بِسُوءِ الْقُدْوَةِ أَوْ بِالْأَمْرِ بِالْمُنْكَرِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمَعْرُوفِ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّ الْمُرَادَ: صَدُّهُمُ النَّاسَ عَنِ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَوْقَعُوا أَنْفُسَهُمْ بِهَذَا التَّفْسِيرِ فِي الْإِشْكَالِ وَحَارَ بَعْضُهُمْ فِي الْخُرُوجِ مِنْهُ، وَنَسُوا أَنَّهُمْ كَانُوا فِي غِنًى عَنِ الدُّخُولِ فِيهِ حَتَّى عَدَّ بَعْضُهُمُ الْآيَةَ مِنْ أَكْبَرِ الْمُشْكِلَاتِ ; لِأَنَّ تَحْرِيمَ تِلْكَ الطَّيِّبَاتِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ قَبْلَ بَعْثَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَيْفَ يَكُونُ الصَّدُّ عَنِ الْإِيمَانِ بِهِ سَبَبًا لَهَا، وَالسَّبَبُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْمُسَبِّبِ؟ وَيَتَفَصَّى بَعْضُهُمْ مِنَ الْإِشْكَالِ بِجَعْلِ هَذَا الصَّدِّ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَتَسَاءَلَ بَعْضُهُمْ: مَنْ حَرَّمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَمَتَى كَانَ؟ وَبِمِثْلِ هَذِهِ الْأَفْهَامِ الضَّعِيفَةِ، وَتَقْلِيدِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، يُوَلِّدُونَ لَنَا شُبَهًا عَلَى الْقُرْآنِ وَأَصْلِ الدِّينِ، يَنْقُلُهَا الْكَافِرُونَ بِهِ عَنْهُمْ، وَيَطْعَنُونَ بِهَا فِي بَلَاغَتِهِ وَبَيَانِهِ، وَالصَّوَابُ مَا جَرَيْنَا عَلَيْهِ أَوَّلًا، وَأَنَّ صَدَّهُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ هُوَ إِعْرَاضُهُمْ عَنْ هِدَايَةِ دِينِهِمْ غَوَايَةً وَإِغْوَاءً، وَذَلِكَ مُفَصَّلٌ فِي كُتُبِهِمُ الدِّينِيَّةِ.
وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ أَيْ وَبِسَبَبِ أَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ عَلَى أَلْسِنَةِ أَنْبِيَائِهِمْ، وَلَكِنَّ التَّوْرَاةَ الَّتِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ إِنَّمَا تُصَرِّحُ بِتَحْرِيمِ أَخْذِهِمُ الرِّبَا مِنْ
شَعْبِهِمْ، وَمِنْ إِخْوَتِهِمْ دُونَ الْأَجَانِبِ ; فَفِي سِفْرِ الْخُرُوجِ (٢٢: ٣٥ إِنْ أَقْرَضْتَ فِضَّةً لِشَعْبِي الْفَقِيرِ الَّذِي عِنْدَكَ فَلَا تَكُنْ لَهُ كَالْمُرَابِي. لَا تَضَعُوا عَلَيْهِ رِبًا) وَفِي سِفْرِ اللَّاوِيِّينَ (الْأَحْبَارِ) (٢٥: ٣٥ وَإِذَا افْتَقَرَ أَخُوكَ وَقَصُرَتْ يَدُهُ عِنْدَكَ، فَاعْضُدْهُ غَرِيبًا أَوْ مُسْتَوْطِنًا فَيَعِيشُ مَعَكَ ٣٦ لَا تَأْخُذْ مِنْهُ رِبًا وَلَا مُرَابَحَةً. بَلِ اخْشَ إِلَهَكَ فَيَعِيشُ أَخُوكَ مَعَكَ ٣٧ فِضَّتَكَ لَا تُعْطِهِ بِالرِّبَا، وَطَعَامَكَ لَا تُعْطِهِ بِالْمُرَابَحَةِ) وَفِي سِفْرِ تَثْنِيَةِ الِاشْتِرَاعِ (٢٣: ١٩ لَا تُقْرِضْ أَخَاكَ بِرِبًا ; رِبَا فِضَّةٍ، أَوْ رِبَا طَعَامٍ، أَوْ رِبَا شَيْءٍ مَا مِمَّا يُقْرَضُ بِرِبًا ٢٠ لِلْأَجْنَبِيِّ تُقْرِضُ بِرِبًا، وَلَكِنْ لِأَخِيكَ لَا تُقْرِضْ بِرِبًا).
وَنَحْنُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذَا هُوَ نَصُّ التَّوْرَاةِ الَّتِي كَتَبَهَا مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ ; لِأَنَّ نُسْخَةَ مُوسَى فُقِدَتْ بِإِجْمَاعِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَهَذِهِ الَّتِي عِنْدَهُمْ قَدْ كُتِبَتْ بَعْدَ السَّبْيِ، وَثَبَتَ تَحْرِيفُهَا بِالشَّوَاهِدِ الْكَثِيرَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ عِبَارَةَ " لِلْأَجْنَبِيِّ تُقْرِضُ بِرِبًا " قَدْ أَخَذَهَا الَّذِي كَتَبَ التَّوْرَاةَ - عِزْرَا أَوْ غَيْرُهُ - مِنْ مَفْهُومِ الْأَخِ ; لِأَنَّهُ كَتَبَ مَا حَفِظَ مِنْهَا بِالْمَعْنَى. وَهَذَا مِنْ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ الَّذِي لَا يَحْتَجُّ بِهِ جُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْأُصُولِ إِذَا كَانَ مَفْهُومَ لَقَبٍ. عَلَى أَنَّ بَعْضَ أَنْبِيَائِهِمْ قَدْ أَطْلَقُوا ذَمَّ الرِّبَا، وَالنَّهْيَ عَنْهُ إِطْلَاقًا، فَلَمْ يُقَيِّدُوهُ بِشَعْبِ إِسْرَائِيلَ، وَلَا بِإِخْوَتِهِمْ ; كَقَوْلِ دَاوُدَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي الْمَزْمُورِ الْخَامِسِ عَشَرَ: وَهُوَ الرَّابِعُ عَشَرَ، فِي نُسْخَةِ الْجِزْوِيتْ: " وَفِضَّتُهُ لَا يُعْطِيهَا بِالرِّبَا وَلَا يَأْخُذُ الرِّشْوَةَ مِنَ الْبَرِيءِ " وَكَقَوْلِ سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي سِفْرِ الْأَمْثَالِ: (٢٨: ٨ الْمُكْثِرُ مَالَهُ بِالرِّبَا وَالْمُرَابَحَةِ، فَلِمَنْ يَرْحَمُ الْفُقَرَاءَ يَجَمَعُهُ) وَقَوْلِ حَزْقِيَالَ مِمَّا أَوْحَاهُ إِلَيْهِ الرَّبُّ فِي صِفَاتِ الْبَارِّ: (١٨: ٧ بَذَلَ خُبْزَهُ لِلْجَوْعَانِ، وَكَسَا الْعُرْيَانَ ثَوْبًا، وَلَمْ يُعْطِ بِالرِّبَا،
وَلَمْ يَأْخُذْ مُرَابَحَةً) وَشَرِيعَةُ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءِ هِيَ التَّوْرَاةُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونُوا أَخَذُوا إِطْلَاقَ تَحْرِيمِ الرِّبَا مِنْهَا.
وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ كَالرِّشْوَةِ وَالْخِيَانَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ; فَإِنَّ مَنْ أَخَذَ مِنْ مَالِ آخَرَ شَيْئًا بِغَيْرِ مُقَابِلٍ فَقَدْ أَكَلَهُ بِالْبَاطِلِ، وَإِنَّمَا يُعْتَدُّ بِالْمُقَابِلِ إِذَا كُنْتَ تَمْلِكُهُ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْكَ بَذْلُهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ.
ثُمَّ بَيَّنَ - تَعَالَى - جَزَاءَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَلَى هَذِهِ الذُّنُوبِ بَعْدَ بَيَانِ بَعْضِ جَزَائِهَا فِي الدُّنْيَا فَقَالَ: وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا عَذَابَ النَّارِ الْمُؤْلِمِ أَعْتَدْهُ اللهُ: أَيْ هَيَّأَهُ لِلَّذِينِ كَفَرُوا مِنْهُمْ بِأَيِّ رَسُولٍ مِنْ رُسُلِهِ، وَلَا سِيَّمَا عِيسَى وَمُحَمَّدٌ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَهُمُ الَّذِينَ بَيَّنَ اللهُ حَالَهُمْ فِي هَذَا السِّيَاقِ وَغَيْرِهِ.
لَمَّا أَطْلَقَ الْقَوْلَ فِي هَذَا السِّيَاقِ بِبَيَانِ سُوءِ حَالِ الْيَهُودِ وَكُفْرِهِمْ وَعِصْيَانِهِمْ، وَكَانَ ذَلِكَ يُوهِمُ أَنَّ مَا ذَكَرَ عَنْهُمْ عَامٌّ مُسْتَغْرِقٌ لِجَمِيعِ أَفْرَادِهِمْ، جَاءَ الِاسْتِدْرَاكُ عَقِبَهُ فِي بَيَانِ حَالِ خِيَارِهِمْ، الَّذِينَ لَمْ يَذْهَبْ عَمَى التَّقْلِيدِ بِبَصِيرَتِهِمْ، وَهُوَ لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ أَيْ: لَكِنْ أَهْلُ الْعِلْمِ الصَّحِيحِ بِالدِّينِ مِنَ الْيَهُودِ، الْآخِذُونَ فِيهِ بِالدَّلِيلِ دُونَ التَّقْلِيدِ، الرَّاسِخُونَ أَيْ: الثَّابِتُونَ فِيهِ ثَبَاتَ الْأَطْوَادِ، بِحَيْثُ لَا يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا مِنَ الْمَالِ وَالْجَاهِ وَالْمُؤْمِنُونَ مِنْ عَامَّتِهِمْ، أَوْ مِنْ أُمَّتِكَ أَيُّهَا الرَّسُولُ، إِيمَانَ إِذْعَانٍ يَبْعَثُ عَلَى الْعَمَلِ، لَا إِيمَانَ دَعْوَى وَعَصَبِيَّةٍ وَجَدَلٍ، كَمَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عَنِ الْمُقَلِّدَةِ فِي كُلِّ الْمِلَلِ، كُلٌّ مِنْهُمْ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ أَيُّهَا الرَّسُولُ، مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى فِي الْقُرْآنِ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ عَلَى مُوسَى وَعِيسَى وَغَيْرِهِمَا مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ بِالْهَوَى وَالْعَصَبِيَّةِ. رَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ: اسْتَثْنَى اللهُ مِنْهُمْ، فَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، وَمَا أُنْزِلَ عَلَى نَبِيِّ اللهِ، يُؤْمِنُونَ بِهِ وَيُصَدِّقُونَ بِهِ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ. وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْآيَةِ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ، وَأُسَيْدِ بْنِ سَعْيَةَ، وَثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْيَةَ، حِينَ فَارَقُوا يَهُودَ وَأَسْلَمُوا.
وَمَا جَرَيْنَا عَلَيْهِ مِنْ جَعْلِ مَا تَقَدَّمَ جُمْلَةً تَامَّةً ظَاهِرٌ يُسِيغُهُ الْفَهْمُ بِغَيْرِ غُصَّةٍ، وَلَا يَعْتَرِضُ الذِّهْنَ فِيهِ شُبْهَةٌ وَلَا كَبْوَةٌ، وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ أَنَّ جُمْلَةَ " يُؤْمِنُونَ " إِلَخْ. حَالِيَّةٌ أَوْ مُعْتَرِضَةٌ لَا خَبَرِيَّةٌ، أَوْ أَنَّ الْخَبَرَ هُوَ جُمْلَةُ " أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ " فِي آخِرِ الْآيَةِ. وَقَدْ رَاجَعْتُ تَفْسِيرِ الرَّازِيِّ بَعْدَ كِتَابَةِ مَا تِقَدَّمَ فَإِذَا هُوَ يَجْزِمُ بِأَنَّ الرَّاسِخُونَ مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا هُوَ
تفسير المنار
محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني