ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫ

في هذه الحصة من سورة البقرة، يتولى الحق سبحانه وتعالى تنظيم حياة المسلمين أفرادا وجماعات، ويصدر إليهم أحكاما خالدة قاطعة في عدة شؤون من العبادات والمعاملات.
ففيها آيات عن الصيام وعن الاعتكاف من جهة، وفيها آيات عن طريقة كسب المال وعن وجوه إنفاقه وصاحبه لا يزال على قيد الحياة، وعن الوصية به لمن ينتفع به بعد الموت، وعن القصاص وحكمته، وعن رشوة الحكام لصالح المحكومين.
أما طريقة كسب المال الحلال، فتنحصر في كسبه بالحق لا بالباطل، أي عن طريق الكسب المشروع الذي ارتضاه الشارع وأقرته حكمة التشريع، مقابل منفعة محققة يجنيها كلا الطرفين، على أن يتم ذلك عن طيب نفس، لا عن إكراه أو اضطرار أو إحراج، وكل كسب لم تتوفر فيه هذه الشروط وما ناسبها فهو كسب حرام، وذلك قوله تعالى : وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ أي لا يأكل بعضكم مال بعض دون سبب مشروع، والتعبير هنا بكلمة ( أموالكم ) جاء على غرار التعبير الوارد في قوله تعالى : وَلاَ تَقتُلُوا أَنفُسَكُم وقوله تعالى في سورة النور : فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُم بمعنى : لا يقتل بعضكم بعضا، وليسلم بعضكم على بعض.
وهذا التعبير القرآني إنما جاء متشابها في هذه الآيات الكريمة كلها حكمة ومغزى، وكأنه يلفت نظر المسلمين إلى ما يجب أن يكونوا عليه من الامتزاج والاندماج فيما بينهم، حتى يكونوا أسرة واحدة، بل ذاتا واحدة.
فمن أكل مال أخيه المسلم بالباطل فقد أكل مال نفسه في حقيقة الأمر، ومن اعتدى على أخيه المسلم بالقتل فقد اعتدى على نفسه قبل الغير، كما أن من سلم على أخيه المسلم فقد سلم في الحقيقة على نفسه، لأن المجتمع الإسلامي لا يكون ( إسلاميا ) إلا إذا كان مجتمعا قائما على التضامن والتكافل والتعاون والتآخي التام، بحيث لا يسيء أي فرد من أفراده إلى الباقين.
أما إذا أساء المسلم إلى إخوانه، واعتدى على حقوقهم، وألحق الأذى بمصالحهم، فإنه يفتح الباب على مصراعيه-بحكم التقليد والعدوى وغريزة الانتقام-ليسيئوا بدورهم إليه، وليعتدوا على حقوقه، وليلحقوا أكبر الأذى بمصالحه، جزءا وفاقا، وهكذا يصدق عليه المثل العربي الشهير : " على نفسها جنت براقش ".
وختمت آيات هذا الربع من القرآن الكريم باستنكار الرشوة والنهي عنها، والتحذير من أكل أموال الناس عن طريقها، والتنبيه إلى الإثم البالغ الذي يقع فيه الراشي والمرتشي من المحكومين والحكام، وذلك قوله تعالى : وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ( ١٨٨ ) . عطفا على قوله تعالى : وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ .
وهكذا وقفت توجيهات القرآن الكريم، وتعاليمه السامية، تؤيد الحق ضد الباطل، وتنصر العدل ضد الظلم، وتضع حدا للأنانية والطمع في جميع المجالات، ولاسيما مجال العلاقات الاجتماعية وما تقوم عليه من المعاملات.

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير