وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا تنبيهاً أنه يراعيهم بالعناية،
إن قيل: لم قال: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ولم يقل: " مع المصلين " وقال في أخرى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ فاعتبر الصلاة دون الصبر؟ قيل:
لما كان فعل الصابرين أشرف وأعلى من الصبر، إذ قد ينفك الصبر من الصلاة ولا تنفك الصلاة من الصبر ذكر ههنا الصابرين، فمعلوم أنه تعالى إذا كان مع الصابر، كان لا محالة مع المصلي أكثر ثم قال: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ فذكر الصلاة دون الصبر تنبيها أنها أشرف منزلة من الصبر فقد ترك توفية حق الصلاة من تصبر في كثير من الأحوال.
قوله - عز وجل -:
وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ
الآية (١٥٤) - سورة البقرة.
قد تقدم أن الحياة تقال على أوجه، وكل واحدة يقابلها موت، الأول: في القوة النامية التي بها الغذاء والشهوة إليها، وذلك موجود في النبات والحيوان والإنسان، ولذلك يقال: نبات حي، والثاني في القوة الحساسة التي بها الحركة المكانية وهي موجودة في الحيوان والإنسان دون النبات، والثالث القوة العاملة العاقلة [وبها يكون العقل والعلم] وهي في الإنسان دون
الحيوانات والنبات وبها يتعلق التكليف، وقد يقال للعلم المستفاد الحقيقي، والعمل الصالح حياة، وعلى ذلك قوله تعالى: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وقيل: " المحسن حي وإن كان في دار الأموات، والمسيء ميت وإن كان في دار الأحياء "، ونرجع إلى معنى الآية فنقول: إن بعض المعتزلة لم يعتبر في ذلك تفصيلاً، وقال عني: بإثبات الحياة ونفى الموت عن الشهداء يوم الحساب، لا في الحال قالا ولا اختصاص لهم، بل إنما علق الحكم بهم، لأنه في ذكرهم، ولو ذكر معهم غيرهم
لذكرهم بحكمهم واستجهل من قال إذ! م أحياء وقال: قد علم أن رسول الله - ﷺ - والشهداء في
قبورهم، وهم لا يأكلون ولا يشربون، واستجهاله لن خالفه هو لأنه فرغ إلى الحس الذي قد نفى الله تبارك وتعالى بقوله: وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ أي: لا تحسون ولا تدركون ذلك بالمشاعر أي الحواس تنبيهاً أن ذلك مما السبيل إلى معرفته الفرق إلى العقول وإلى الاعتبارات الصحيحة [دون الحواس] وإما علي طريقة غيرهم فمعلوم، وقد أجمعوا على أنه لا يثبت لهم الحياة التي بها النمو والغذاء ولا الحياة التي بها الحس، فإن فقدانهما عن الميت محسوس ومعقول، فبعض المفسرين اعتبر المعنى الآخر الذي هو العلم المستفاد والعمل الصالح، فقال: إن الله تعالى نهى أن يسمى الشهداء أمواتا في حكم الدين، فقال: لا تقولوا لهم ما قال المشركون، ولكن قولوا هم أحياء في الدين، وهذا صحيح...
وبعضهم اعتبر الحياة المختصة بالإنسان، وقال: إن هذه الحياة مختصة بالقوة المروية المسماة تارة الروح، وتارة النفس، وتارة النسمة قال: والموت المشاهد هو مفارقة هذه القوة أي الروح البدن، فمتى كان الإنسان محسناً كان منعماً بروحه، [مسروراً بمكانه] إلى يوم القيامة، وإن كان مسيئا كان به معذباً، وإن الحسن يعلم في بذلك بعد موته، وإلى هذا ذهب الحكماء ودلوا عليه بالبراهين
والأدلة وهو مذهب أصحاب الحديث، ويدل على صحته الأخبار والآيات المروية عن النبي - ﷺ -، بل إليه ذهب عادة أصحاب الملل كلها ولم يخالفهم إلا جماعة من المعتزلة، حيث جعلوا الأنواع أعراضاً لا قوام لها إلا بالأجسام، وأنها مهما فارقت الأجسام بطلت، ومما دل على صحة ذلك قوله عليه السلام: " الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف " وما روى أمير المؤمنين علي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: " فإن الله خلق الأرواح قبل الأجساد بألفى عاماً، إن الروح في قناديل معلقة تحت العرش "، وقال في أرواح الشهداء ما عرفت وما روي عنه- عليه السلام- " إن الميت ليرد على جماعة من الأموات، فلا يزالون يسألونه عن معارفهم وجيرانهم، وهو يخبرهم ويصف لهم حتى يجري ذكر الرجل " فيقول ة قد مات قبلي بمدة، فيقولون: إنا لله، سفُل به، وإن كان من الصالحين قالوا: على به ومعلوم أنه لم يرد عليهم بالأشباح، وإنما ذلك الإلقاء بالأرواح وروي أنه لما قتل [من قتل] من صناديد قريش يوم بدر، فجمعت جثثهم في قليب، ثم أقبل النبي - ﷺ -، فخاطبهم بقوله: " هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً "، قيل: يا رسول الله: أتخاطب جيفاً؟
فقال: [ما أنتم بأسمع منهم ولكنهم لا يقدرون على الجواب] وما روي أنه قال: " رأيت نسمة
تفسير الراغب الأصفهاني
أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى
هند بنت محمد سردار