ﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆ

ويقول الحق بعد ذلك :
إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا( ١٥٠ ) .
وسبحانه يريد أن يجعل من قضية الإيمان قضية كلية واحدة لا أبعاض فيها، فليس إعلان الإيمان بالله وحده كافيا لأن يكون الإنسان مؤمنا، لأن مقتضى أن تؤمن بالله يحتاج إلى رسول يعرفك أن الخالق هو الذي سخر لك قوى الكون واسمه الله، وأنت لا تهتدي إلى معرفة اسم القوة الخالقة إلا بواسطة رسول منزل من عند الله.
ونعرف أن عمل العقل في الاستنباط العقدي عاجز عن معرفة اسم خالق الكون، لأن الإنسان قد طرأ على كون منظم، وكان من الواجب عليه أن يلتفت لفتة ليعلم القوة التي سبقت هذا الوجود وخلقته وأن الإنسان قد طرأ على وجود متكامل، وقد يسمع الإنسان من أبيه مثلا أن هذا البيت بناه الأب أو الجد، وذلك الشيء فعله فلان ابن فلان، لكن لم يسمع أحدا يقول له :" ومن بنى السماء ؟ " ولم يسمع أحدا يقول :" ومن خلق الشمس ؟ "، مع أن الناس تدعي ما ليس لها، فكيف يترك أعظم ما في كون الله بدون أن نعرف من أوجده ؟
إننا نجد الناس تؤرخ للشيء التافه أو المهم نسبيا في حياتهم، نجد دراسات عن تاريخ الحجارة، ودراسات عن تاريخ صناعة الأشياء تاريخ المصباح الكهربي الذي اخترعه أديسون وقام بتوليد الكهرباء من مصادره ضئيلة ويسيره، باختصار نجد أن كل شيء في هذا الوجود له تاريخ، وهذا التاريخ يرجع بالشيء إلى أصل وجوده، وأنت إن نسبت أي صنعة مهما كانت مهمة أو تافهة نكتشف أن واحدا تلقاها عن واحد، ولم يبتكرها هو دفعة واحدة.
إن كل مبتكر أخذ ما انتهى إليه سابقا وبدأ عملا جديدا إلى أن وصلت المخترعات بميلادها، ومن يصدق أن مصباحا يضيء وينطفئ ويحترق يصنعه إنسان ونعرف له تاريخا وبعد ذلك ننظر إلى الشمس التي لم تخفت ولم تضعف ولم تنطفئ ولم تحترق، والمصباح ينير حيزا قليلا يسيرا، والشمس تنير كونا ووجودا، ألا تحتاج الشمس إلى من يفكر في تاريخها ؟.
لقد سبق لنا أن قلنا : إن الإنسان حينما ينظر إلى الكون نظرة بعيدة عن فكرة الدين وبعيدا عن بلاغ الرسل عن الخالق وكيفية الخلق ومنهج الهداية، فهو يقول لنفسه : تختلف مقادير الناس باختلاف مراكزها وقوتها فيما يفعلون، هناك من يجلس على كرسي من شجر الجميز وآخر على كرسي مصنوع من شجر الورد وثالث يجلس على حصيرة.
إن الإنسان يعيش بصناعات غيره من البشر حسب قدره ومكانته فالريفي أو البدوي يشعل النار بصك حديدة بحجر الصوان ويحتفظ بالنار لمدة ليستخدمها لأكثر من مرة، وعندما يرتقي في استخدام النار يستخدم " مسرجة "، ولما ازداد تحضرا استخدم " مصباح جاز " بزجاج ولها أرقام تدل على قدرتها على الإضاءة.
فهناك مصباح رقم خمسة، ورقمها دليل على قوتها الخافتة، وتتضاعف قوة " المصباح " من بعد ذلك حسب المساحة المطلوب إنارتها ولما ارتقى الإنسان أكثر استخدم " الكلوب " ولما ارتقى أكثر استخدم الكهرباء أو النيون أو الطاقة الشمسية، فإذا ما أشرقت الشمس فكل إنسان يطفئ الضوء الذي يستخدمه، فنورها يغني عن أي نور، وفي الليل يحاول الإنسان أن تكون حالة الكهرباء في منزله جيدة خشية أن ينقطع سلك ما فيظلم المكان، فما بالنا بالشمس التي لا يحدث لها مثل ذلك.
إننا نجد الإنسان على مر التاريخ يحاول أن يرقى إلى فهم طلاقة قدرة الحق، وإن لم يأت رسول، أما أسماء القدرة الخالقة فلا يعرفها أحد بالعقل بل بوساطة الرسل، فاسم " الله " اسم توقيفي، فكيف يتأتى إذن مثل قول هؤلاء : سنؤمن بالله ونكفر برسله ؟ كيف عرفوا إذن أن القوة التي سيؤمنون بها اسمها الله ؟ لا بد أنهم قد عرفوا ذلك من خلال رسول لأن الإيمان بالله إنما يأتي بعد بلاغ عن الله لرسول ليقول اسمه لمن يؤمن به.
وهل الإيمان بالله كقوة خفية مبهمة وعظيمة يكفي ؟ أو أن الإنسان لا بد له أن يفكر فيما تطلبه منه هذه القوة ؟ وإذا كانت هذه القوة تطلب من الإنسان أن يسير على منهج معين، فمن الذي يبلغ المنهج ؟.
لا بد إذن من الرسول يبلغنا اسم القوة الخالقة ومطلوبها من الإنسان للسير على المنهج، ويشرح لنا كيفية طاعة هذه القوة فلا أحد إذن يستطيع أن يفصل الإيمان بالله عن الرسول، وإلا كان إيمانا بقوة مبهمة، ولا يجترئ صاحب هذا اللون من الإيمان أن يقول : إن اسم هذه القوة " الله "، لأن هذا الاسم يحتاج إلى بلاغ من رسول.
إذن فعندما يسمع أحدنا إنسانا يقول : أنا أؤمن بالله ولا أؤمن بالرسل : علينا أن نقول له : هذا أول الزلل العقلي لأن الإيمان بالله يقتضي الإيمان ببلاغ جاء به رسول لأن الإيمان بالله لا ينفصل عن الإيمان بالرسول.
والحق سبحانه وتعالى خلق آدم بعد أن خلق الكون وبقية المخلوقات ولا نجد من يدعي أن آدم هو أول من عمر هذا الوجود.

وما آدم في منطق العقل واحد ولكنه عند القياس أوادم
ومن الممكن أن نقول : إن هناك خلقا كثيرا قد سبقوا آدم في الوجود، ولكن آدم هو أول الجنس البشري وعندما خلقه الله علمه الأسماء كلها حتى يستطيع أن يسير في الوجود فلو لم يكن قد تعلم الأسماء لما استطاع أن يتحدث مع ولد من أولاده، ولما استطاع على سبيل المثال أن يقول لابن من أبنائه : انظر أأشرقت الشمس أم لا ؟.
إذن كان لابد لآدم من معرفة الأسماء كلها من خلال معلم، لأن اللغة بنت المحاكاة، لأن أحدا لا يستطيع أن يتكلم كلمة إلا بعد أن يكون قد سمعها والواحد منا سمع من أبيه والآباء سمعوا من الأجداد وتتوالى المسألة إلى أن تصل إلى آدم، فممن سمع آدم حتى يتكلم أول كلمة ؟ لا بد أنه الله، وهذه مسألة يجب أن يعترف بها كل إنسان عاقل، إذن قول الحق في القرآن : وعلم آدم الأسماء كلها ( من الآية٣١سورة البقرة ).
هو كلام منطقي بالإحصاء الاستقرائي وهو قول يتميز بمنتهى الصدق.
والإنسان منا عندما يعلم ابنه الكلام يعلمه الأسماء أما الأفعال فلا أحد يعرف كيف تعلمها، الإنسان يقول لابنه : هذا كوب وهذه منضدة وذلك طبق وهذا طعام لكن لا أحد يقول لابنه :" شرب " معناها كذا، و " أكل " معناها كذا إذن فالخميرة الأولى للكلام هي الأسماء وبعد ذلك تأتي المزاولات والممارسات ليتعلم الإنسان الأفعال.
لقد ترك الحق لنا في كونه أدلة عظيمة تناسب عظمته كخالق لهذا الكون والرسول هو الذي يأتي بالبلاغ عنه سبحانه، فيقول لنا اسم القوة " الله "، وصفاتها هي " كذا "، ومن يطعها يدخل الجنة ومن يعصها يدخل النار ولو لم يوجد رسول نظل تائهين ولا نعرف اسم القوة الخالقة ولا نعرف مطلوبها وهذا ما يرد به على الجماعة التي تعبد الشمس أو القمر أو النجوم ونقول لهم : هل أنتم تعبدون الشمس ؟ لعلكم فعلتم ذلك لأنها أكبر قوة في نظركم.
لكن هناك سؤال هو : " ما العبادة " ؟ الإجابة هي : العبادة طاعة عابد لمعبود، فماذا طلبت منكم الشمس أن تفعلوه وماذا نهتكم ومنعتكم الشمس ألا تفعلوه ؟ ويعترف عبدة الشمس : لم تطلب الشمس منا شيئا وعلى ذلك فعبادتهم للشمس لا أساس لها، لأنها لم تحدد منهاجا لعبادتها ولا تستطيع أن تعد شيئا لمن عبدها، فإله بلا منهج لا قيمة له، وهكذا نرى أن عبادة أي قوة غير الله هي عبادة تحمل تكذيبها والإيمان بالله لا ينفصل أبدا عن الإيمان بالقوة المبلغة عن الله إنها الرسل.
ويشرح الرسول لنا كيف يتصل بهذه القوة الإلهية وتشرح القوة الإلهية لنا كيفية اتصاله بالرسول البشري بواسطة خلق آخر خلقته هذه القوة المطلقة لأن الرسول من البشر والبشر لا يستطيع أن يتلقى عن القوة الفاعلة الكبرى، ونحن نفعل مثل هذه الأشياء في صناعتنا ونعلم أن الإنسان عندما يريد أن ينام لا يرغب في وجود ضوء في أثناء نومه فيتخذ الليل سكنا ويتمتع بالظلمة لكن إن استيقظ في الليل فهو يخاف أن يسير في منزله بدون ضوء حتى لا يصطدم بشيء لذلك قد يوقد مصباحا صغيرا في قوة الشمعة الصغيرة ليعطي نفسه الضوء، ونسميها " الوناسة ".
ولا نستطيع توصيل هذا المصباح الصغير بالكهرباء مباشرة وإنما نقوم بتركيب محول صغير يأخذ من القوة الكهربائية العالية ويعطي للمصباح الصغير، فما بالنا بقوة القوى ؟
إن الله جعل خلقا آخر هم الملائكة ليكونوا واسطة بينه وبين رسله وهؤلاء الرسل أعدهم سبحانه إعدادا خاصا لتلقي هذه المهمة إذن فالذين يريدون أن يؤمنون بالله ثم يكفروا برسله نقول لهم : لا، هذا إيمان ناقص ووضع الحق سبحانه وتعالى الإيمان بالرسل في صيغة جمع حتى لا تفهم كل أمة أن رسولها فقط هو الرسول المنزل من عند الله بل لا بد أن تؤمن كل أمة بالرسل كلهم لأن كل رسول إنما جاء على ميعاده من متطلبات المجتمع الذي يعاصره وكلهم جاءوا بعقائد واحدة، فلم يأت رسول بعقيدة مخالفة لعقيدة الرسول الآخر وإن اختلفوا في الوسائل والمسائل التي تترتب عليها الإرتقاءات الحياتية وقد خلق الحق أولا سيدنا آدم وخلق منه زوجته حواء، اثنين فقط ثم قال سبحانه :
وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ( من الآية١سورة النساء ).
كان الاثنان يعيشان معا وأنجبا عددا من الأبناء وتناسل الأبناء فصار مطلوبا لكل أسرة من الأبناء بيتا، وكل بيت فيه أسرة يحتاج إلى رقعة من الأرض ليستخرج منها أفراد الأسرة خيرات تكفي الطعام وكل فرد يحتاج على الأقل إلى نصف فدان ليستخرج منه حاجته للطعام، وكلما كثر النسل اتسعت رقعة الوجود بالمواصلات البدائية، فهذا إنسان ضاقت به منطقته فرحل إلى منطقة أخرى فيها مطر أكثر ليستفيد منه أو خير أكثر يستخرجه، وتنتشر الجماعات وتنعزل وصارت لكل جماعة عادات وتقاليد وأمراض ومعايب غير موجودة في الجماعة الأخرى، ولذلك ينزل الحق سبحانه وتعالى رسولا إلى كل جماعة ليعالج الداءات في كل بيئة على حدة، وسخر الحق سبحانه وتعالى بعض العقول لاكتشافات الكون، وبعد ذلك يصبح الكون قطعة واحدة فالحدث يحدث في أمريكا لنراه في اللحظة نفسها في مصر، وزادت الارتقاءات ولذلك كادت العادات السيئة تكون واحدة في المجتمع الإنساني كله، فتظهر السيئة في أمريكا أو ألمانيا لنجدها في مجتمعنا، إذن فالارتقاءات الطموحية جعلت العالم وحدة واحدة، : آفاته واحدة، وعاداته واحدة وعندما يأتي الرسول الواحد يشملهم كلهم.
ولذلك كان لابد أن يأتي الرسول الخاتم الجامع صلى الله عليه وسلم، لأن العالم لم يعد منعزلا ليخاطب الجمع كله وهو خير الرسل وأمته خير الأمم إن اتبعت تعاليمه ومن ضرورة إيمان رسول الله والذين معه أن يؤمنوا بمن سبق من الرسل.
والذين يحاولون أن يفرقوا بين الرسل هم قوم لا يفقهون فاليهود آمنوا بموسى عليه السلام وأرهقوه وكفروا بعيسى وعندما جاء عيسى عليه السلام آمن به بعض، وعندما جاء محمد صلى الله عليه وسلم آمن به بعض وكفر به بعض، ولذلك سمي الحق كفرهم بالنبي الخاتم ( ثم ازدادوا كفرا ) أي أنه كفر في القمة فلن يأتي نبي من بعد ذلك واكتمل به صلى الله عليه وسلم موكب الرسالات.
إذن فالمراد من الآية أن الإيمان فيه إيمان قمة، تؤمن بقوة لكنك لا تعرف اسم هذه القوة ولا مطلوبات هذه القوة ولا ما أعدته القوة من ثواب للمطيع ولا من عقاب للعاصي، ولذلك كان لا بد أن يوجد رسول، لأن العقل يقود إلى ضرورة الإيمان بالله والرسل، وجاء الرسل في مو

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير