صلاة الخوف أنواع كثيرة فإن العدو تارة يكون تجاه القبلة، وتارة يكون في غير صوبها، والصلاة تارة تكون رباعية، وتارة تكون ثلاثة كالمغرب، وتارة تكون ثنائية كالصبح وصلاة السفر، ثم تارة يصلون جماعة وتارة يلتحم الحرب فلا يقدرون على الجماعة، بل يصلون فرادى مستقبلي القبلة غير مستقبليها ورجالاً وركباناً، ولهم أن يمشوا والحالة هذه ويضربوا الضرب المتتابع في متن الصلاة. ومن العلماء من قال : يصلون والحالة هذه ركعة واحدة لحديث ابن عباس المتقدم وبه قال أحمد بن حنبل، وقال إسحاق بن راهويه : أما عند المسايفة فيجزيك ركعة واحدى تومىء بها إيماء. فإن لم تقدر فسجدة واحدة لأنها ذكر الله. ومن العلماء من أباح تأخير الصلاة لعذر القتال والمناجزة كما أخر النبي ﷺ يوم الأحزاب الظهر والعصر فصلاهما بعد الغروب، ثم صلى بعدهما المغرب ثم العشاء، وكما قال بعدها يوم بني قريظة حين جهز إليهم الجيش لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة فأدركتهم الصلاة في أثناء الطريق، فقال منهم قائلون : لم يرد منا رسول الله ﷺ إلا تعجيل المسير ولم يرد منا تأخير الصلاة عن وقتها فصلوا الصلاة لوقتها في الطريق، وأخر آخرون منهم صلاة العصر فصلوها في بني قريظة بعد الغروب ولم يعنف رسول الله ﷺ أحداً من الفريقين. وأما الجمهور فقالوا : هذا كله منسوخ بصلاة الخوف فإنها لم تكن نزلت بعد، فلما نزلت نسخ تأخير الصلاة لذلك.
فقوله تعالى : وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاة أي إذا صليت بهم إماماً في صلاة الخوف وهذه حالة غير الأولى، فإن تلك قصرها إلى ركعة - كما دل عليه الحديث - فرادي ورجالاً وركباناً مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، ثم ذكر حال الاجتماع والائتمام بإمام واحد وما أحسن ما استدل به من ذهب إلى وجوب الجماعة من هذه الآية الكريمة حيث اغتفرت أفعال كثيرة لأجل الجماعة فلولا أنها واجبة ما ساغ ذلك وأما من استدل بهذه الآية على أن صلاة الخوف منسوخة بعد النبي ﷺ لقوله وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فبعده تفوت هذه الصفة، فإنه استدلال ضعيف، ويرد عليه مثل قول مانعي الزكاة الذين احتجوا بقوله : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلاوتك سَكَنٌ لَّهُمْ [ التوبة : ١٠٣ ] قالوا : فنحن لا ندفع زكاتنا بعده ﷺ إلى أحد بل نخرجها نحن بأيديدنا معلى من نراه، ولا ندفعها إلا إلى من صلاته أي دعاؤه سكن لنا، ومع هذا رد عليهم الصحابة وأبوا عليهم هذا الاستدلال وأجبروهم على أداء الزكاة وقاتلوا من منعها منهم.
ولنذكر سبب نزل هذه الآية الكريمة أولا قبل ذكر صفتها. قال ابن جرير عن علي رضي الله عنه قال : سأل قوم من بني النجار رسول الله ﷺ فقالوا : يا رسول الله إنا نضرب في الأرض فكيف نصلي؟ فأنزل الله عزَّ وجل : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرض فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة [ النساء : ١٠١ ] ثم انقطع الوحي، فلما كان كذلك بحول غزا النبي ﷺ فصلى الظهر، فقال المشركون لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم هلاَّ شددتم عليهم؟ فقال قائل منهم : إن لهم أخرى مثلها في أثرها قال : فأنزل الله عزَّ وجلَّ بين الصلاتين إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كفروا [ النساء : ١٠١ ] الآيتين فنزلت صلاة الخوف.
وعن أبي عياش الزرقي قال : كنا مع رسول الله ﷺ بعسفان فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد وهم بيننا وبين القبلة فصلى بنا رسول الله ﷺ الظهر فقالوا : لقد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم، ثم قالوا : يأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم، قال : فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاة ، قال : فحضرت فأمرهم رسول الله ﷺ فأخذوا السلاح قال : فصفنا خلفه صفين قال : ثم ركع فركعنا جميعاً، ثم رفع فرفعنا جميعاً، ثم سجد النبي ﷺ بالصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم، فلما سجدوا وقاموا جلس الآخرون فسجدوا في مكانهم، ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء ثم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء ثم ركع فركعوا جميعاً ثم رفع فرفعوا جميعاً، ثم سجد النبي ﷺ والصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم، فلما جلسوا جلس الآخرون فسجدوا، ثم سلم عليهم، ثم انصرف قال : فصلاها رسول الله ﷺ مرتين مرة بعسفان، ومرة بأرض بني سليم.
وروى الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله قال : قاتل رسول الله ﷺ محارب خصفة، فجاء رجل منهم يقال له ( غورث بن الحارث ) حتى قام على رسول الله ﷺ بالسيف فقال : من يمنعك مني؟ قال :« الله » فسقط السيف من يده فأخذه رسول الله ﷺ فقال :« ومن يمنعك مني » قال : كن خير آخذ قال :« أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله »؟ قال : لا، ولكن أعاهدك أن لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك فخلى سبيله، فقال : جئتكم من عند خير الناس، فلما حضرت الصلاة صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف فكان الناس طائفتين، طائفة بإزاء العدو. وطائفة صلوا مع رسول الله ﷺ فصلى بالطائفة الذين معه ركعتين وانصرفوا فكانوا مكان الطائفة الذين كانوا بإزاء العدو ثم انصرف الذين كانوا بإزاء العدو فصلوا مع رسول الله ﷺ ركعتين فكان لرسول الله ﷺ أربع ركعات وللقوم ركعتين ركعتين.
وأما الأمر بحمل السلاح في صلاة الخوف فمحمول عند طائفة من العلماء على الوجوب لظاهر الآية وهو أحد قولي الشافعي ويدل عليه قول الله تعالى : وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مرضى أَن تضعوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ أي بحيث تكونون على أهبة إذا احتجتم إليها لبستموها بلا كلفة إِنَّ الله أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً .
صفحة رقم 546تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب بن عبد الرزاق بن محيي الدين الرفاعي الحلبي