نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٣٠: وإذا بطشتم بطشتم جبارين ١٣٠
والبطش : الأخذ بشدة وبعنف، يقول تعالى : إن بطش ربك لشديد١٢ ( البروج ) ويقول : أخذ عزيز مقتدر٤٢ ( القمر ).
لأن الأخذ يأخذ صورا متعددة : تأخذه بلين وبعطف وشفقة، أو تأخذه بعنف.
ثم يزيدهم صفة أخرى تؤكد بطشهم بطشتم جبارين ١٣٠ ( الشعراء )
لأنك قد تأخذ عدوك بعنف، لكن بعد ذلك يرق له قلبك، فترحم ذلته لك، فتهون عليه وترحمه، لكن هؤلاء جبارون لا ترق قلوبهم.
وهذه الصفات الثلاثة السابقة لقوم هود : أتبنون بكل ربع آية تعبثون ١٢٨ وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون ١٢٩ وإذا بطشتم بطشتم جبارين ١٣٠ ( الشعراء )
هذه الصفات تخدم صفات التعالي، وتسعى إلى الوصول إليه وكأنهم يريدون صفة العلو التي تقربهم من الألوهية ؛ لأنه لا أحد أعلى من الحق سبحانه، ثم يريدون أيضا استدامة هذه الصفة واستبقاء الألوهية : لعلكم تخلدون ١٢٩ ( الشعراء ).
وفي صفة البطش الشديد والجبارية يريدون التفرد على الغير، والقرآن يقول : تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا... ٨٣ ( القصص )
فإن كنت تريد أداء الخدمة المنوطة بك في الحياة، فعليك أن تؤديها، لا للتعالي ؛ لأنك حينئذ ستأخذ حظك من العلو والغلبة في دار الدنيا وتنتهي المسألة، أما إن فعلت وفي بالك ربك، وفي بالك أن تيسر للناس مصالح الحياة، فإنك ترقي عملك وتثمره، ويظل لك أجره، طالما وجد العمل ينتفع الناس به إلى أن تقوم الساعة، وهذا أعظم تصعيد لعمل الإنسان.
ولم يفعل قوم عاد شيئا من هذا، إنما طلبوا العلو في الأرض، وبطشوا فيها جبارين، لكن أيتركهم ربهم عز وجل يستمرون على هذه الحال ؟.
إن من رحمة الله تعالى بعباده أن يذكرهم كلما نسوا، ويوقظهم كلما غفلوا، فيرسل لهم الرسل المتوالين ؛ لأن الناس كثيرا ما تغفل عن العهد القديم الذي أخذوه على أنفسهم : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ١٧٢ أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون ١٧٣ ( الأعراف ).
وقلنا : إن الحق- تبارك وتعالى- يضع المناعة في خليفته في الأرض، ويعطيه المنهج الذي يصلحه، لكنه قد يغفل عن هذا المنهج أو تغلبه نفسه، فينحرف عنه، والإنسان بطبيعته يحمل المناعة من الحق ضد الباطل وضد الشر، فإن فسدت فيه هذه المناعة فعلى الآخر أن يذكره ويوقظ فيه دواعي الخير. ومن هنا كان قوله تعالى : وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر٣ ( العصر ).
فإن وجدت أخاك على باطل فخذ بيده إلى الحق.
ومعنى وتواصوا... ٣ ( العصر ) أي : تبادلوا التوصية، فكل منكم عرضة للغفلة، وعرضة للانحراف عن المنهج، فإن غفلت أنا توصيني، وأن غفلت أنت أوصيك، وهذه المناعة ليست في الذات الآن، إنما في المجتمع المؤمن، فمن رأى فيه اعوجاجا قومه.
لكن ما الحال إن فسدت المناعة في الفرد وفسدت في المجتمع، فصار الناس لا يعرفون معروفا، ولا ينكرون منكرا، كما قال تعالى عن بني إسرائيل :
كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه... ٧٩ ( المائدة ).
وعندها لا بد أن يرسل رب العزة سبحانه برسول جديد، ومعجزة جديدة توقظ الناس، وتعيدهم إلى جادة ربهم.
ومن شرف أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى جعل المناعة في ذات نفوسها، فجعلهم الله توابين، إن فعل أحدهم الذنب تاب ورجع، وإن لم يرجع وتمادى رده المجتمع الإيماني وذكره.
وهذه الصفة ملازمة لهذه الأمة إلى قيام الساعة، كما ورد في الحديث :" الخير في وفي أمتى إلى يوم القيامة " ١.
لذلك لن يأتي فيها رسول بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن المناعة ملازمة لها في الذات، وفي النفس اللوامة، وفي المجتمع الإيماني الذي لا يعدم فيه الخير أيدا.
لذلك يقول سبحانه : كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله... ١١٠ ( آل عمران ).
وهذه صفة تفردت بها هذه الأمة عن باقي الأمم ؛ لذلك يقول هود –عليه السلام- مذكرا لقومه وموقظا لهم : فاتقوا الله وأطيعون١٣١
فاتقوا الله وأطيعون١٣١
أي : أن ربكم –عز وجل – لم يترككم على ما أنتم عليه من الضلال تعبثون بالآيات، وتتخذون مصانع تطلبون الخلود، وأنكم بطشتم جبارين، وها هو يدعوكم : فاتقوا الله وأطيعون ١٣١ ( الشعراء ) فتقوى الله تعالى وطاعته كفيلة أن تذهب ماضيكم وتمحو ذنوبكم، بل وتبدله خيرا وصلاحا إن الحسنات يذهبن السيئات... ١١٤ ( هود )
وأنا حين أوصيكم بتقوى الله وطاعته، لا أوصيكم بهذا لصالحي أنا، فلا أقول لكم : اتقوني أو أطيعوني، ولن أنتفع من طاعتكم بشيء. كذلك الحق- تبارك وتعالى- غني عنكم وعن طاعتكم، لأن له سبحانه صفات الكمال المطلق قبل أن يخلق الخلق، فهو سبحانه متصف بالخلق قبل أن يخلق، وبالقدرة قبل أن يوجد المقدور عليه.... إلخ.
إذن : فوجودكم لم يزد شيئا في صفاته تعالى، وما كانت الرسالات إلا لمصلحتكم أنتم، فإذا لم تطيعوا أوامر الله، وتأخذوا منهجه، لأنه يفيدكم فأطيعوه جزاء ما أنعم عليكم من نعم لا تعد ولا تحصى، فالإنسان طرأ على كون أعد لاستقباله وهيئ لمعيشته، وخلق له الكون كله : سماء، فيها الشمس والقمر والنجوم والسحاب والمطر، وأرضا فيها الخصب والماء والهواء، هذا كله قبل أن توجد أنت، فطاعتك لله- إذن- ليست تفضلا منك، إنما جزاء ما قدم لك من نعم.
وعجيب أن ترى هذه المخلوقات التي جعلت لخدمتك أطول عمرا منك، فالإنسان قد يموت يوم مولده، وقد يعيش عدة أيام أو عدة سنوات، أما الشمس مثلا فعمرها ملايين السنين، وهي تخدمك دون سلطان لك عليها، ودون أن تتدخل أنت في حركتها.
تفسير الشعراوي
الشعراوي