المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه فضائح اليهود وقبيح أعمالهم ذكر هنا تشديده عليهم في الدنيا والآخرة أما في الدنيا فبتحريم طيبات كانت محللة لهم وأما في الآخرة فبما بينه الله بقوله :
وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما ثم بين أن فريقا منهم آمنوا إيمانا صادقا وعملوا الصالحات فأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وتوعدهم بالأجر العظيم يوم القيامة.
و بعد أن بين في هذا السياق سوء حال اليهود وكفرهم وعصيانهم وأطلق القول في ذلك وكان هذا مما يوهم أنه شامل لكل أفرادهم جاء الاستدراك عقبة ببيان حال خيارهم الذين لم يذهب عمى التقليد بنور عقولهم فقال :
لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك أي لكن أهل العلم الصحيح بالدين منهم المستبصرون فيه غير التابعين للظن الذين لا يشترون به ثمنا قليلا من المال والجاه والمؤمنون من أمتك إيمان إذعان لا إيمان عصبية وجدل يؤمنون بما أنزل إليك من البينات والهدى وما أنزل على موسى وعيسى وغيرهما من الرسل ولا يفرقون بين الله ورسله بهوى ولا عصبية.
روى ابن إسحاق والبيهيقي في الدلائل عن ابن عباس أن الآية نزلت في عبد الله بن سلام وأسيد بن سعية وثعلبة بن سعية حين فارقوا يهود وأسلموا.
والمقيمين الصلاة أي وأخص منهم المقيمين الصلاة الذين يؤدونها على وجه الكمال فهم أجدر المؤمنين بالرسوخ في الإيمان إذ إقامتها بإتمام أركانها علامة كمال الإيمان واطمئنان النفس به.
والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أي والمؤتون الزكاة والمؤمنون يالله واليوم الآخر مثل المقيمين الصلاة في استحقاق المدح بالتبع إذ إقامتها تستدعي إيتاء الزكاة فإن الذي يقيمها على الوجه الذي طلبه الدين لا يمنع الزكاة إذ هي مما تزكي النفس وتعلي الهمة وتهون على النفس المال قال تعالى : إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ ( المعارج : ١٩ -٢٢ ).
أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما } أي هؤلاء الذين وصفوا بما ذكر كله سنعطيهم أجرا عظيما لا يدرك وصفه إلا علام الغيوب.
تفسير المراغي
المراغي