(وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ) فهو يشهد على نفسه
بالعبودية، وعليهم بسماع الرسالة.
فإن قيل: فأي تعلق بقوله: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا) بما تقدمه؟
قيل: نبه بما تقدم أنهم اعترفوا بصدقه في الدنيا، قبل خروجهم منها يعقبه هذا، تنبيها أنه يلزمهم شهادته عليهم يوم القيامة.
قوله تعالى: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١)
ظلمهم عام في جميع ما ارتكبوه مما لا يجوز، وتخصيص الأشياء الثلاثة المذكورة بعده تعظيما لها.
واعلم أن تحريم الله على ثلاثة أضرب: الأول: تحريمه الخبائث وكل ما ليس له هذا بوجه والبدن تعافه كالذباب، والخنافس، والأشياء المخلوقة من فضول البدن
وهذا الجنس يحرم عقلا وشرعا.
الثاني: ما يعلم ضره أكثر من نفعه وقد يظن بعض الناس فيه نفعا كثيرا، فهو متردٍ من التحريم والتخيل في العقل، وضرب نافع في الأحوال الدنيوية جداً، إلا أن نفعه ليس بضروري، والعقل لا يقتضي
بتحريمه، والشرع قد حرمه في حال دون حال، تهذيبا للنفوس عبادة، ودفعا لسلطان شهوتهم كتحريم الشحم على بني إسرائيل، وهو ما قال تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا) الآية، فنبه تعالى أنهم لما أسرفوا
وصاروا يظلمون، ويصدون عن سبيل الله، حرم عليهم بعض الأطعمة، ليكون في ذلك عقوبة لهم من وجه وتهذيب يقمع شهوتهم من وجه، فقلة الطعم سبب لتوهين الشهوة، ولتوهينها أمر تعالى في كل شرع بصوم، ليكون ذلك سببا لمنعها عما تدعو إليه، فلا تكون كالبهائم التي تأكل ما تشتهي، وإلى نحو هذا أشار قوله عليه الصلاة والسلام: (صوموا تصحوا)، فإن في الصوم صحة
تفسير الراغب الأصفهاني
أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى
هند بنت محمد سردار