(لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦)
* * *
جحد أهل الكتاب وكفروا برسالة النبي - ﷺ - وطلبوا اليه أن يأتي بشهادة من عند الله، وعينوا الشهادة بأن تكون كتابا كما قال تعالى (يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ...)، فرد سبحانه وتعالى عليهم بقوله تعالى (لَكِنِ اللَّه يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ) فالاستدراك هنا عن مستدرك من كلامهم وجحودهم، فالمعنى إذا كانوا لَا يقرون بالحق، ويذعنون له، فالله تعالى شاهد بالحق وأي بينة أجل من بيان الله تعالى تلزم المنكرين أنى يكونون، والشهادة هي قول الحق المبني على اليقين القاطع، وشهادة الله أقوى وثيقة في هذا الوجود،
وكانت شهادته بالإعجاز في القرآن المحكم الذي لَا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وقد أنزله الله تعالى بعلمه، وإرادته وحكمته، فهو حجة النبي - ﷺ - وشهادة الله تعالى بالصدق. وشهادة الملائكة تبع لشهادة الله تعالى، وشهادتهم تكون يوم القيامة، يوم الحساب والعقاب، فشهادة الله تعالى للنبي وعليهم، وشهادة الملائكة عليهم يوم الحساب والعقاب.
وقد ختم سبحانه وتعالى الآية بقوله (وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) أي أنه لَا عبرة بإنكار المنكرين بعد شهادة الله تعالى، ففيها عزة الحق وخفض الباطل، ولم تذكر هنا شهادة الملائكة لأنها تبع لشهادة الله تعالى، وفي ذكر المتبوع غناء عن التابع، والله سبحانه وتعالى على كل شيء شهيد.
* * *
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩)
* * *
في الآيات السابقة كان الكلام في أحوال اليهود، وسائر الكافرين، وبين سبحانه كيف كانت تأتيهم المعجزات القاهرة، والبينات الباهرة، ومع ذلك يستمرون في إنكارهم، ويلجون في عنادهم، ويطلبون آيات أخرى، والمآل الكفران، حتى إن بعضهم في الماضي ليسألون موسى أن يريهم الله جهرة، وبعضهم في عصر نزول آية يطلب آية أخرى، والنبي يتحداهم بالقرآن أن يأتوا بمثله أو بسورة من مثله ولو مفتراة، وهو يجادلهم بالتي هي أحسن. وقد بين سبحانه أنه تعالى أرسل الرسل ليقيم الحجة، ويختار من عباده للرسالة من يشاء،
وإنكارهم لَا يجديهم ولا يهديهم، ولا ينجيهم، بل إن العقاب يوم القيامة يترقبهم، وإنهم بقدر لجاجتهم في الإنكار يبتعدون عن طريق الهداية، وأوغلوا في طريق الغواية، حتى يصلوا في طريق جهنم إلى نهايته، وإنهم لخالدون فيها، وقد قال سبحانه وتعالى:
صفحة رقم 1970زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة