
فؤلاء الذين عصوْا الداعي إلى الله وكفروا به لن يُعجزونا، ولن يجدوا لهم مهرباً من عقابنا ولا مفرّاً منه.
وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ.. [الأحقاف: ٣٢] من دون الله أَوْلِيَآءُ.. [الأحقاف: ٣٢] يعني: يتولونهم ويدافعون عنهم أو يشفعون لهم، ولا قوة تمنع عنهم عذاب الله أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ [الأحقاف: ٣٢] يعني: هؤلاء الأولياء ضَلُّوا عنهم، تاهوا فلا وجود لهم.
مُّبِينٍ [الأحقاف: ٣٢] محيط، كما يفعل التائه الذي ضلَّ طريقه، فيذهب إلى هنا ويذهب إلى هناك، فلا يهتدي للغاية التي يريدها.
ثم يعود السياق ويلفتهم إلى الآيات الكونية لعلهم يتدبرونها، لأنهم جحدوا وأنكروا ولم يستفيدوا بما خلقه اللهُ فيهم من وسائل الإدراك من سمع وبصر وتعقُّل، والحديث مرة أخرى عن الآيات الكونية وإظهارها لهم من باب تلوين العظات.
آية رقم ٣٢
معنى دَاعِيَ ٱللَّهِ.. [الأحقاف: ٣١] الأصل فيه رسول الله ثم المبلّغ عنه منهج الله للقوم وَآمِنُواْ بِهِ.. [الأحقاف: ٣١] أي: بما جاء به يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف: ٣١] قال: مِّن ذُنُوبِكُمْ.. [الأحقاف: ٣١] فأفادت (من) التبعيض. يعني: يغفر لكم بعض الذنوب، وهذه المغفرة ثمرة الإيمان.
ولم يقل كل الذنوب، لأن الحق سبحانه يغفر بعضها ويترك بعضها للتوبة والإنابة إليه، فمثلاً من الذنوب ما تغفرها الصلاة إلى الصلاة، أو الجمعة إلى الجمعة، أو رمضان إلى رمضان.
لكن هناك ذنوب لا بُدَّ لها من توبة، ويكون لمغفرتها شروط أخرى كما لو كانت في حَقِّ العباد، وهناك مظالم ومتعلقات لا بُدَّ أنْ تُردَّ إلى أصحابها وَيُجِرْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف: ٣١] إذن: الذنوب ينشأ عنها العقاب في النار، وإذا غفر الذنوب أجار صاحبها من النار، وهذه قاعدة التخلية قبل التحلية كما ذكرنا.
لكن لم يقُلْ هنا أنهم يدخلون الجنة، وهذا يفرض علينا سؤالاً: هل يدخل الجنُّ المؤمن الجنة؟ البعض يرى أنهم بعد الحساب سيتحوَّلون إلى تراب وتنتهي المسألة، بدليل أنه لم يُقلْ هنا أنهم يدخلون الجنة بعد أنْ يُجيرهم من النار.
لكن ما داموا مكلّفين مثلنا، ومنهم المؤمن والكافر، إذن: لا بُدَّ من الجزاء بالجنة أو بالنار، فإنْ وقفت عند مسألة أنهم خُلِقوا من النار، فكيف يُعذَّبون بها؟ هذا أمر بعيد في أذهاننا نحن، لكنه يسير على الخالق سبحانه، فله قوانين أخرى.
وسبق أنْ قلنا: أنت مخلوق من طين، فهل معنى ذلك أنك إذا نزلتَ البحر مثلاً (تبوش) ثم اقرأ إنْ شئتَ: إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ [الصافات: ٦٤] فكيف تنبت شجرة في إصل الجحيم؟ إذن: لا تتكلم في هذه المسألة والله أعلم بخلقه.
وقوله سبحانه: وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ ٱللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي ٱلأَرْضِ.. [الأحقاف: ٣٢] معجز يعني: يُعجز غيره. والعجز ضعف لا يُمكنك من الفعل تقول: أعجز فلانٌ فلاناً يعني: سبَّب له ما يعجز عنه، ومنه قولنا: القرآن مُعجز يعني: أعجز العربَ عن الإتيان بمثله.
فؤلاء الذين عصوْا الداعي إلى الله وكفروا به لن يُعجزونا، ولن يجدوا لهم مهرباً من عقابنا ولا مفرّاً منه.
وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ.. [الأحقاف: ٣٢] من دون الله أَوْلِيَآءُ.. [الأحقاف: ٣٢] يعني: يتولونهم ويدافعون عنهم أو يشفعون لهم، ولا قوة تمنع عنهم عذاب الله أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ [الأحقاف: ٣٢] يعني: هؤلاء الأولياء ضَلُّوا عنهم، تاهوا فلا وجود لهم.
مُّبِينٍ [الأحقاف: ٣٢] محيط، كما يفعل التائه الذي ضلَّ طريقه، فيذهب إلى هنا ويذهب إلى هناك، فلا يهتدي للغاية التي يريدها.
ثم يعود السياق ويلفتهم إلى الآيات الكونية لعلهم يتدبرونها، لأنهم جحدوا وأنكروا ولم يستفيدوا بما خلقه اللهُ فيهم من وسائل الإدراك من سمع وبصر وتعقُّل، والحديث مرة أخرى عن الآيات الكونية وإظهارها لهم من باب تلوين العظات.
ولم يقل كل الذنوب، لأن الحق سبحانه يغفر بعضها ويترك بعضها للتوبة والإنابة إليه، فمثلاً من الذنوب ما تغفرها الصلاة إلى الصلاة، أو الجمعة إلى الجمعة، أو رمضان إلى رمضان.
لكن هناك ذنوب لا بُدَّ لها من توبة، ويكون لمغفرتها شروط أخرى كما لو كانت في حَقِّ العباد، وهناك مظالم ومتعلقات لا بُدَّ أنْ تُردَّ إلى أصحابها وَيُجِرْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف: ٣١] إذن: الذنوب ينشأ عنها العقاب في النار، وإذا غفر الذنوب أجار صاحبها من النار، وهذه قاعدة التخلية قبل التحلية كما ذكرنا.
لكن لم يقُلْ هنا أنهم يدخلون الجنة، وهذا يفرض علينا سؤالاً: هل يدخل الجنُّ المؤمن الجنة؟ البعض يرى أنهم بعد الحساب سيتحوَّلون إلى تراب وتنتهي المسألة، بدليل أنه لم يُقلْ هنا أنهم يدخلون الجنة بعد أنْ يُجيرهم من النار.
لكن ما داموا مكلّفين مثلنا، ومنهم المؤمن والكافر، إذن: لا بُدَّ من الجزاء بالجنة أو بالنار، فإنْ وقفت عند مسألة أنهم خُلِقوا من النار، فكيف يُعذَّبون بها؟ هذا أمر بعيد في أذهاننا نحن، لكنه يسير على الخالق سبحانه، فله قوانين أخرى.
وسبق أنْ قلنا: أنت مخلوق من طين، فهل معنى ذلك أنك إذا نزلتَ البحر مثلاً (تبوش) ثم اقرأ إنْ شئتَ: إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ [الصافات: ٦٤] فكيف تنبت شجرة في إصل الجحيم؟ إذن: لا تتكلم في هذه المسألة والله أعلم بخلقه.
وقوله سبحانه: وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ ٱللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي ٱلأَرْضِ.. [الأحقاف: ٣٢] معجز يعني: يُعجز غيره. والعجز ضعف لا يُمكنك من الفعل تقول: أعجز فلانٌ فلاناً يعني: سبَّب له ما يعجز عنه، ومنه قولنا: القرآن مُعجز يعني: أعجز العربَ عن الإتيان بمثله.
فؤلاء الذين عصوْا الداعي إلى الله وكفروا به لن يُعجزونا، ولن يجدوا لهم مهرباً من عقابنا ولا مفرّاً منه.
وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ.. [الأحقاف: ٣٢] من دون الله أَوْلِيَآءُ.. [الأحقاف: ٣٢] يعني: يتولونهم ويدافعون عنهم أو يشفعون لهم، ولا قوة تمنع عنهم عذاب الله أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ [الأحقاف: ٣٢] يعني: هؤلاء الأولياء ضَلُّوا عنهم، تاهوا فلا وجود لهم.
مُّبِينٍ [الأحقاف: ٣٢] محيط، كما يفعل التائه الذي ضلَّ طريقه، فيذهب إلى هنا ويذهب إلى هناك، فلا يهتدي للغاية التي يريدها.
ثم يعود السياق ويلفتهم إلى الآيات الكونية لعلهم يتدبرونها، لأنهم جحدوا وأنكروا ولم يستفيدوا بما خلقه اللهُ فيهم من وسائل الإدراك من سمع وبصر وتعقُّل، والحديث مرة أخرى عن الآيات الكونية وإظهارها لهم من باب تلوين العظات.
آية رقم ٣٣
الحق سبحانه هنا ذكر آية من أعظم آيات الخَلْق، وهي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ.. [الأحقاف: ٣٣] لذلك قال في موضع آخر: لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ.. [غافر: ٥٧].
فأتى بخَلْق السماوات والأرض ولم يذكر خَلْق الإنسان لأنها الآية الأكبر، وأين عمر الإنسان الذي يعيش عدة سنوات، أو حتى مائة سنة من عمر السماوات والأرض.
وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ.. [الأحقاف: ٣٣] لم يتعب تعالى اللهُ عن ذلك، كما قال في آية أخرى: وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ [ق: ٣٨] فمَنْ كانت هذه صفاته، وهذه آيات خلْقه، أليس بقادر على أنْ يُحيي الموتى؟
ويأتي الجواب (بلى) يعني: نعم قادر، وجاءت (بلى) هنا لإفادة الإثبات، لأن السؤال سؤالٌ منفيّ، والقاعدة أن نفيَ النفي إثباتٌ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأحقاف: ٣٣] تذييل يؤكد قدرة الله لا على إحياء الموتى فحسب، إنما قدرته تعالى على كل شيء.
فأتى بخَلْق السماوات والأرض ولم يذكر خَلْق الإنسان لأنها الآية الأكبر، وأين عمر الإنسان الذي يعيش عدة سنوات، أو حتى مائة سنة من عمر السماوات والأرض.
وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ.. [الأحقاف: ٣٣] لم يتعب تعالى اللهُ عن ذلك، كما قال في آية أخرى: وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ [ق: ٣٨] فمَنْ كانت هذه صفاته، وهذه آيات خلْقه، أليس بقادر على أنْ يُحيي الموتى؟
ويأتي الجواب (بلى) يعني: نعم قادر، وجاءت (بلى) هنا لإفادة الإثبات، لأن السؤال سؤالٌ منفيّ، والقاعدة أن نفيَ النفي إثباتٌ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأحقاف: ٣٣] تذييل يؤكد قدرة الله لا على إحياء الموتى فحسب، إنما قدرته تعالى على كل شيء.
آية رقم ٣٤
هذه لقطة أخرى لمسألة العرض على النار والعياذ بالله، فقبل هذه قال سبحانه: وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا.. [الأحقاف: ٢٠] فذكر لهم علة عَرْضهم على النار، وهي استنفاد الطيبات كلها في الدنيا، بحيث لم يبق لهم شيء في الآخرة.
لذلك قلنا: إن النعمة التى تشغل صاحبها عن المنعم هي في الحقيقة نقمة عليه ووبال، والنعمة حقيقة هي التي تُذكِّرك بالمنعم، لذلك علَّمنا سيدنا رسول الله حينما نرى نعمة عندنا أو عند غيرنا أن نقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله.
فترد الفضل إلى صاحبه وتبرىء نفسك من الغرور، ونسبة النعمة إلى نفسك، وأنها جاءت بفضل مهارتك وشطارتك، كما حصل من قارون فقال: إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ.. [القصص: ٧٨].
فكانت النتيجة: فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ.. [القصص: ٨١] وكأن الحق سبحانه يقول له: ما دُمْتَ أوتيته على علم عندك فاحرسه بعلم من عندك أيضاً.
وذكرنا قول عمر بن عبد العزيز: والله لو شئتُ أنْ أكون أطيبكم طعاماً، وأحسنكم لباساً لفعلتُ، ولكني أستبقي، لذلك قال تعالى: كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ [الحاقة: ٢٤].
إذن: من ذكر الجزاء واستحضر نعيم الآخرة هانتْ عليه مشقةٌ الطاعة في الدنيا، كالتلميذ الذي يذاكر ويسهر ويحرم نفسه لذة الراحة شَوْقا إلى لذَّةٍ أعظم هي لذة النجاح.
قوله تعالى: وَيَوْمَ يُعْرَضُ.. [الأحقاف: ٣٤] الخطاب هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. و(يوم) ظرف زمان يعني: اذكر يوم يُعرض الذين كفروا على النار وذكِّرهم به. وقُلْ لهم: أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ.. [الأحقاف: ٣٤] أي: الحق الذي كنتم تُكذِّبونه ها هو أصبح واقعاً.
وسبق أنْ بيَّنا أن العلم ثلاث مراحل: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، فالإخبار عن الآخرة وما فيها من ثواب وعقاب علم يقين، ثم حين نرى هذا الجزاء يصير عين اليقين، ثم حين نباشره ويدخل أهلُ الجنة الجنةَ وأهلُ النار النار يصير حقّ اليقين.
وهذه المراحل ذُكرتْ في موضعين في قوله تعالى: أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ * كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ [التكاثر: ١-٨].
أما حق اليقين فذُكِر في قوله تعالى: وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ [الواقعة: ٩٢-٩٦].
وقوله: قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَا.. [الأحقاف: ٣٤] هذا جوابهم على السؤال أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ.. [الأحقاف: ٣٤] والجواب بـ (بَلَى) هنا يعني نعم، لأن نفي النفي إثبات، نعم هذا هو الحق الذي كُنَّا نكذبه ولا يكفيهم الإقرارُ به، بل ويُقسمون أيضاً لتأكيد المسألة.
بَلَىٰ وَرَبِّنَا.. [الأحقاف: ٣٤] لأنهم عاينوه وباشروه، ثم يأتي الحكم النهائي فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ [الأحقاف: ٣٤] أي: بسبب كفركم.
لذلك قلنا: إن النعمة التى تشغل صاحبها عن المنعم هي في الحقيقة نقمة عليه ووبال، والنعمة حقيقة هي التي تُذكِّرك بالمنعم، لذلك علَّمنا سيدنا رسول الله حينما نرى نعمة عندنا أو عند غيرنا أن نقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله.
فترد الفضل إلى صاحبه وتبرىء نفسك من الغرور، ونسبة النعمة إلى نفسك، وأنها جاءت بفضل مهارتك وشطارتك، كما حصل من قارون فقال: إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ.. [القصص: ٧٨].
فكانت النتيجة: فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ.. [القصص: ٨١] وكأن الحق سبحانه يقول له: ما دُمْتَ أوتيته على علم عندك فاحرسه بعلم من عندك أيضاً.
وذكرنا قول عمر بن عبد العزيز: والله لو شئتُ أنْ أكون أطيبكم طعاماً، وأحسنكم لباساً لفعلتُ، ولكني أستبقي، لذلك قال تعالى: كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ [الحاقة: ٢٤].
إذن: من ذكر الجزاء واستحضر نعيم الآخرة هانتْ عليه مشقةٌ الطاعة في الدنيا، كالتلميذ الذي يذاكر ويسهر ويحرم نفسه لذة الراحة شَوْقا إلى لذَّةٍ أعظم هي لذة النجاح.
قوله تعالى: وَيَوْمَ يُعْرَضُ.. [الأحقاف: ٣٤] الخطاب هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. و(يوم) ظرف زمان يعني: اذكر يوم يُعرض الذين كفروا على النار وذكِّرهم به. وقُلْ لهم: أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ.. [الأحقاف: ٣٤] أي: الحق الذي كنتم تُكذِّبونه ها هو أصبح واقعاً.
وسبق أنْ بيَّنا أن العلم ثلاث مراحل: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، فالإخبار عن الآخرة وما فيها من ثواب وعقاب علم يقين، ثم حين نرى هذا الجزاء يصير عين اليقين، ثم حين نباشره ويدخل أهلُ الجنة الجنةَ وأهلُ النار النار يصير حقّ اليقين.
وهذه المراحل ذُكرتْ في موضعين في قوله تعالى: أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ * كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ [التكاثر: ١-٨].
أما حق اليقين فذُكِر في قوله تعالى: وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ [الواقعة: ٩٢-٩٦].
وقوله: قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَا.. [الأحقاف: ٣٤] هذا جوابهم على السؤال أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ.. [الأحقاف: ٣٤] والجواب بـ (بَلَى) هنا يعني نعم، لأن نفي النفي إثبات، نعم هذا هو الحق الذي كُنَّا نكذبه ولا يكفيهم الإقرارُ به، بل ويُقسمون أيضاً لتأكيد المسألة.
بَلَىٰ وَرَبِّنَا.. [الأحقاف: ٣٤] لأنهم عاينوه وباشروه، ثم يأتي الحكم النهائي فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ [الأحقاف: ٣٤] أي: بسبب كفركم.
آية رقم ٣٥
الخطاب هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، الحق سبحانه يُسلِّيه ويثبته ليتحمل الإيذاء من الكافرين، فليس هو بدعاً في ذلك، فقد سبقه كثير من إخوانه الرسل، فليصبر محمد كما صبروا.
تعرفون أن سيدنا رسول الله تعرَّض لكثير من أذى قومه، آذوه بالقول فقالوا: ساحر وشاعر ومجنون وكاهن وكذاب. ثم تعدّى الإيذاء إلى الإيذاء بالفعل، فاعتدوا عليه في الطائف حتى أدموا قدميْه، وكُسرت رباعيته في أُحد، ورموا على ظهره سلى البعير وهو يصلي.
آذوه في نفسه، وآذوه في أهله وفيمن آمن معه، بل تآمروا على قتله، وضيَّقوا عليه حتى اضطروه لترك مكة والهجرة إلى المدينة، والنبي صلى الله عليه وسلم يتحمل ذلك كله لكنه بشر ويشقّ عليه ذلك.
فأراد الحق سبحانه أنْ يضع أمامه أسوة ونموذجاً لمَنْ صبر من الرسل السابقين فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ.. [الأحقاف: ٣٥].
فسيدنا إبراهيم عليه السلام وصل الأمر به إلى أنْ أُلقِيَ في النار، ومع ذلك لم يُفقده الموقف ثقته بربه، بدليل أن جبريل عليه السلام لما عرض عليه أنْ يطفىء هذه النار قال له: أما إليك فلا فجاء الأمر من السماء يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء: ٦٩].
في صِغَره ابتُلي في نفسه، وفي كبره ابتُلي بذبح ولده الوحيد، وصبر على الابتلاء ففدى الله الذبيح إسماعيل، وزاده على ذلك بولد آخر هو سيدنا إسحاق ومن بعده سيدنا يعقوب، وكلهم كانوا أنبياء.
وجاء هذا العطاء نتيجة التسليم لله في قضائه وقدره والرضا به. ولنا في أبي الأنبياء أُسوة في الرضا بالقضاء، وأنْ نربي أجيالنا على ذلك، لأن التسليم والرضا بقضاء الله أول أسباب رفع القضاء، فلا يُرفع قضاء حتى يرضى صاحبه به، وإلا ظلَّ البلاء نازلاً به.
والذين يطول عليهم قضاء الله هم سبب ذلك، لأنهم في الواقع معترضون، ولو رضُوا لرفعه الله عنهم، مثل الأب الذي يضرب ولده على خطأ ارتكبه، فإنْ خضع وانصاع لوالده تركه، بل ويحنو عليه ويرضيه. فإن اعترض زاده ضرباً.
إذن: الله تعالى يريد أنْ يُربي عبده بالابتلاء، لذلك ورد في الحديث القدسي: كذلك من أولي العزم سيدنا نوح عليه السلام وظل يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، ومع ذلك ما آمن معه إلا قليل وكانوا يضربونه حتى يُغمى عليه.
انظر إلى الابتلاءات التي مر بها سيدنا يوسف، ففي صِغَره أُلقيَ في الجُبِّ، وبيع رقيقاً، وفي كبره ابتُليَ بامرأة العزيز وألقي في السجن، لكنه صبر فمكَّن الله له وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ.. [يوسف: ٥٦].
وسبق أنْ بيَّنا أن الأقدار لا تخلو من حكمة، وأن الحدث لا ينفصل عن فاعله، فقبل أنْ تعترض انظر من الفاعل. والنبي صلى الله عليه وسلم حين يتأمل مواكب إخوانه من الرسل السابقين وما تعرضوا له يهون عليه إيذاء قومه، ويكون ذلك تسلية له.
وقوله تعالى: وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ.. [الأحقاف: ٣٥] يعني: لا تستعجل عذابهم، خاصة وأنهم كانوا يستعجلون العذاب جهلاً وعناداً منهم، لذلك خاطبه ربه بقوله: فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [غافر: ٧٧] يعني: إنْ مُت يا محمد قبل أنْ ترى انتقام الله منهم فموعدهم الآخرة.
وقوله: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ.. [الأحاقف: ٣٥] يعني: يوم القيامة لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ.. [الأحقاف: ٣٥] يعني: تمر مرحلة البرزخ كأنها ساعة من نهار، فمنذ مات سيدنا آدم وإلى أنْ تقوم الساعة وهو لا يشعر بهذا الوقت، وما هو بالنسبة له إلا ساعة من نهار، لأن الوقت كما قلنا فرعُ الحدث، فإذا لم يوجد الحدث لا يوجد الوقت، كما عند النائم مثلاً.
وهذا رأيناه في قصة أهل الكهف، فقد ألقى اللهُ عليهم النوم فناموا ثَلاثَ مِاْئَةٍ سِنِينَ وَٱزْدَادُواْ تِسْعاً [الكهف: ٢٥] ومع ذلك لمَّا قاموا قالوا: لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ.. [الكهف: ١٩] لماذا لانعدام الأحداث التي تشعر بالزمن، إذن: لا تستعجل لهم العذاب لأنها مجردُ ساعة مهما طال الزمنُ.
وتعرفون قصة العُزير أَوْ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِئَةَ عَامٍ.. [البقرة: ٢٥٩].
وقوله سبحانه: بَلاَغٌ.. [الأحقاف: ٣٥] البلاغ: هو الوصول للغاية يقول تعالى: هَـٰذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ.. [إبراهيم: ٥٢] يعني: نهاية ما يمكن أن أعظكم به.
وما دام قال سبحانه (هذا) إذن: لا بد أن يحدث ولا يمنعه شيء لأنه إله واحد لا شريك له ولا معارض فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْفَاسِقُونَ [الأحقاف: ٣٥].
الفسق: الخروج عن الطاعة، وهو سبب الهلاك في الآخرة أو حتى في الدنيا.
تعرفون أن سيدنا رسول الله تعرَّض لكثير من أذى قومه، آذوه بالقول فقالوا: ساحر وشاعر ومجنون وكاهن وكذاب. ثم تعدّى الإيذاء إلى الإيذاء بالفعل، فاعتدوا عليه في الطائف حتى أدموا قدميْه، وكُسرت رباعيته في أُحد، ورموا على ظهره سلى البعير وهو يصلي.
آذوه في نفسه، وآذوه في أهله وفيمن آمن معه، بل تآمروا على قتله، وضيَّقوا عليه حتى اضطروه لترك مكة والهجرة إلى المدينة، والنبي صلى الله عليه وسلم يتحمل ذلك كله لكنه بشر ويشقّ عليه ذلك.
فأراد الحق سبحانه أنْ يضع أمامه أسوة ونموذجاً لمَنْ صبر من الرسل السابقين فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ.. [الأحقاف: ٣٥].
فسيدنا إبراهيم عليه السلام وصل الأمر به إلى أنْ أُلقِيَ في النار، ومع ذلك لم يُفقده الموقف ثقته بربه، بدليل أن جبريل عليه السلام لما عرض عليه أنْ يطفىء هذه النار قال له: أما إليك فلا فجاء الأمر من السماء يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء: ٦٩].
في صِغَره ابتُلي في نفسه، وفي كبره ابتُلي بذبح ولده الوحيد، وصبر على الابتلاء ففدى الله الذبيح إسماعيل، وزاده على ذلك بولد آخر هو سيدنا إسحاق ومن بعده سيدنا يعقوب، وكلهم كانوا أنبياء.
وجاء هذا العطاء نتيجة التسليم لله في قضائه وقدره والرضا به. ولنا في أبي الأنبياء أُسوة في الرضا بالقضاء، وأنْ نربي أجيالنا على ذلك، لأن التسليم والرضا بقضاء الله أول أسباب رفع القضاء، فلا يُرفع قضاء حتى يرضى صاحبه به، وإلا ظلَّ البلاء نازلاً به.
والذين يطول عليهم قضاء الله هم سبب ذلك، لأنهم في الواقع معترضون، ولو رضُوا لرفعه الله عنهم، مثل الأب الذي يضرب ولده على خطأ ارتكبه، فإنْ خضع وانصاع لوالده تركه، بل ويحنو عليه ويرضيه. فإن اعترض زاده ضرباً.
إذن: الله تعالى يريد أنْ يُربي عبده بالابتلاء، لذلك ورد في الحديث القدسي: كذلك من أولي العزم سيدنا نوح عليه السلام وظل يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، ومع ذلك ما آمن معه إلا قليل وكانوا يضربونه حتى يُغمى عليه.
انظر إلى الابتلاءات التي مر بها سيدنا يوسف، ففي صِغَره أُلقيَ في الجُبِّ، وبيع رقيقاً، وفي كبره ابتُليَ بامرأة العزيز وألقي في السجن، لكنه صبر فمكَّن الله له وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ.. [يوسف: ٥٦].
وسبق أنْ بيَّنا أن الأقدار لا تخلو من حكمة، وأن الحدث لا ينفصل عن فاعله، فقبل أنْ تعترض انظر من الفاعل. والنبي صلى الله عليه وسلم حين يتأمل مواكب إخوانه من الرسل السابقين وما تعرضوا له يهون عليه إيذاء قومه، ويكون ذلك تسلية له.
وقوله تعالى: وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ.. [الأحقاف: ٣٥] يعني: لا تستعجل عذابهم، خاصة وأنهم كانوا يستعجلون العذاب جهلاً وعناداً منهم، لذلك خاطبه ربه بقوله: فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [غافر: ٧٧] يعني: إنْ مُت يا محمد قبل أنْ ترى انتقام الله منهم فموعدهم الآخرة.
وقوله: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ.. [الأحاقف: ٣٥] يعني: يوم القيامة لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ.. [الأحقاف: ٣٥] يعني: تمر مرحلة البرزخ كأنها ساعة من نهار، فمنذ مات سيدنا آدم وإلى أنْ تقوم الساعة وهو لا يشعر بهذا الوقت، وما هو بالنسبة له إلا ساعة من نهار، لأن الوقت كما قلنا فرعُ الحدث، فإذا لم يوجد الحدث لا يوجد الوقت، كما عند النائم مثلاً.
وهذا رأيناه في قصة أهل الكهف، فقد ألقى اللهُ عليهم النوم فناموا ثَلاثَ مِاْئَةٍ سِنِينَ وَٱزْدَادُواْ تِسْعاً [الكهف: ٢٥] ومع ذلك لمَّا قاموا قالوا: لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ.. [الكهف: ١٩] لماذا لانعدام الأحداث التي تشعر بالزمن، إذن: لا تستعجل لهم العذاب لأنها مجردُ ساعة مهما طال الزمنُ.
وتعرفون قصة العُزير أَوْ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِئَةَ عَامٍ.. [البقرة: ٢٥٩].
وقوله سبحانه: بَلاَغٌ.. [الأحقاف: ٣٥] البلاغ: هو الوصول للغاية يقول تعالى: هَـٰذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ.. [إبراهيم: ٥٢] يعني: نهاية ما يمكن أن أعظكم به.
وما دام قال سبحانه (هذا) إذن: لا بد أن يحدث ولا يمنعه شيء لأنه إله واحد لا شريك له ولا معارض فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْفَاسِقُونَ [الأحقاف: ٣٥].
الفسق: الخروج عن الطاعة، وهو سبب الهلاك في الآخرة أو حتى في الدنيا.
تقدم القراءة
تم عرض جميع الآيات
35 مقطع من التفسير