ﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭ

ومن بعد ذلك يقول الحق :
يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا( ١٥٣ ) .
هذا خطأ منهم في السؤال، وكان المفروض أن يكون : يسألك أهل الكتاب أن تسأل الله أن ينزل عليهم كتابا وقد حاول المشركون في مكة أن يجدوا في القرآن ثغرة فلم يجدوا وهم أمة فصاحة وبلاغة ولسان، واعترفوا بأن القرآن عظيم ولكن الآفة بالنسبة إليهم أنه نزل على محمد صلى الله عليه وسلم : وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم( ٣١ ) ( سورة الزخرف ).
هم اعترفوا بعظمة القرآن، واعترافهم بعظمة القرآن مع غيظهم من نزوله على رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلهم مضطربين فكريا، لقد اعترفوا بعظمة القرآن بعد أن نظروا إليه فمرة قالوا : إنه سحر ومرة قالوا : إنه من تلقين بعض البشر، وقالوا : إنه شعر وقالوا : إنه من أساطير الأولين وكل ذلك رهبة أمام عظمة القرآن ثم أخيرا قالوا :( لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ).
ولكن ألم يكن هو القرآن نفسه الذي نزل ؟ إذن فالآفة عندهم أنه نزل على محمد صلى الله عليه وسلم وذلك من الحسد.
أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ( من الآية٥٤سورة النساء ).
لأن قولهم لا يتسم أبدا بالموضوعية، بل كل كلامهم بُعد عن الحق وتخبط، لقد قالوا مرة عن القرآن : إنه سحر، وعندما سألهم الناس : لماذا لم يسحركم القرآن إذن ؟ فليس للمسحور إرادة مع الساحر ولم يجدوا إجابة وقالوا مرة عن القرآن : إنه شعر فتعجب منهم القوم لأنهم أمة الشعر، وقد سبق لهم أن علقوا المعلقات على جدار الكعبة، لكنه كلام التخبط.
إذن فالمسألة كلها تنحصر في رفضهم الإيمان، فإذا أمسكتهم الحجة من تلابيبهم في شيء انتقلوا إلى شيء آخر.
ويوضح سبحانه : إن كانوا يطلبون كتابا فالكتاب قد نزل، تماما كما نزل كتاب من قبل على موسى وماداموا قد صدقوا نزول الكتاب على موسى فلماذا لا يصدقون نزول الكتاب على محمد ؟ ولا بد أن هناك معنى خاصا وراء قوله الحق : " يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء " ونعلم أن الكتاب نزل على موسى مكتوبا جملة واحدة، وهم كأهل كتاب يطلبون نزول القرآن بالطريقة نفسها، وعندما ندقق في الآية نجدهم يسألون أن ينزل عليهم الكتاب من السماء، وكأنهم يريدون أن يعزلوا رسول الله وأن يكونون الكلام مباشرة من الله لهم، لذلك يقول الحق في موقع آخر :
أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ( من الآية٣٢سورة الزخرف ).
الحق إذن قسم الأمور في الحياة الدنيا فكيف يتدخلون في مسألة الوحي وهو من رحمة الله : " يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء "، وهم قد نسبوا التنزيل إلى رسول الله، ورسول الله ما قال إني نزلت، بل قال :" أنزل علي ".
ويقال في رواية من الروايات أن كعب بن الأشرف والجماعة الذين كانوا حوله أرادوا أن ينزل الوحي على كل واحد منهم بكتاب، فيقول الوحي لكعب :" يا كعب آمن بمحمد ".
وينزل إلى كل واحد كتابا بهذا الشكل الخصوصي أو أن ينزل الله لهم كتابا مخصوصا مع القرآن وكيف يطلبون ذلك وعندهم التوراة ويوضح الله تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم : لا تستكثر منهم يا محمد أن يسألوك كتابا ينزل عليهم لأنهم سألوا موسى أكبر من ذلك، وطلبهم تنزيل الكتاب، هو طلب لفعل من الله، وقد سبق لهم الغلو أكثر من ذلك عندما قالوا لموسى( أرنا الله جهرة ) وهم بمثل هذا القول تعدوا من فعل الله إلى ذات الحق سبحانه وتعالى، لذلك لا تستكثر عليهم مسألة طلبهم لنزول كتاب إليهم، فقد سألوا موسى وهو رسولهم رؤية الله جهرة :" يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ".
ولحظة أن ترى كلمة " الصاعقة " تفهم أنها شيء يأتي من أعلى يبدأ بصوت مزعج وقلنا من قبل أثناء خواطرنا حول آية في سورة البقرة.
يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق ( من الآية١٩سورة البقرة ).
أي أنهم يضعون أصابعهم في آذانهم من الصواعق، وهذا دليل على أن صوت الصاعقة مزعج قد يخرق طبلة الأذن، ودليل على أن إزعاج الصاعقة فوق طاقة الانسداد بأصبع واحدة، لأن الإنسان ساعة يسد أذنيه يسدها بطرف الأصبع لا بكل الأصابع وبلغ من شدة إزعاج الصوت أنهم كلما وضعوا أناملهم في آذانهم لم يمتنع الصوت المزعج.
إذن فالصاعقة صوت مزعج يأتي من أعلى، وبعد ذلك ينزل قضاء الله إما بأمر مهلك وإما بنار تحرق وإما بريح تدمر " فأخذتهم الصاعقة بظلمهم " والظلم هو أن تجعل حقا لغير صاحبه ولا تجعل حقا لغير صاحبه إلا أن تكون قد أخذت حقا من صاحبه، وسؤالهم هذا لون من الظلم، لأن الإدراك للأشياء هو إحاطة المدرك بالمدرك.
وحين تدرك شيئا بعينك فمعنى ذلك أن عينك أحاطت بالشيء المدرك وحيزته بالتفصيل وكذلك الأذن عندما تسمع الصوت وكذلك الأنف عندما تشم الرائحة وكذلك اللمس لمعرفة النعومة أو الخشونة وكذلك الذوق ليحس الإنسان الطعم إذن فمعنى الإدراك بوسيلة من الوسائل أن تحيط بالشيء المدرك إحاطة شاملة جامعة.
فإذا كانوا قد طلبوا أن يروا الله جهرة، فمعنى ذلك أنهم طلبوا أن تكون آلة الإدراك وهي العين محيطة بالله وحين يحيط المدرك بالمدرك يقال قدر عليه وهل ينقلب القادر الأعلى مقدورا عليه ؟ حاشا لله وذلك مطلق الظلم ونهايته فمن الجائز أن يرى الإنسان إنسانا، ولكن لا يستقيم أبدا ولا يصح أن ينقل الإنسان هذه المسألة إلى الله، لماذا ؟ لأنه سبحانه القائل :
لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ( من الآية١٠٣سورة الأنعام ).
ومادام الله إلها قادرا فلن ينقلب إلى مقدور.
ونحن إن أعطينا لواحد مسألة ليحلها فهذا معناه أن فكره قد قدر عليها، وأما إذا أعطيناه مسألة ولم يقدر على حلها ففكره لم يقدر عليها إذن فكل شيء يقع تحت دائرة الإدراك يقول لنا : إن الآلة المدركة قد قدرت عليه.
والحق سبحانه وتعالى قادر أعلى لا ينقلب مقدورا لما خلق، " فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات "، وكان يكفي بعد أن أخذتهم الصاعقة أن يتأدبوا ولا يجترئوا على الله، ولكنهم اتخذوا العجل من بعد أن جاوز الحق بهم البحر وعبره بهم تيسيرا عليهم وتأييدا لهم وأراهم معجزة حقيقية، بعد أن قالوا :
إنا لمدركون ( من الآية٦١سورة الشعراء ).
فقد كان البحر أمامهم وفرعون من خلفهم ولا مفر من هلاكهم لأن المنطق الطبيعي أن يدركهم فرعون، وآتى الله سيدنا موسى إلهامات الوحي فقال :
قال كلا إن معي ربي سيهدني( ٦٢ ) ( سورة الشعراء ).
لقد لجأ موسى إلى القانون الأعلى قانون الله فأمره الله أن يضرب بعصاه البحر، ويتفرق البحر وتصير كل فرقة كالطود والجبل العظيم، وبعد أن ساروا في البحر، وأغرق فرعون أمامهم وأنجاهم سبحانه لكنهم من بعد ذلك كله يتخذون العجل إلها.
هكذا قابلوا جميل الله بالنكران والكفران " ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا " والسلطان المبين الذي آتاه الله لموسى عليه السلام هو التسلط والاستيلاء الظاهر عليهم حين أمرهم بأن يقتلوا أنفسهم، وجاءوا بالسيوف لأن الله قد أعطى سيدنا موسى قوة فلا يخرج أحد عن أمره، والقوة سلطان قاهر.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير