تفسير سورة سورة المزمل

محمد علي بن الشيخ جميل الصابوني الحلبي

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
أحكام القرآن
البيهقي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
نيل المرام من تفسير آيات الأحكام
صديق حسن خان
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير آيات الأحكام للسايس
محمد علي السايس
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني
أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
روائع البيان في تفسير آيات الأحكام
محمد علي الصابوني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
مكي بن أبي طالب
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

روائع البيان في تفسير آيات الأحكام

محمد علي بن الشيخ جميل الصابوني الحلبي

آية رقم ١
سورة المزمل
[ ١ ] تلاوة القرآن
التحليل اللفظي
﴿ المزمل ﴾ : قال اللغويّون :« المزّمل » الملتف في ثيابه، وأصله ( المتزمّل ) فأدغمت التاء في الزّاي فثقّلت، وكل من التفّ بثوبه فقد تزمّل قال امرؤ القيس :
كأنّ أبانا في أفَانينِ وَدْقِهِ كبيرُ أُناسٍ في بجَادٍ مزمّل
وقال ذو الرمّة : ومن نائمٍ عن ليلها متزمّل.
﴿ وَرَتِّلِ القرآن ﴾ : قال الزجّاج : رتّل القرآن ترتيلاً : بيّنه تبيناً، والتبيين لا يتم إلاّ بإظهار جميع الحروف، وتوفيتها حقها من الإشباع.
وقال المبرّد : أصله من قولهم : ثغر رتل إذا كان بين الثنايا افتراق ليس بالكثير، وقال الليث : الترتيل تنسيق الشيء، وثغر رتل : حسن التنضيد.
ومعنى الآية : اقرأ القرآن على تُؤدة، وتمهّل، وتبيين حروف، مع تدبر المعاني.
﴿ إِنَّ نَاشِئَةَ الليل ﴾ : أوقات الليل وساعاته، سميت بذلك لأنها تنشأ شيئاً بعد شيء، يقال : نشأ السحاب إذا ابتدأ، فناشئة ( فاعلة ) من نشأت تنشأ فهي ناشئة، والمراد ساعات الليل الناشئة، فاكتفى بالوصف ع الاسم.
وقال الزمخشري : ناشئة الليل : النفس الناشئة بالليل، التي تنشأ من مضجعها إلى العبادة أي تنهض، وأنشد ابن السكيت :
فلمّا أن تَنَشّأ قام خِرْق من الفتيان مختَلَق هضوم
﴿ أَشَدُّ وَطْأً ﴾ : أي أثقلُ على المصلي من ساعات النهار، من قول العرب : اشتدت علينا وطأةُ السلطان، إذا ثقل عليهم ما حمَّلهم من المؤن وفي الحديث :« اللهمّ اشدُدْ وطأتك على مُضَر » فالليل وقت النوم والراحة، فمن شغله بالعبادة فقد تحمل المشقة العظيمة.
والمعنى : إن قيام الليل للعبادة، وقضاء ساعاته في الطاعة، أشدّ ثقلاً على النفس، وأرجى عند الله وأقوم.
﴿ وَأَقْوَمُ قِيلاً ﴾ : أي أشدّ استقامة واستمراراً، وأكثر استقامة على نهج الحق والصواب، لأن الليل تهدأ فيه الأصوات، وتنقطع فيه الحركات فتخلص فيه القراءة، ويفرغ القلب لفهم التلاوة، فلا يكون دون تسمعه وتفهمه حائل.
﴿ سَبْحَاً ﴾ : قال المبرّد : سبحاً أي تقلباً وتصرفاً في المهمّات كما يتردّد السابح في الماء قال الشاعر :
أباحوا لكم شرقَ البلاد وغربَها ففيها لكم يا صَاحِ سبْحٌ من السّبْح
قال في « اللسان » : السّبْح : الفراغ وفي التنزيل ﴿ سَبْحَاً طَوِيلاً ﴾ إنما يعني به فراغاً طويلاً وتصرفاً، وقيل : معناه : لك في النهار ما تقضي حوائجك.
وقال الزجاج : إن فاتك من الليل شيء من النوم والراحة، فلك في النهار فراغ فاصرفه إليه.
وقال ابن عباس : لك في النهار فراغ لنومك وراحتك، فاجعل ناشئة الليل لعبادتك.
﴿ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً ﴾ : التبتّل الانقطاع إلى العبادة، ومنه قيل لمريم عليها السلام ( البتول ) لأنها انقطعت إلى الله تعالى في العبادة، وأصل البتل : القطع، ويقال للراهب ( متبتّل ) لانقطاعه عن الناس، وانفراده بالعبادة قال امرؤ القيس :
— 606 —
﴿ هَجْراً جَمِيلاً ﴾ : أي لا تتعرض لهم، وجانبهم ولا تقابلهم بمثل إساءتهم.
المعنى الإجمالي
يقول الله تعالى ما معناه مخاطباً نبيّه الكريم : يا أيها المتزمّل المتلفّف في ثيابه، قم للأمر العظيم الذي ينتظرك، قم للجهد والنصب، والكدّ والتعب، فقد مضى وقت الراحة، قم فشمّر عن ساعد الجد، وأحي الليل كلّه أو نصفه أو أقل قليلاً، بالصلاة والتضرع، والعبادة والتخشع، لتستعد لنفحاتنا القدسيّة، لأننا سنوحي إليك بهذا القرآن العظيم، الثقيل في الوزن العظيم في الأجر، الرصين في الجزالة والتعبير، فاقرأه بتدبر وتبصر في قيامك بالليل، ورتّله على مهل بخشوع وإنابة فإن قيام الليل بالصلاة، وقضاء ساعاته في الطاعة، أشدّ ثقلاً على النفس، وأرجى للقبول عند الله.
ولك يا محمد في النهار تقلباً طويلاً من مهامّك، فاجعل ناشئة الليل لعبادتك، واذكر اسم ربك لتستمدّ قوّتك منه، وانقطع لعبادته ولا تتوجّه لأحد سواه، فهو الناصر والمعين، وهو رب العزّة، ذو الجلال والإكرام الذي لا يخيب من التجأ إليه، فاجعله وكيلاً لك في جميع الأمور.
واصبر يا محمد على تكذيب قومك لك، وعن صدودهم وإعراضهم عن دعوتك، ولا تتعرضّ لهم ولا تقابلهم بمثل إساءتهم، واهجرهم بالحسنى حتى يجعل الله لك من أمرك فرجاً ومخرجاً، بالنصر عليهم ونصر الله قريب.
وجوه القراءات
١- قرأ الجمهور ﴿ يا أيها المزَّمّل ﴾ بتشديد الزاي والميم، وقرأ أبَيّ بن كعب وأبو العالية ﴿ المتزمّل ﴾ بإظهار التاء على الأصل.
٢- قرأ الجمهور ﴿ هي أشدّ وَطْاً ﴾ وقرأ ابن عامر وأبو عمرو ﴿ وِطاءً ﴾ بكسر الواو مع المدّ وقرأ ابن محيصن ﴿ أشدّ وَطَاءً ﴾ بفتح الواو، والطاء، وبالمدّ.
وجوه الإعراب
١- قوله تعالى :﴿ ياأيها المزمل * قُمِ اليل إِلاَّ قَلِيلاً ﴾. ( المزمّلُ ) صفة ل ( أيّ ) قال ابن مالك : وأيّها مصحوبَ ( أل ) بعدُ صفة. و ( نصفَه ) بدل من الليل، بدل بعضٍ من كلّ.
قال الزمخشري :( نصفَه ) بدل من الليل، و ( إلاّ قليلاً ) استثناء من النصف، كأنه قال : قم أقل من نصف الليل، والضمير في ( منه ) يعود للنصف.
٢- قوله تعالى :( أشدّ وطأ ) لفظ ( أشدّ ) خبر المبتدأ، و ( وطأ ) تمييز، وجملة ( هي أشدُّ وطأً ) خبر ( إنَّ ).
٣- قوله تعالى :﴿ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً ﴾ تبتّلْ : أمر و ( تبتيلاً ) مفعول مطلق وهو غير جارٍ على فعله، والأصل فيه أن يُقال ( تبتّلاً ) ولأن وزن ( تفعيل ) إنما تجيء في مصدر ( فعَّل ) كقولهم : رتَل ترتيلاً، وأما وزن ( تفعّل ) فيأتي المصدر ( تفعّلا ) إلا أنهم قد يُجرون المصدر على غير فعله كقول الشاعر :
تضيءُ الظّلامَ بالعشَاء كأنها مَنَارة مُمْسى راهبٍ متبتّل
وخير الأمر ما استقبلتَ منه وليس بأن تتّبعَه اتّباعاً
فأجرى اتباعاً مصدراً على ( تتبّع ) والقياس ( تتبّعاً ) والشواهد على هذه كثيرة.
لطائف التفسير
اللطيفة الأولى : الحكمة في ندائه ﷺ بوصف التزمل هو إرادة ( الملاطفة والإيناس ) على نحو ما كان عليه العرب في مخاطباتهم من اشتقاق اسم للمخاطب من صفته التي هو عليها كقول النبي ﷺ لعلي كرّم الله وجهه، لمّا غاضب فاطمة وذهب إلى المسجد فنام فيه - وكان قد لصق بجنبه التراب- : قم أبا تراب، قم أبا تراب، للمؤانسة والملاطفة.
— 607 —
اللطيفة الثانية : سبب التزمل ما روي في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال :
« جاورتُ بحراء فلمّا قضيتُ جواري هبطت فنوديت، فنظرتُ عن يميني فلم أر شيئاً، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئاً، ونظرتُ خلفي فلم أر شيئاً، فرفعت رأسي فإذا الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فجُثثْتُ ( فزعت ) منه رعباً فرجعت فقلت : زمّلوني زمّلوني، فأنزل الله ﴿ ياأيها المدثر ﴾ [ المدثر : ١ ] و ﴿ ياأيها المزمل ﴾ ».
فسببُ التزمل هو ما عراه ﷺ من الرعب والفزع من رؤية الملك على صورته الملكيّة.
اللطيفة الثالثة : ذكر الله تعالى في كتابه العزيز ثلاثة أشياء وصفها ب ( الجميل ) وأمر بها نبيّه ﷺ وهي : قوله تعالى :﴿ فاصبر صَبْراً جَمِيلاً ﴾ [ المعارج : ٥ ]... ﴿ واهجرهم هَجْراً جَمِيلاً ﴾... ﴿ فاصفح الصفح الجميل ﴾ [ الحجر : ٨٥ ].
فالصبرُ الجميل الصبرُ الذي لا شكوى معه.
والهجرُ الجميل الهجرُ الذي لا أذيّة معه.
والصفح الجميل الصفحُ الذي لا عتاب معه.
اللطيفة الرابعة :« في الصحيح أنه ﷺ كان يقوم الليل حتى تفطرت قدماه، فقالت له السيّدة عائشة : أتفعل هذا بنفسك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فقال لها عليه السلام : أفلا أكونُ عبداً شكوراً » !! فصلوات ربي وسلامه على نبيّه المصطفى وحبيبه المجتبى.
الأحكام الشرعية
الحكم الأول : هل قيام الليل كان فريضة على الرسول ﷺ ؟
ظاهر قوله تعالى :﴿ قُمِ اليل إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ أن التهجد كان فريضة عليه ﷺ وأنّ فرضيته كانت خاصة به، وممّا يدل عليه قوله تعالى في سورة الإسراء [ ٧٩ ] ﴿ وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ ﴾ فإنّ قوله :﴿ نَافِلَةً لَّكَ ﴾ بعد الأمر بالتهجد ظاهر في أن الوجوب من خصائصه ﷺ وليس معنى النافلة في هذه الآية ما يجوز فعله وتركه، فإنه على هذا الوجه لا يكون خاصاً به ﷺ، بل معنى كونه التهجد نافلة له أنه شيء زائد على ما هو مفروض على سائر الأمة.
وقد كان المؤمنون يصلون مع الرسول ﷺ حتى ورمت أقدامهم وسوقهم من القيام، فنسخ الله تعالى ذلك بقوله في آخر السورة :﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ ﴾ [ المزمل : ٢٠ ] إلى قوله :﴿ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرآن ﴾ [ المزمل : ٢٠ ] الآية.
قال ابن عباس : وكان بين أول هذا الإيجاب وبين نسخه سنة.
— 608 —
وقال جماعة من المفسّرين : ليس في القرآن سورة نسخَ آخرُها أوّلَها سوى هذه الآية.
الحكم الثاني : هل تجوز قراءة القرآن بالتلحين؟
أمر الله جلّ ثناؤه بترتيل القرآن ﴿ وَرَتِّلِ القرآن تَرْتِيلاً ﴾ أي اقرأه على تؤده وتمهل وتبين حروف، بحيث يتمكن السامع من استيعابه وتدبر معانيه.
ولا خلاف بين العلماء أن قراءة القرآن بالترتيل بمعنى التجويد، وهو تبيين الحروف، وتحسين المخارج، وإظهار المقاطع حسن مطلوب، إنما الكلام في التغنّي به وتلحينه هل هو جائز أم ممنوع؟
وقد اختلفت فيه آراء الأئمة الفقهاء، تبعاً لاختلاف الصحابة والتابعين، ونحن نذكر مذاهبهم مع أدلة كلّ فريق بشيء من التفصيل، فنقول ومن الله نستمدّ العون :
مذاهب الفقهاء في القراءة بالتلحين :
أولاً : مذهب ( المالكية والحنابلة ) : كراهة القراءة بالتلحين، وهو منقول عن ( أنس بن مالك ) و ( سعيد بن المسيّب ) و ( سعيد بن جبير ) و ( القاسم بن محمد ) و ( الحسن البصري ) و ( إبراهيم النخعي ) و ( ابن سيرين ).
ثانياً : مذهب ( الحنفيّة والشافعية ) : جواز القراءة بالتلحين، وهو منقول عن :( عمر بن الخطاب ) و ( ابن عباس ) و ( ابن مسعود ) و ( عبد الرحمن بن الأسود بن زيد ) وقد ذهب إليه من المفسرين ( أبو جعفر الطبري ) و ( أبو بكر بن العربي ).
أدلة المذهب الأول :
أ- حديث :« أقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتهم، وإيّاكم ولحونَ أهل الكتاب والفسق، فإنه يجيءُ من بعدي أقوام يرجّعُون بالقرآن ترجّع الغناء والنوح، لا يجاوز حناجرهُمْ، مفتونةٌ قلوبُهم وقلوبُ الذين يعجبهم شأنُهم ».
فقد نعى عليه السلام على من يرجّع بالقرآن ترجيع الغناء والنوح على نحو ما يفعله أكثر قرّاء هذا العصر.
ب- حديث :« يتخذون القرآن مزامير، يقدّمون أحدهم ليس بأقرئهم ولا أفضلهم ليغنّيَهم غناءً ».
ج - حديث :« إنّ الأذانَ سهلٌ سمحٌ، فإن كان أذانُك سهلاً سمحاً وإلاَّ فلا تؤذّن » قالوا : فقد كره النبي ﷺ أن يطرب المؤذن في أذانه، فدلّ ذلك على أنه يكره التطريب في القراءة بطريق الأولى.
د- وقالوا أيضاً : إن التغنّي والتطريب يؤدي إلى أن يزاد على القرآن ما ليس منه، وذلك لأنه يقتضي مدّ ما ليس بممدود، وهمز ما ليس بمهموز، وجعل الحرف الواحد حروفاً كثيرة وهو لا يجوز، هذا إلى أن التلحين من شأنه أن يلهي النفوس بنغمات الصوت، ويصرفها عن الاعتبار والتدبر لمعاني القرآن الكريم.
وقد سئل ( مالك ) عن الألحان في الصلاة فقال : لا تعجبني، وقال : إنما هو غناء يتغنّون به ليأخذوا عليه الدراهم.
وروي عن الإمام ( أحمد ) أنه كان يقول : قراءة الألحان ما تعجبني، والقراءة بها بدعة لا تسمع.
وسئل : ما تقول في القراءة بالألحان؟ فقال للسائل : ما اسمك؟ قال : محمد، قال له : أيسرّك أن يقال لك : يا موحامد ممدوداً؟
أدلة المذهب الثاني :
واستدل المجيزون للقراءة بالتلحين وهم ( الحنفية والشافعية ) بأدلة نوجزها فيما يلي :
أ- حديث :
— 609 —
« زينوا القرآن بأصواتكم ».
ب- حديث :« ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن ».
ج - حديث عبد الله بن مغفّل قال :( لقد أعطيتَ مزماراً من مزامير آل داود ) فقال له أبو موسى :( لو علمت أنك تسمع لحبّرته لك تحبيراً ).
ه - حديث :« ما أذِنَ الله لشيء أذنَه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن ».
و- وقالوا أيضاً : إنّ الترنّم بالقرآن والتطريب بقراءته من شأنه أن يبعث على الاستماع والإصغاء، وهو أوقع في النفس، وأنفذ في القلب وأبلغ في التأثير.
وقد روى الطبري : عن عمر بن الخطاب أنه كان يقول لأبي موسى الأشعري : ذكّرنا ربنا، فيقرأ أبو موسى ويتلاحن فيقول عمر : من استطاع أن يتغنى بالقرآن غناء أبي موسى فليفعل.
وكان ابن مسعود : تعجبه قراءة ( علقمة الأسود ) - وكان حسن الصوت - فكان يقرأ له علقمة، فإذا فرغ قال له : زدني فداك أبي وأمي.
هذه خلاصة موجزة لأدلة الفريقين، وأنت إذا أمعنت النظر وجدت أن الخلاف بينهم يكان يكون ( شكلياً ) لا ( جوهرياً ) فالفقهاء جميعاً متفقون على حرمة قراءة القرآن بالأنغام، التي لا تراعى فيها أحكام التجويد، كمدّ المقصور، وقصر الممدود، وترقيق المفخّم، وتفخيم المرقق، وإظهار ما ينبغي إدغامه، وإخفاء ما ينبغي إظهاره... إلخ، والتي يكون الغرض منها ( التطريب ) وإظهار جمال الصوت فحسب دون تقيّد بالأحكام وآداب التلاوة، كما يفعله بعض الجهلة من قراء هذا العصر، فإن هذا لا يشك أحد في تحريمه.
أما إذا كان المراد ب ( التلحين ) هو تحسين الصوت بالقراءة وإخراج الحروف سليمة من مخارجها، دون تعقر أو تمطيط، مع تطبيق أحكام التجويد ومراعاة الوقوف والمدود فإن هذا لا يقول أحد بتحريمه، لأن الصوت الحسن يزيد في جمال القرآن، وله أثر في نفس الإنسان، وقد استمع النبي ﷺ إلى قراءة بعض أصحابه، فأعجب بحسن صوته حتى قال لأبي موسى الأشعري :« لقد أعطيتَ مزماراً من مزامير آل داود » والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
تمّ بعونه تعالى الجزء الثاني من كتاب « روائع البيان » وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
— 610 —
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

1 مقطع من التفسير