وتستمر الحيثيات للتحريم لبعض الطيبات لتزيد على هذين الموقفين :
وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما( ١٦١ ) .
وأي ظلم يتحدث عنه الحق في قوله : " فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم " ؟ الظلم معناه أن يحكم واحد لغير ذي الحق بحق، وقمة الظلم أن يحكم واحد بأن لله شريكا، ولذلك قال سبحانه : إن الشرك لظلم عظيم ( من الآية١٣سورة لقمان ).
وحيثيات حكم الله بتحريم أشياء كانت حلالا لبني إسرائيل متعددة وحين يحرم الله شيئا فمن المؤكد أنه محدود بالنسبة للمحلل فالمحرم قليل وبقية ما لم يذكره الله إنما يدخل في نطاق الحلال.
مثال ذلك قوله الحق :
{ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون( ١٥١ )ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون( ١٥٢ )( سورة الأنعام ).
يورد الحق هنا المحرمات وهي أشياء محددة محدودة، أما النعم كلها حلال، ومن هذا الأمر نفهم اتساع مدى رحمانية الحق بالخلق فقد وهبنا الكثير والكثير من النعم التي لا تعد ولا تحصى ولم يحرم إلا القليل، وتحري القليل جاء لتبقى كل نعمة في مجالها.
فإذا قال إنسان : حرم الله هذا الشيء لأنه ضار نقول : ما تقوله جائز، ولكن ليس الضرر هو سبب الحكم لكل المحرمات فقد يحرم سبحانه أمرا لتأديب قوم ما، ولله المثل الأعلى نرى المسئول عن تربية أسر قد يحرم على ولد فيها لونا من الطعام أو جزءا من مصروف اليد ويكون القصد من ذلك هو العقوبة.
ولماذا استحق بنو إسرائيل عقوبة التحريم ؟ لقد جاءوا من خلف منهج الله وأحلوا لأنفسهم ما حرم الله وماداموا قد زاغوا فأحلوا ما حرم الله فالحق يرد عليهم : لقد اجترأتم على ما حرمت فحللتموه، ومن حقي أن أحرم عليكم ما أحللت لكم من قبل ذلك حتى لا يفهم الإنسان أنه بتحليله لنفسه ما حرم الله قد أخذ شيئا من وراء الله فلا أحد يمكنه أن يغلب الله ولذلك يحرم سبحانه عليه شيئا من حلاله.
والتحريم إما أن يكون تحريم تشريع وإما تحريم طبع أو فطرة أو ضرورة نجد الرجل الذي أسرف على نفسه في تناول محرمات كالخمر مثلا يحرم الله عليه أشياء كانت حلالا له، ويقول له الطبيب : تهرأ كبدك وصار من الممنوع عليك أن تأكل صنوفا كثيرة من الطعام والشراب وهكذا نرى ظلم الإنسان لنفسه وكيف نتج عنه تحريم أشياء كانت حلالا له.
ومن أسرف على نفسه في تناول صنف معين من الطعام كالسكر مثلا فأكله فوق ما تدعو به الحاجة نجد سنة الله الكونية تقول له : لقد أخذت أكثر من حقك، وعطلت في جسدك القدرة على حسن استخدام السكر فصرت مريضا، إياك أن تتناول السكريات مرة أخرى، ويشتهي المريض السكر والحلوى ويملك القدرة على شرائهما، ولكنها محرمة عليه، وكأن الحق سبحانه وتعالى يقول له : بظلم منك لنفسك حرمت ما أحللته لك.
وآخر يملك الثروات والخدم والمزارع الشاسعة، ويقوم له الآخرون بطحن الغلال ويأمر بأن يصنعوا له الخبز من أنقى أصناف الدقيق الخالي من أية قدر من " النخالة "، ويصنعون له الخبز الأبيض ويأكله بينما الأتباع يصنعون لأنفسهم الخبز من الدقيق الأقل نقاوة، فتقول له سنة الله : ستأكل الخبز المصنوع من النخالة بأمر الطبيب علاجا لأمعائك لأنك أسرفت على نفسك في أكل الخبز المصنوع من أنقى أنواع الدقيق وليأكل رعاياك وعمالك الخبز المصنوع من أفخر ألوان الدقيق، فبظلم منك حرمنا ما أحل لك.
وعندما نرى إنسانا قد حرم من نعمة الله التي هي حلال له، نعلم أنه قد حلل لنفسه شيئا حرمه الله عليه، أو أسرف في استعمال حق أحله الله له، ولا أحد منا يفلت من رقابة الله، إذن فالتحريم قد يكون بالتشريع، إذا كانت العقوبة التحريم من المشرع، وقد يكون تحريما بالطبع والفطرة إن كان في الأمر إسراف من النفس.
ولنقرأ دائما هذه الآية : " فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا " وكذلك الذين يأخذون مالا بالربا لقد أخذوا الربا ليزيد مالهم، لماذا تريدون المال ؟ أتريدون المال لذات المال، أم لهدف آخر ؟ صحيح أن المال رزق لكنه رزق غير مباشر لأنه يشتري به الأشياء التي ينتفع بها الإنسان وهي الرزق المباشر، وقلنا قديما : هب أن إنسانا في صحراء ومعه جبل من ذهب لكن الطعام انقطع منه، وجبل الذهب في مثل هذه الحالة لا ينفع، بل يصبح رغيف الخبز وكوب الماء في تلك الحالة أغلى من الذهب والذي يزيد ماله بالربا أيريد تلك الزيادة من أجل المتع ؟ سبحانه يمحق ذلك المال ويذهبه في كوارث.
ومن أراد أن يبقى له ما أحل الله إلى أن يأتي أجله فعليه ألا يبيح لنفسه أي شيء حرمه الله وبذلك يظل متمتعا بنعم الله عليه فالحق هو القائل :( وما ربك بظلام للعبيد ).
الإنسان إذن هو الذي يظلم نفسه مصداقا لقوله الحق : إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون ( سورة يونس ).
وهكذا ظلم اليهود أنفسهم فحرم الله عليهم طيبات أحلت لهم، ومن الذي نقل الأمر الطيب إلى أمر غير طيب ؟ إنه الإنسان ولكن هل نقل ذات الشيء أو حكم الشيء ؟ لقد نقل حكم الشيء فجعل الشيء الحرام شيئا حلالا " فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا ".
كيف يكون باستطاعتهم الصد عن سبيل الله ؟ لقد ظلموا أنفسهم وأخذوا الربا وتلك أمور تجعلهم في ناحية الضلال وفي جانب الباطل، وليت الأمر وقف عند هذا بل أرادوا أيضا إضلال غيرهم وهذا هو مضمون الصد عن سبيل الله وجعلهم هذا الأمر أصحاب وزر آخر فوق أوزارهم، فلم يكتفوا بضلالهم بل تحملوا أوزار غيرهم.
ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون( ٢٥ ) ( سورة النحل ).
وقد يسمع متشكك هذا القول فيتساءل : كيف يناقض القرآن بعضه فيقول : ولا تزر وازرة وزر أخرى ( من الآية١٦٤سورة الأنعام ).
ونقول : إن لكل وزر طريقا وحسابا، فالإنسان يحمل وزر ضلاله وحده إن لم يضل به أحدا غيره، ولكن إن حاول إضلال غيره فهو يتحمل وزر هذا الإضلال.
ويقول الحق في تكملة ظلمهم لأنفسهم : " وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما "، وقد تعرضنا للربا من قبل وقد أخذوا الرشوة وهو أكل لمال الناس بالباطل وكذلك السرقة والغش في السلع كل ذلك أخذ مال من الناس بغير حق، وما أخذ بغير حق فهو باطل وأعد سبحانه لهم مسبقا عذابا أليما. ولكل إنسان مقعدان : مقعد من الجنة إن قدر إيمانه، ومقعد من النار إن قدر كفره، ولا مجال للظن بإمكان ازدحام الجنة أو ازدحام النار، فقد خلق الله مقاعد الجنة على أساس أن كل الناس مؤمنون، وجعل مقاعد النار على أساس أن كل الناس كافرون.
ولذلك يقول الحق : الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون( ١١ ) ( سورة المؤمنين ).
وحين يتبوأ المؤمن مقعده في الجنة يورثه الله المقعد الآخر الذي أعده للكافر، فقد كان للكافر قبل أن يكفر مقعد في الجنة لو اختار الإيمان وقد أعد الحق العذاب الأليم لهم أي الشديد إيلامه وهو مهين أيضا أن في قدرته قهر أي إنسان يتجلد للشدة، فلا أحد يقدر على الجلد أمام عذاب الله.
وهل هذا هو كل ما كان من أهل الكتاب ؟ ألم يوجد في أهل الكتاب من كان يدير مسألة الإيمان برسول الله صلى الله عليه سلم في عقله، ويبحث في القضايا والسمات التي جاءت مبشرة به صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل ؟ كان من بينهم من فعل ذلك، ويورد الحق سبحانه وتعالى التاريخ الصادق، فيستثني من أهل الكتاب الراسخين في العلم فيقول : لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنأتيهم أجرا عظيما( ١٦٢ .
تفسير الشعراوي
الشعراوي