ﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏ

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٠٤:ثم تولى القرآن الكريم مرة أخرى في هذا الربع، ومن زاوية جديدة، بيان الوصف الواضح الكاشف، وتقديم التعريف الجامع المانع الذي يعرف المؤمنين بطائفة المنافقين، وذلك زيادة على ما سبق في وصفهم أول سورة البقرة، فبين أن طائفة المنافقين تحاول دائما سلب العقول وبلبلة الأفكار عن طريق السفسطة والتضليل، وتواجه البسطاء بما يعجبهم ويغريهم، حتى يقعوا في شبكتها من أيسر طريق، ولا تتورع أن تحلف الأيمان المغلظة، تأكيدا لصدقها المزعوم، وإثباتا لحسن نيتها المزيفة، إذ أنها تحس من أعماقها بما هي عليه من تزييف يهددها بالفضيحة في كل حين، حتى إذا ما واتاها الحظ وأدركت القصد، انكشفت عورتها، وظهرت حقيقتها، وتبين للناس أنها عامل من عوامل الإفساد، لا من عوامل الإصلاح، وأنها سبب من أسباب الهلاك والخسران، لا من أسباب الفلاح والعمران، وذلك قوله تعالى في شأنها : وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ، ( ٢٠٤ ) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ( ٢٠٥ ) .
وقوله تعالى : فِي الحَيَاةِ الدُّنيا . بعد قوله تعالى : مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُه . فيه تلميح إلى أن طائفة المنافقين تختار دائما أن تضرب على الوتر الحساس، الذي يهم أكبر عدد من الناس، وهو وتر المصالح المادية القريبة، والمنافع الشخصية العاجلة، فعن ذلك الطريق السهل تحاول الوصول إلى أهدافها الملتوية، وأغراضها المنحرفة.
وقوله تعالى : وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ . فيه وصف دقيق لكل فرد من أفراد هذه الطائفة، وهو صورة ناطقة بما عليه المنافقون جميعا من قدرة خاصة على الجدل الفارغ، واستعداد خاص للمناقشات البيزنطية العقيمة، وطول نفس في الأخذ والرد، فهم ثرثارون متفيهقون دائما، وعليهم وعلى أمثالهم يصدق قوله تعالى في سورة الأنعام : وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَولِيَائِهِم لِيُجَادِلُوكُم، وَإِنَ أَطَعتُمُوهُمُ إِنَّكُم لَمُشرِكُونَ . وقوله تعالى في نفس السورة : وَكَذَلِكَ جَعَلنَا لِكُلِّ نَبِئٍ عّدُوّاً شَيَاطِينَ الإنسَ وَالجِنِّ يُوحِي بَعضُهُمُ إِلَى بَعضٍ زُخرُفَ القَولِ غُرُوراً .


التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير