أنا، فقال: اجلس، ثم أعاد القول، فقام الشاب، فقال عيسى: اجلس، ثم أعاد، فقال الشاب: أنا، فقال: نعم أنت ذاك، فألقي عليه شبه عيسى، ورفع عيسى، وجاء اليهود، فأخذوا الرجل، فقتلوه، ثم صلبوه «١». وبهذا القول قال وهب بن منبه، وقتادة، والسدي.
قوله تعالى: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ في المختلفين قولان:
أحدهما: أنهم اليهود، فعلى هذا في هاء «فيه» قولان: أحدهما: أنها كناية عن قتله، فاختلفوا هل قتلوه أم لا؟ وفي سبب اختلافهم في ذلك قولان: أحدهما: أنهم لما قتلوا الشخص المشبّه كان الشبه قد أُلقي على وجهه دون جسده، فقالوا: الوجه وجه عيسى، والجسد جسد غيره، ذكره ابن السائب.
والثاني: أنهم قالوا: إِن كان هذا عيسى، فأين صاحبنا؟ وإِن كان هذا صاحبنا، فأين عيسى يعنون الذي دخل في طلبه، هذا قول السدي. والثاني: أن «الهاء» كناية عن عيسى، واختلافهم فيه قول بعضهم:
هو ولد زنى، وقول بعضهم، هو ساحر.
والثاني: أن المختلفين النصارى، فعلى هذا في هاء «فيه» قولان: أحدهما: أنها ترجع إِلى قتله، هل قتل أم لا؟ والثاني: أنها ترجع إِليه، هل هو إِله أم لا؟
وفي هاء «منه» قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى قتله. والثاني: إِلى نفسه، هل هو إِلهٌ، أم لغيرِ رشدة «٢»، أم هو ساحر؟
قوله تعالى: ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ قال الزجاج: «اتباع» منصوب بالاستثناء، وهو استثناء ليس من الأول. والمعنى: ما لهم به من علم إِلا أنهم يتبعون الظن، وإِن رُفع جاز على أن يجعل علمهم اتباع الظن، كما تقول العرب: تحيّتك الضّرب.
قوله تعالى: وَما قَتَلُوهُ في «الهاء» ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها ترجع إِلى الظن فيكون المعنى: وما قتلوا ظنّهم يقيناً، هذا قول ابن عباس.
والثاني: أنها ترجع إِلى العلم، أي: ما قتلوا العلم به يقيناً، تقول: قتلته يقيناً، وقتلته علماً للرأي والحديث. هذا قول الفراء، وابن قتيبة. قال ابن قتيبة: وأصل هذا: أن القتل للشيء يكون عن قهر واستعلاء وغلبة، يقول: فلم يكن علمهم بقتل المسيح علماً أحيط به، إِنما كان ظناً.
والثالث: أنها ترجع إلى عيسى، فيكون المعنى: وما قتلوا عيسى حقاً، هذا قول الحسن، وقال ابن الأنباري: اليقين مؤخر في المعنى، فالتقدير: وما قتلوه، بل رفعه الله إليه يقينا.
[سورة النساء (٤) : آية ١٥٩]
وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً (١٥٩)
قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قال الزجاج: المعنى: وما منهم أحد إلّا ليؤمننّ
فهذه روايات عن أهل الكتاب يستأنس بها، ولا يحتجّ، فالله أعلم.
(٢) في «اللسان» : وهو لرشدة، وهو نقيض زنية. هذا ولد رشدة: إذا كان لنكاح صحيح.
به، ومثله وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها «١». وفي أهل الكتاب قولان: أحدهما: أنهم اليهود، قاله ابن عباس.
والثاني: اليهود والنصارى، قاله الحسن، وعكرمة. وفي هاء «به» قولان: أحدهما: أنها راجعة إلى عيسى، قاله ابن عباس: والجمهور. والثاني: أنها راجعة إلى محمّد صلّى الله عليه وسلّم، قاله عكرمة. وفي هاء «موته» قولان «٢» :
أحدهما: أنها ترجع إِلى المؤمِن. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ليس يهودي يموتُ أبداً حتى يؤمن بعيسى، فقيل لابن عباس: إِن خرّ من فوق بيْت؟ قال: يتكلم به في الهُويِّ «٣». قال:
وهي في قراءة أُبي: «قبل موتهم»، وهذا قول مجاهد، وسعيد بن جبير. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: يؤمن اليهودي قبل أن يموت، ولا تخرج روح النصراني حتى يشهد أن عيسى عبد. وقال عكرمة:
لا تخرج روج اليهوديّ والنّصرانيّ حتى يؤمن بمحمّد صلّى الله عليه وسلّم.
والثاني: أنها تعود إِلى عيسى، روى عطاء عن ابن عباس قال: إِذا نزل إِلى الأرض لا يبقى يهودي ولا نصراني، ولا أحدٌ يعبد غير الله إِلا اتّبعه، وصدّقه، وشهد أنه روح الله، وكلمته، وعبده
(٢) قال الإمام الطبري رحمه الله في «تفسيره» ٤/ ٣٦٠: وأولى الأقوال بالصواب والصحة، قول من قال: تأويل ذلك: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موته. وقال ابن كثير رحمه الله في «تفسيره» ١/ ٥٩٠: لا شك أن هذا الذي قاله ابن جرير هو الصحيح لأنه المقصود من سياق الآي في تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى وصلبه وتسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة ذلك، فأخبر الله أنه لم يكن الأمر كذلك وإنما شبه لهم فقتلوا الشبه وهم لا يتبينون ذلك، ثم إنه رفعه إليه وإنه باق حي وإنه سينزل قبل يوم القيامة كما دلت عليه الأحاديث المتواترة، فيقتل مسيح الضلالة ويكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية، يعني لا يقبلها من أحد من أهل الأديان بل لا يقبل إلا الإسلام أو السيف، فأخبرت هذه الآية الكريمة أنه يؤمن به جميع أهل الكتاب حينئذ ولا يتخلف عن التصديق به واحد منهم ولهذا قال: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ أي موت عيسى عليه السلام الذي زعم اليهود ومن وافقهم من النصارى أنه قتل وصلب وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً أي بأعمالهم التي شاهدها قبل رفعه إلى السماء وبعد نزوله إلى الأرض.
فأما من فسر هذه الآية بأن المعنى أن كل كتابي لا يموت حتى يؤمن بعيسى أو بمحمد عليهما الصلاة والسلام، فهذا هو الواقع، وذلك أن كل واحد عند احتضاره ينجلي له ما كان جاهلا به فيؤمن به ولكن لا يكون ذلك إيمانا نافعا له إذا كان قد شاهد الملك كما قال الله تعالى في أول هذه السورة: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ الآية وقال تعالى: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ الآيتين، وهذا يدل على ضعف ما احتج به ابن جرير في ردّ هذا القول حيث قال: ولو كان المراد بهذه الآية هذا لكان كل من آمن بمحمد صلّى الله عليه وسلّم أو بالمسيح ممن كفر بهما يكون على دينهما حينئذ لا يرثه أقرباؤه من أهل دينه لأنه قد أخبر الصادق أنه يؤمن به قبل موته، فهذا ليس بجيد إذ لا يلزم من إيمانه في حالة لا ينفعه إيمانه أنه يصير بذلك مسلما ألا ترى قول ابن عباس: ولو تردّى من شاهق أو ضرب سيف أو افترسه سبع فإنه لا بد أن يؤمن بعيسى فالإيمان به في هذه الحال ليس بنافع ولا ينقل صاحبه عن كفره لما قدمناه والله أعلم. ومن تأمل هذا جيدا وأمعن النظر اتضح له أنه هو الواقع لكن لا يلزم منه أن يكون المراد بهذه الآية هذا بل المراد بها ما ذكرناه من تقرير وجود عيسى عليه السلام وبقاء حياته في السماء وأنه سينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة ليكذّب هؤلاء وهؤلاء من اليهود والنصارى الذين تباينت أقوالهم فيه وتصادمت وتعاكست وتناقضت وخلت عن الحق.
(٣) في «اللسان» : هوى، يهوي هويّا: إذا سقط من فوق إلى أسفل.
زاد المسير في علم التفسير
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي
عبد الرزاق المهدي