بلسان عربي ؛ بلغة قريش وجُرْهُم، فصيح بليغ، والباء : إما متعلق بمنذرين، أي : لتكون من الذين أَنْذَرُوا بهذا اللسان ؛ وهم هود وصالح وشعيب وإسماعيل عليهم السلام أو : بنزل، أي : نزله بلسان عربي ؛ لتُنذر به، لأنه لو نزل بلسان أعجمي لتجافوا عنه، ولقالوا : ما نصنع بما لا نفهمه ؟ فيتعذر الإنذار به. وهذا أحسن لعمومه ؛ أي : لتكون من جملة من أنذر قبلك، كنوح وإبراهيم وموسى، وغيرهم من الرسل، عربيين أو عجمين، وأشد الزواجر تأثيراً في قلوب المشركين : ما أنذره إبراهيم ؛ لانتمائهم إليه، وادعائهم أنهم على ملته.
وقال الورتجبي على هذه الآية : أخبر الله سبحانه أن قلب محمد صلى الله عليه وسلم محل نزول كلامه الأزلي ؛ لأنه مصفى من جميع الحدثان، بتجلي مشاهدة الرحمان، فكان قلبه ـ عليه الصلاة والسلام ـ صَدَف لآلِئَ خطابِ الحق، يسْبَح في بحار الكرم، فيتلقف كلام الحق من الحق بلا واسطة، وذلك سر عجيب وعلم غريب ؛ لأنه يجمع كلام الحق وما اتصل به، وكلامه لم ينفصل عنه، وكيف تفارق الصفات الذات، لكن أبقى في قلبه ظاهره وعلمه وسره، فجبريل ـ عليه السلام ـ في البين : واسطة لجهة الحرمة، وذكر ذلك بقوله : نزل به الروح الأمين على قلبك... ؛ لأن القلب معدن الإلهام والوحي والكلام والرؤية والعرفان، به يحفظ الكلام. وفائدة ذلك : الإعلام بسر وجود الإنسان، وأنه ليس شيء يليق بالخطاب ونزول الأنباء إلا قلبه، وكل قلب مسدود بعوارض البشرية لا يسمع خطاب الحق، ولا يرى جمال الحق. قال أبو بكر بن طاهر : ما أنزله على جبريل جعله محلاً للإنذار، لا التحقيق، والحقيقة هو ما تلقفه من الحق، فلم يخبر عنه، ولم يشرف عليه خلق من الجن والإنس والملائكة ؛ لأنه ما أطاق ذلك أحد سواه. وما أنزل جبريل جعله للخلق، فقال : لتكون من المنذرين بما نزل به جبريل على قلبك المتحقق، فإنك متحقق بما كافحناك به، وخاطبناك على مقامٍ لو شاهدك فيه جبريل لاحترق. هـ. على تصحيف في النسخة. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي