قوله تعالى : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا [ سورة النساء، من الآية ١٦٠ ].
[ ١٥ ] مسألة : في هل الظلم علة في تحريم الطيبات.
يرى ابن حزم – رحمه الله تعالى – أن الظلم ليس علة في تحريم الطيبات، ولا سببا له إلا حيث جعله الله بالنص سببا، لا فيما عدا ذلك المكان ألبتة، فهم ظلموا فحرمت عليهم، ونحن نظلم فلم تحرم علينا الطيبات التي أحلت لنا، وقال صلى الله عليه وسلم : " إننا سنركب سنن أهل الكتاب لو دخلوا جحر ضب(١) لدخلناه " (٢)، فصح أننا ظلمنا كظلمهم، ولم يحرم علينا ما حرم عليهم، فبطل التعليل جملة، إذ لو كان ظلمهم علة التحريم لوجب أن يكون ظلمنا علة فينا لمثل ذلك، فلما لم يكن هذا كذلك، علمنا أن الله تعالى جعل ظلمهم سببا لأن حرم عليهم ما حرم، ولم يجعل ظلمنا سببا لأن يحرم علينا مثل ذلك، فصح أنه يفعل ما يشاء في مكان من أجل شيء ما، ولا يفعل ذلك في مكان آخر من أجل مثل ذلك الشيء بعينه، وهذا بطلان ما ادعاه خصومنا من العلل والقياس نصا(٣).
٢ أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، حديث ٣٤٥٦، عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه"، قلنا يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فمن". وفي كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لتتبعن سنن من كان قبلكم" حديث ٧٣٢٠، ومسلم في صحيحه، كتاب العلم، باب اتباع سنن اليهود والنصارى حديث ٦/٢٦٦٩..
٣ الإحكام (٣/١٤٢٠، ١٤٢٢، ١٤٤١، ١٤٤٢)..
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري