٤٤٥- أي : " ما من أهل الكتاب فريق أو أحد إلا ليؤمنن به " كما قال السيرافي(١) في " شرح سيبويه " (٢). ( الاستغناء : ١٤٤ )
٤٤٦- في الآية سؤال : وهو أن يقال : ما المستثنى ؟ وما المستثنى منه ؟ فإنك لم تخرج عن بعض المرسلين حتى يتحقق لك الاستثناء، فيصعب الحال، بل أخذت جملة ما قبل إلا " مع حكم آخر فلم تخرج حكما من أحكام سابقة ولا أخرجت شيئا من المحكوم عليه، فكيف يتحقق معنى الاستثناء ؟
وجوابه أن تقول : المقصود بالاستثناء الأحوال الكائنة للمرسلين، فالأحوال هي المستثنى منها، وما بعد " إلا " هي الحالة المستثناة. والمقصود حصول حصر أحوالهم في هذه الحالة. فيكون التقدير في الآية : " وما أحد من أهل الكتاب إلا وهو في حالة الإيمان به قبل موته " وهو محصور في هذه الحالة دون نقيضها.
واختلف المفسرون في الضمير في " به " فقيل : " عائد على عيسى عليه السلام وقيل : على القرآن، أي : " لا يموت أحد إلا مؤمنا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم "، لأن كل أحد عند الموت يصير مؤمنا قهرا لمشاهدة الحق بالاحتضار من ملائكة قبض الروح، لكنه لما كان إيمانا غير اختياري لم يقبل من صاحبه.
وإن حملنا الضمير على عيسى عليه السلام، فيحتمل أيضا الإيمان عند الاحتضار، أي : يؤمن بعبوديته وعدم ربوبيته.
ويحتمل أن ينزل في آخر الزمان ويكذبهم، ويقتل أهل الأديان الباطلة، ولا يبقى إلا موحد كما جاءت الآثار فيؤمنوا به إيمانا معتدا به. وعلى هذا يكون عموم أهل الكتاب مختصا بمن يوحد ذلك اليوم. ( نفسه : ١٤٦ )
٤٤٧- فيه تفسيران :
أحدهما : أن كل كافر إذا عاين الملائكة عند قبض روحه ساعة الموت ظهر له(٣) منهم الإنكار عليه، بسب ما كان عليه من الكفر فيقطع حينئذ بفساد ما كان عليه، ويؤمن بالحق على ما هو عليه، فإن الدار الآخرة لا يبقى فيها تشكك ولا ضلال، بل يموت الناس كلهم مؤمنين موحدين على قدم الصدق ومنهاج الحق، وكذلك يوم القيامة بعد الموت، لكنه إيمان لا ينفع ولا يعتد به، وإنما يقبل الإيمان من العبد حيث يكون متمكنا من الكفر، فإذا عدل عنه وآمن بالحق، كان إيمانه من كسبه وسعيه، فيؤجر عليه. أما إذا اضطر إليه فليس فيه أجر(٤). فما من أحد من أهل الكتاب إلا ويؤمن بنبوة عيسى عليه السلام، وعبوديته لله تعالى قبل موته، لكن قهرا لا ينفعه في الخلوص من النيران وغضب الديان(٥).
ثانيهما : أن عيسى عليه السلام ينزل في آخر الزمان عند ظهور المهدي بعد أن يفتح المسلمون قسطنطينية من الفرنج، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير، ولا يبقى على الأرض إلا المسلمون، ويستأصل اليهود بالقتل ويصرح بأنه عبد الله ونبيه(٦)، فتضطر النصارى إلى تصديقه حينئذ لإخباره لهم بذلك. وعلى التفسيرين ليس في دلالة على أن النصارى الآن على خير.
٥٩ : فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ١٥٩. ( الأجوبة الفاخرة : ١٣١ إلى ١٣٣ )
٢ - "شرح سيبويه": ٢/٢٨٤، واللفظ الذي ورد في الأصل المطبوع هو: "تقديره: وإن أحد من أهل الكتاب، وما بعد "إلا" خبر محذوف"..
٣ - في الأصل المطبوع: "ظهر لهم منه...".
٤ - هذا ما قرره الله تعالى في الآية ١٨ من سورة النساء بقوله: وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما..
٥ - عن شهب بن حوشب قال: "قال الحجاج: إني ما قرأتها إلا وفي نفسي منها شيء، يعني هذه الآية، فإني أضرب عنق اليهودي ولا أسمع منه ذلك، فقلت: إن اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة وجهه ودبره، وقالوا: يا عدو الله، أتاك عيسى نبينا فكذبت به! فيقول: آمنت أنه عبد الله. وتقول للنصراني: أتاك عيسى نبينا فزعمت أنه هو الله وابن الله، فيقول: آمنت أنه عبد الله. فأهل الكتاب يؤمنون به، ولكن حيث لا ينفعهم ذلك الإيمان. فاستوى الحجاج جالسا، وقال: عن من نقلت هذا؟ فقلت: حدثني به محمد بن علي بن الحنفية، فأخذ ينكت الأرض بقضيب، ثم قال: لقد أخذتها من عين صافية". وكذلك روي عن ابن عباس مثله. ن: جامع البيان: ٩/٣٨٠ وما بعدها. ومفاتيح الغيب: ١١/ ١٠٤..
٦ - روى مسلم بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا، والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا. فيقاتلونهم فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدا ويقتل ثلثهم أفضل الشهداء عند الله، ويفتتح الثلث لا يفتنون أبدا فيفتحون قسطنطينية. فبينما هم يقتسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون إذ صاح فيهم الشيطان: أن المسيح قد خلفكم في أهليكم، فيخرجون. وذلك باطل، فإذا جاءوا الشام خرج، فبنما هم يعدون للقتال يسوون الصفوف إذ أقيمت الصلاة فينزل عيسى بن مريم- عليه السلام- فيؤمهم. فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء. فلو تركه لانذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده فيريهم دمه في حربته." صحيح مسلم، باب: في فتح قسطنطينية وخروج الدجال ونزول عيسى بن مريم..
جهود القرافي في التفسير
أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي