ﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞ

{ لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى
بالله شهيدا }
الآيات السابقة بينت أحوال القلوب إذا أظلمت والنفوس إذا انحرفت وعصت أمر ربها، وجعل حال بني إسرائيل في ماضيهم وحاضرهم مثلا واضحا بينا، فقد مالت قلوبهم عن الحق بعد أن جاءتهم البينات، وما من آية أتتهم لتزيدهم إيمانا إلا ازدادوا بها كفرانا، وما تركوا جريمة إلا ارتكبوها باسم أنهم أبناء الله تعالى وأحباؤه، ومع ذلك الزعم يقتلون أنبياء الله ويعصون الآخرين من رسله، وهم يعاملون محمدا صلى الله عليه وسلم بما عاملوا به من سبقه من الأنبياء، غدروا بعد أن عاهدهم ووفى لهم، وحاولوا قتله غدرا، واشتركوا مع أعدائه لقهره ولكن الله تعالى منعه منهم ومكنه من رقابهم.
وبعد أن ذكر سبحانه ما يدل على شدة جحودهم، أشار سبحانه إلى أنه لا يلتفت إليهم، وأنه ليس بدعا من الرسل بل هو كمال السلسلة من النبوة التي اختارها الله تعالى من البشر، لتكون حجة الله تعالى إلى يوم القيامة : فقال عز من قائل : إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط .
هذا النص مربوط في المعنى بقوله تعالى : يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك... ( ١٥٣ ) ( النساء ).
وقد قالوا غير ذلك في آية أخرى فأنكروا الرسالة الإلهية جملة من بعد موسى، وقالوا :... ما أنزل الله على بشر من شيء... ( ٩١ ) ( الأنعام ) مبالغة في إنكار رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، ففي هذه الآيات وما إليها بيان بوحي الله تعالى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأنه مثل بقية الرسل، فما كان بدعا من الرسل بل هو في تلقي رسالة الله كسائر الرسل، ولذا قال تعالى :
إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده
جحد أهل الكتاب وكفروا برسالة النبي صلى الله عليه وسلم وطلبوا إليه أن يأتي بشهادة من عند الله، وعينوا الشهادة بأن تكون كتابا كما قال تعالى : يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء...( ١٥٣ ) ( النساء ) فرد سبحانه وتعالى عليهم بقوله تعالى : لكن الله يشهد بما أنزل إليك فالاستدراك هنا عن مستدرك من كلامهم وجحودهم، فالمعنى إذا كانوا لا يقرون بالحق ويذعنون له، فالله تعالى شاهد بالحق وأي بينة أجل من بيان الله تعالى تلزم المنكرين أنى يكونون، والشهادة هي قول الحق المبني على اليقين القاطع، وشهادة الله أقوى وثيقة في هذا الوجود، وكانت شهادته بالإعجاز في القرآن المحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقد أنزله الله تعالى بعلمه وإرادته وحكمته فهو حجة النبي صلى الله عليه وسلم وشهادة الله تعالى بالصدق. وشهادة الملائكة تبع لشهادة الله تعالى، وشهادتهم تكون يوم القيامة، يوم الحساب والعقاب، فشهادة الله تعالى للنبي وعليهم، وشهادة الملائكة عليهم يوم الحساب والعقاب.
وقد ختم سبحانه وتعالى الآية بقوله : وكفى بالله شهيدا أي أنه لا عبرة بإنكار المنكرين بعد شهادة الله تعالى، ففيها عزة الحق وخفض الباطل، ولم تذكر هنا شهادة الملائكة لأنها تبع لشهادة الله تعالى، وفي ذكر المتبوع غناء عن التابع، والله سبحانه وتعالى على كل شيء شهيد.

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو زهرة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير