ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓ

باب صلاة الخوف


قال الله تعالى : وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ الآية. قال أبو بكر : قد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف على ضروب مختلفة ؛ واختلف فقهاء الأمصار فيها، فقال أبو حنيفة ومحمد :" تَقُومُ طائفة مع الإمام وطائفة بإزاء العدوّ فيصلِّي بهم ركعة وسجدتين ثم ينصرفون إلى مقام أصحابهم، ثم تأتي الطائفة الأخرى التي بإزاء العدوّ فيصلّي بهم ركعة وسجدتين ويسلّم وينصرفون إلى مقام أصحابهم، ثم تأتي الطائفة التي بإزاء العدوّ فيقضون ركعة بغير قراءة ويتشهّدوا ويسلّموا ويذهبوا إلى وجه العدوّ، ثم تأتي الطائفة الأخرى فيقضون ركعة وسجدتين بقراءة ".
وقال ابن أبي ليلى :" إذا كان العدوّ بينهم وبين القِبْلَةِ جُعِلَ الناسُ طائفتين، فيكبّر ويكبرون ويركع ويركعون جميعاً معه، ويسجد الإمام والصف الأول، ويقوم الصفّ الآخر في وجوه العدوّ، فإذا قاموا من السجود سجد الصفّ المؤخر، فإذا فرغوا من سجودهم قاموا وتقدم الصفّ المؤخر وتأخر الصف المقدَّم، فيصلِّي بهم الإمام الركعة الأخرى كذلك. وإن كان العدوّ في دُبُرِ القِبْلَة قام الإمام ومعه صفٌّ مستقبل القبلة والصفّ الآخر مستقبل العدوّ، فيكبّر ويكبرون جميعاً ويركع ويركعون جميعاً، ثم يسجد الصف الذي مع الإمام سجدتين، ثم ينقلبون فيكونون مستقبلي العدوّ، ثم يجيء الآخرون فيسجدون ويصلّي بهم الإمام جميعاً الركعة الثانية، فيركعون جميعاً ويسجد الصفّ الذي معه، ثم ينقلبون إلى وجه العدوّ، ويجيء الآخرون فيسجدون معه ويفرغون، ثم يسلّم الإمام وهم جميعاً ".
قال أبو بكر : ورُوي عن أبي يوسف في صلاة الخوف ثلاث روايات، إحداها مثل قول أبي حنيفة ومحمد، والأخرى مثل قول ابن أبي ليلى إذا كان العدو في القبلة، وإذا كان في غير القبلة فمثل قول أبي حنيفة. والثالثة أنه لا تُصلَّى بعد النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف بإمام واحد وإنما تصلَّى بإمامين كسائر الصلوات. ورُوي عن سفيان الثوري مثل قول أبي حنيفة. ورُوي أيضاً مثل قول ابن أبي ليلى وقال :" إن فعلت كذلك جاز ".
وقال مالك :" يتقدم الإمام بطائفة وطائفة بإزاء العدوّ فيصلِّي بهم ركعة وسجدتين ويقوم قائماً وتتمّ الطائفة التي معه لأنفسها ركعة أخرى، ثم يتشهدون ويسلّمون، ثم يذهبون إلى مكان الطائفة التي لم تصلِّ فيقومون مكانهم، وتأتي الطائفة الأخرى فيصلِّي بهم ركعة وسجدتين، ثم يتشهدون ويسلم ويقومون فيتمُّون لأنفسهم الركعة التي بقيت " قال ابن القاسم : كان مالك يقول :" لا يسلّم الإمام حتى تتم الطائفة الثانية لأنفسها ثم يسلم بهم " لحديث يزيد بن رومان ؛ ثم رجع إلى حديث القاسم وفيه أن الإمام يسلم ثم تقوم الطائفة الثانية فَيَقْضُون.
وقال الشافعي مثل قول مالك، إلا أنه قال :" الإمام لا يسلّم حتى تتم الطائفة الثانية لأنفسها ثم يسلم بهم ". وقال الحسن بن صالح مثل قول أبي حنيفة، إلا أنه قال :" الطائفة الثانية إذا صلّت مع الإمام وسلّم الإمام قضت لأنفسها الركعة التي لم يصلّوها مع الإمام، ثم تنصرف وتجيء الطائفة الأولى فتقضي بقية صلاتها ".
قال أبو بكر : أشدّ هذه الأقاويل موافقةً لظاهر الآية قولُ أبي حنيفة ومحمد ؛ وذلك لأنه تعالى قال : وَإذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ ، وفي ضمن ذلك أن طائفة منهم بإزاء العدو، لأنه قال : وليأخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ ، وجائز أن يكون مراده الطائفة التي بإزاء العدو وجائز أن يريد به الطائفة المصلّية ؛ والأوْلَى أن يكون الطائفة التي بإزاء العدو لأنها تحرس هذه المصلية ؛ وقد عُقِلَ من ذلك أنهم لا يكونون جميعاً مع الإمام، لأنهم لو كانوا مع الإمام لما كانت طائفة منهم قائمة مع النبي صلى الله عليه وسلم بل يكونون جميعاً معه، وذلك خلاف الآية.
ثم قال تعالى : فإذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وعلى مذهب مالك يَقْضُون لأنفسهم ولا يكونون من ورائهم إلا بعد القضاء. وفي الآية الأمر لهم بأن يكونوا بعد السجود من ورائهم، وذلك موافق لقولنا.
ثم قال : وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ فدل ذلك على معنيين، أحدهما : أن الإمام يجعلهم طائفتين في الأصل طائفةً معه وطائفةً بإزاء العدو على ما قال أبو حنيفة ؛ لأنه قال : وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى ؛ وعلى مذهب مخالفنا هي مع الإمام لا تأتيه. والثاني : قوله : لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ ، وذلك يقتضي نَفْيَ كل جزء من الصلاة، ومخالفنا يقول يفتتح الجميع الصلاة مع الإمام فيكونون حينئذ بعد الافتتاح فاعلين لشيء من الصلاة ؛ وذلك خلاف الآية.
فهذه الوجوه التي ذكرنا من معنى الآية موافقة لمذهب أبي حنيفة ومحمد. وقولنا موافق للسنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وللأصول، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إنّما جُعِلَ الإمَامُ ليُؤْتَمَّ بِهِ فإذَا رَكَعَ فارْكَعُوا وإذا سَجَدَ فَاسْجُدُوا "، وقال :" إني امْرُؤٌ قَدْ بَدُنْتُ فلا تُبَادِرُوني بالرّكُوعِ ولا بالسُّجُودِ ". ومن مذهب المخالف أن الطائفة الأولى تقضي صلاتها وتخرج منها قبل الإمام.
وفي الأصول أن المأموم مأمور بمتابعة الإمام لا يجوز له الخروج منها قبله ؛ وأيضاً جائز أن يلحق الإمام سَهْوٌ وسهوه يلزم المأموم ولا يمكن الخارجين من صلاته قبل فراغه أن يسجدوا. ويخالف هذا القول الأصول من جهة أخرى، وهي اشتغال المأموم بقضاء صلاته والإمام قائم أو جالس تاركٌ لأفعال الصلاة، فيحصل به مخالفة الإمام في الفِعْلِ وترك الإمام لأفعال الصلاة لأجل المأموم، وذلك ينافي معنى الاقتداء والائتمام ومنع الإمام من الاشتغال بالصلاة لأجل المأموم ؛ فهذان وجهان أيضاً خارجان من الأصول.
فإن قيل : جائز أن تكون صلاة الخوف مخصوصة بجواز انصراف الطائفة الأولى قبل الإمام كما جاز المشي فيها. قيل له : المَشْيُ له نظير في الأصول، وهو الراكب المنهزم يصلي وهو سائر بالاتفاق ؛ فكان لما ذكرنا أصلٌ متفق عليه، فجاز أن لا تفسد صلاة الخوف. وأيضاً قد ثبت عندنا أن الذي سبقه الحَدَثُ في الصلاة ينصرف ويتوضأ ويبني، قد وردت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ رَوَى ابن عباس وعائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" مَنْ قَاءَ أَوْ رَعفَ في صَلاتِهِ فَلْيَنْصَرِفْ وَلْيَتَوَضَّأْ ولْيَبْنِ عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلاتِهِ "، والرجل يركع ويمشي إلى الصف فلا تبطل صلاته ؛ وركع أبو بكر حين دخل المسجد ومشى إلى الصف، فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم قال له :" زَادَكَ اللهُ حِرْصاً ولا تَعُدْ " ولم يأمره باستيناف الصلاة، فكان للمشي في الصلاة نظائر في الأصول وليس للخروج من الصلاة قبل فراغ الإمام نظير، فلم يجُزْ فِعْلُه. وأيضاً فإن المشي فيها اتفاق بيننا وبين مالك والشافعي، ولما قامت به الدلالة سَلّمناه لها، وما عدا ذلك فواجب حمله على موافقة الأصول حتى تقوم الدلالة على جواز خروجه عنها.
ومما يدل من جهة السنّة على ما وَصَفْنا ما حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا مسدد قال : حدثنا يزيد بن زريع عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه :" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلَّى بإحدى الطائفتين ركعة والطائفةُ الأخرى مواجهة العدوّ، ثم انصرفوا وقاموا في مقام أولئك وجاء أولئك فصلّى بهم ركعة أخرى، ثم سلّم عليهم، ثم قام هؤلاء فقضوا ركعتهم وقام هؤلاء فقضوا ركعتهم " ؛ وقال أبو داود : وكذلك رواه نافع وخالد بن معدان عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ وقال أبو داود : وكذلك قول مسروق ويوسف بن مهران عن ابن عباس، وكذلك روى يونس عن الحسن عن أبي موسى أنه فعله. وقول ابن عمر :" فقضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة " على أنهم قضوا على وجه يجوز القضاء، وهو أن ترجع الثانية إلى مقام الأولى وجاءت الأولى فقضت ركعة وسلمت ثم جاءت الثانية فقضت ركعة وسلمت. وقد بين ذلك في حديث خصيف عن أبي عبيدة عن عبدالله :" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلَّى في حَرَّةِ بني سُلَيْمٍ صلاة الخوف، قام فاستقبل القبلة وكان العدوّ في غير القبلة، فصَفَّ معه صَفّاً وأخذ صفّ السلاح واستقبلوا العدو، فكبّر رسول الله صلى الله عليه وسلم والصفُّ الذي معه، ثم ركع وركع الصف الذي معه، ثم تحول الصفّ الذين صفّوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فأخذوا السلاح، وتحول الآخرون فقاموا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فركع النبي صلى الله عليه وسلم وركعوا وسجد وسجدوا، ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم، فذهب الذين صلّوا معه وجاء الآخرون فقضوا ركعة فلما فرغوا أخذوا السلاح، وتحول الآخرون وصلّوا ركعة ؛ فكان للنبي صلى الله عليه وسلم ركعتان وللقوم ركعة ركعة " ؛ فبين في هذا الحديث انصراف الطائفة الثانية قبل قضاء الركعة الأولى، وهو معنى ما أجمله ابن عمر في حديثه. وقد رُوي في حديث عبدالله بن مسعود من رواية ابن فُضَيل عن خُصَيْف عن أبي عبيدة عن عبدالله :" أن الطائفة الثانية قضت ركعة لأنفسها قبل قضاء الطائفة الأولى الركعة التي بقيت عليها "، والصحيح ما ذكرناه أولاً ؛ لأن الطائفة الأولى قد أدركت أول الصلاة والثانية لم تدرك، فغير جائز للثانية الخروج من صلاتها قبل الأولى ؛ ولأنه لما كان من حكم الطائفة الأولى أن تصلّي الركعتين في مقامين فكذلك حكم الثانية أن تقضيهما في مقامين لا في مقام واحد، لأن سبيل صلاة الخوف أن تكون مقسومة بين الطائفتين على التعديل بينهما فيها.
واحتجّ مالك بحديث رواه عن يزيد بن رومان عن صالح بن خوات مرسلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر فيه أن الطائفة صلّت الركعة الثانية قبل أن يصلّيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا لم يَرْوِهِ أحد إلا يزيد بن رومان ؛ وقد خُولِفَ فيه فَرَوَى شعبة عن عبدالرحمن بن القاسم عن أبيه عن صالح بن خوّات عن سهل بن أبي حثمة :" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلَّى بهم صلاة الخوف فصفَّ صفّاً خلفه وصفَّ مصافَّ العدو، فصلَّى بهم ركعة. ثم ذهب هؤلاء وجاء أولئك، فصلَّى بهم ركعة ثم قاموا فقضوا ركعة ركعة ". ففي هذا الحديث أن الطائفة الأولى لم تَقْضِ الركعة الثانية إلا بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته ؛ وهذا أوْلى لما قدمنا من دلائل الأصول عليه. وقد رَوَى يحيى بن سعيد عن القاسم عن صالح مثل رواية يزيد بن رومان. وفي حديث مالك عن يزيد بن رومان أن تلك الصلاة إنما كانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم بذات الرِّقَاع ؛ وقد روى يحيى بن كثير عن أبي سلمة عن جابر قال :" كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذات الرِّقاع، فصلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطائفة منهم ركعتين ثم انصرفوا وجاء الآخرون فصلَّى بهم ركعتين ؛ فصلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعاً وكلُّ طائفة ركعتين " ؛ وهذا يدل على اضطراب حديث يزيد بن رومان.
وقد ر

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

الجصاص

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير