ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫ

المالكية الصوم شرطا مطلقا، وشرطه الحنفية في الصوم المنذور فقط دون غيره من التطوع، ودليل المشترطين
حديث ضعيف رواه الدارقطني والبيهقي وهو: «لا اعتكاف إلا بصوم».
وليس للمعتكف أن يخرج من معتكفه إلا لما لا بدّ له منه، لما
روى الأئمة عن عائشة قالت: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا اعتكف يدني إليّ رأسه فأرجّله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان»
تريد الغائط والبول.
واستحب مالك وأحمد لمن اعتكف العشر الأواخر من رمضان أن يبيت ليلة الفطر في المسجد، حتى يغدو منه إلى المصلى. وقال الشافعي والأوزاعي: يخرج إذا غربت الشمس.
١٢- يجب التزام أحكام الله من أوامر ونواه، ومنها المباشرة في الاعتكاف، فهي حدود الله، وسميت بذلك لأنها تمنع أن يدخل فيها ما ليس منها، وأن يخرج منها ما هو منها، ومنها سميت الحدود في المعاصي، لأنها تمنع أصحابها من العود إلى أمثالها. ومنه سمي الإحداد في العدة، لأن المعتدة تمتنع من الزينة.
أكل الأموال بالباطل
[سورة البقرة (٢) : آية ١٨٨]
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)
الإعراب:
وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ: وَتُدْلُوا إما مجزوم عطفا على قوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا فكأنه قال: «ولا تدلوا»، وإما منصوب على تقدير: «أن» بعد الواو التي وقعت جوابا للنهي وهي بمعنى الجمع، فكأنه يقول: لا تجمعوا بين أن تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، وأن تدلوا بها إلى الحكام.

صفحة رقم 162

وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ جملة اسمية في موضع نصب على الحال من الضمير المرفوع في لِتَأْكُلُوا.
المفردات اللغوية:
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ أي يأكل بعضكم مال بعض بغير وجه مشروع، والمراد بالأكل:
الأخذ والاستيلاء، وعبر به، لأن المقصود الأعظم من المال هو الأكل. وأكل المال بالباطل له وجهان: الأول- أخذه على وجه الظلم والسرقة والغصب ونحو ذلك. والثاني- أخذه من جهة محظورة كالقمار، وأجرة الغناء، ونحو ذلك من سائر الوجوه التي حرمها الشرع. وقد انتظمت الآية تحريم كل هذه الوجوه. والباطل: في اللغة: الذاهب أو الزائل، والمراد به هنا الحرام شرعا كالسرقة والغصب. ويشمل كل ما أخذ دون مقابل، أو دون رضا من صاحبه، أو أنفق في غير وجه حقيقي نافع.
وَتُدْلُوا تلقوا بالأموال إلى الحكام رشوة للوصول إلى الحكم القضائي لصالحكم.
فَرِيقاً الفريق من الشيء: الجملة والطائفة منه. بِالْإِثْمِ أي متلبسين بالإثم، أي الظلم والتعدي: وهو شهادة الزور أو اليمين الكاذبة الفاجرة أو نحوها، وسمي ذلك إثما، لأن الإثم يتعلق بفاعله.
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنكم مبطلون آثمون، وهذه مبالغة في الجرأة والمعصية.
سبب النزول:
قال مقاتل بن حيان: نزلت هذه الآية في امرئ القيس بن عابس الكندي، وفي عبدان بن أشوع الحضرمي، وذلك أنهما اختصما إلى النّبي صلّى الله عليه وسلّم في أرض، وكان امرؤ القيس هو المطلوب (المدعى عليه)، وعبدان هو الطالب (المدعي)، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فحكم عبدان في أرضه، ولم يخاصمه «١».
وقال سعيد بن جبير: إن امرأ القيس بن عابس وعبدان بن أشوع الحضرمي، اختصما في أرض، وأراده امرؤ القيس أن يحلف، ففيه نزلت:
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ.

(١) البحر المحيط: ٢/ ٥٥

صفحة رقم 163

المناسبة:
مناسبة الآية لما قبلها ظاهرة، وذلك أن من يعبد الله تعالى بالصيام، فحبس نفسه عمّا تعوّده من الأكل والشرب والمباشرة للمرأة في النهار، ثم حبس نفسه عن الممنوعات في الصيام، جدير به ألا يكون مطعمه ومشربه إلا من الحلال الخالص الذي ينور القلب، ويزيده بصيرة، ويفضي به إلى الاجتهاد في العبادة، فنهي عن أكل الحرام المؤدي إلى عدم قبول صيامه.
التفسير والبيان:
أبان الله تعالى في آيات الصيام حلّ أكل الإنسان من ماله، وناسب هنا أن يذكر حكم أكل مال الغير.
نهانا الله تعالى أن يأكل بعضنا أموال بعض بغير وجه مشروع، وأضاف كلمة أَمْوالِ إلى الجماعة إشعارا بأن المال في الحقيقة مال الأمة أو الجماعة، فهي أمة واحدة متكافلة، وتنبيها إلى أن احترام وحفظ مال غيرك احترام وحفظ لمالك.
فيكون التعدي على مال الآخرين جناية على الأمة التي هو فرد منها وعضو فيها. وأضيفت الأموال إلى ضمير المنهي، لأن كل واحد منهي ومنهي عنه.
والأكل بالباطل: يشمل كل ما أخذ بغير وجه الحق، كالرّبا والقمار، لأنه أخذ بدون مقابل، والرشوة والدفاع بالباطل، لأنهما إعانة على الظلم، والصدقة على القادر على الكسب، لأنها إذلال له، ولا تحل للآخذ إذا كان غير مضطر إليه، والسرقة والغصب، لأنهما اعتداء على مال الغير، سواء أكان غصب مال عيني أم غصب المنافع، أم التعدي على منفعة الآخرين، كالتسخير بدون مقابل أو الإنقاص من الأجر، وأكل مال اليتيم ظلما، وأجور الرقص والغناء، ومهور البغايا، ومقابل التمائم والعزائم وختمات القرآن، والمأخوذ غشا واحتيالا وزورا

صفحة رقم 164

وبهتانا، ونحو ذلك من أموال السحت والحرام، التي تؤدي إلى النار، لأن كل جسم نبت من حرام فالنار أولى به.
وقد جاء النهي عن أكل الأموال بالباطل في آيات أخرى، منها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ [النساء ٤/ ٢٩]، ومنها: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً... [النساء ٤/ ١٠].
ومعنى وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ: ألا تلقوا بالأموال إلى الحكام رشوة لهم، لأخذ شيء من أموال الناس بالإثم كاليمين الكاذبة الفاجرة أو شهادة الزور، أو نحو ذلك من وسائط الوصول إلى الحرام. وتشمل هذه الآية وجهين:
الأول- تقديم الأموال رشوة للحكام، ليقضوا لهم بالباطل وأخذ حق الغير.
الثاني- رفع القضايا للمحاكم، اعتمادا على الحجة الباطلة، وتزييف الحقائق، وشهادة الزور، واليمين الغموس. وهذا ما حذر منه النّبي صلّى الله عليه وسلّم في
حديث أم سلمة الذي رواه مالك وأحمد وأصحاب الكتب الستة، قالت: «كنت عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فجاء رجلان يختصمان في مواريث وأشياء أخرى»، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له بنحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار»، فبكى الخصمان، وقال كل واحد منهما: أنا حلّ لصاحبي، فقال صلّى الله عليه وسلّم: «اذهبا فتوخّيا، ثم استهما، ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه» «١».

(١) ألحن: أفطن وأعرف وأقدر عليها من صاحبه. والتوخي: قصد الحق، والاستهام:
الاقتراع، أي اقصدا الحق في القسمة، وليأخذ كل منكما ما تخرجه القرعة من النصيب أو السهم. [.....]

صفحة رقم 165

فقه الحياة أو الأحكام:
منعت هذه الآية جميع أفراد الأمة المحمدية من أن يأكل بعضهم مال بعض بغير حق، ويشمل ذلك القمار والخداع والغصوب وجحد الحقوق، وما لا تطيب به نفس المالك، أو حرّمته الشريعة وإن أداه الإنسان برضاه، كمهر البغي (الزانية) وحلوان الكاهن «١» وأثمان الخمور والخنازير وغيرها من وجوه اللهو الحرام.
ومن الأكل بالباطل: أن يقضي القاضي لك وأنت تعلم أنك مبطل، فالآية صريحة في أن الإثم على من أكل، وهو يعلم أنه ظالم في الأكل، وأما غيره فلا إثم عليه. والحرام لا يصير حلالا بقضاء القاضي، لأنه إنما يقضي بالظاهر، كما دلّ حديث أم سلمة المتقدم، وهو الموافق للواقع.
لكن مع ذلك ظهر خلاف في الموضوع بين الفقهاء:
فقال أبو حنيفة: ينفذ حكم القاضي في العقود والفسوخ، ظاهرا وباطنا، لأن مهمته القضاء بالحق، فإذا حكم الحاكم ببينة بعقد أو فسخ عقد، فحكمه نافذ، ويكون كعقد عقداه ابتداء، وإن كان الشهود شهود زور. مثل أن يدعي رجل على امرأة أنه تزوجها، فأنكرت، فأقام على ادعائه شاهدي زور، فقضى القاضي بعقد الزواج بينهما، حلّ للرجل الاستمتاع بها، ولو قضى القاضي بالطلاق، فرّق بينهما، وإن كان الرجل منكرا. ونفاذ حكم القاضي على هذا النحو مقيد بشرطين:
١- ألا يعلم بكون الشهود زورا.

(١) الكهانة: ادعاء معرفة الغيب أو التنجيم، والعرافة: ادعاء معرفة الماضي والمستقبل، والمقصود النهي عن الأمرين، لأنهما ادعاء العلم بالغيب.

صفحة رقم 166

٢- وأن يكون من الأمور التي له فيها صلاحية الإنشاء.
وقد قضى علي كرّم الله وجهه بما يؤيد هذا الرأي، حيث جاءه رجل ادعى زواجا على امرأة وهي تنكر، وجاء بشاهدين، فقالت: إني لم أتزوجه، فقال لها: زوجك الشاهدان. وكذلك قصة لعان هلال بن أمية مع امرأته، وقضى النّبي صلّى الله عليه وسلّم بالفرقة بينهما، وكان ذلك بعد أن قال: «إن جاء الولد على صفة كذا فهو لهلال. وإن جاءت به على صفة كذا، فهو لشريك بن سحماء» فجاءت به على الصفة المكروهة، فقال النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «لولا ما مضى من الأيمان، لكان لي ولها شأن»
فقصة اللعان تدل على أن الزوجة إنما وصلت إلى فراق زوجها باللعان الكاذب، الذي لو علم الحاكم كذبها فيه، لحدّها وما فرّق بينهما، فلم يدخل هذا في عموم
قوله عليه الصلاة والسلام: «فمن قضيت له من حق أخيه شيئا، فلا يأخذه».
وقال جمهور العلماء: ينفذ حكم القاضي ظاهرا لا باطنا، في المال وغيره من أحكام الزواج والطلاق والجنايات، فلا يحل الحرام، ولا يحرم الحلال، ولا ينشئ الحقوق، وإنما يظهرها، ويكشف عنها في الوقائع، بدليل حديث أم سلمة المتقدم، الذي أخذت منه القاعدة التالية:
«نحن نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر».
وهذا هو الحق بنحو عام، إلا ما خص منه بنص كاللعان.
وعلى أي حال، لا يجوز لمؤمن أن يلجأ إلى المحاكم، معتمدا على مهارة وكلاء الدعاوي (المحامين)، وهو يعلم أنه مبطل في ادعائه.
ولا يحل لمؤمن أن يأخذ مال أخيه أو غير حقه، وإن قضى له به القاضي، لأن القاضي بشر معذور يقضي بالظاهر، وحكمه لا يغير الواقع، وإنما الذي يجب أن ينظر إليه هو الحساب الحق العدل أمام الله تعالى الذي لا تخفى عليه خافية،

صفحة رقم 167

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية