ﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨ

م١٥
المعنى الجملي : لما ذكر سبحانه أن من تاب وأصلح تركت عقوبته وأزيل الأذى عنه وأنه هو التواب الذي يقبل التوبة عن عباده –ذكر هنا وقت التوبة وشرط قبولها ورغبته في تعجيلها حتى لا يأتي الموت وهو مصر على الذنب فلا تنفعه التوبة وأرشد أولياء الأمر إلى الطريق الذي يسلكونه مع العصاة في معاقبتهم وتأديبهم فأمر هنا بالإعراض عن أذى من تاب وأصلح العمل بعد أن فرض عقوبة مرتكبي الفواحش في الآية السالفة فهذه شرح لذلك الإصلاح في العمل.
و بعد أن بين حال من تقبل توبتهم ذكر حال أضدادهم الذين لا تقبل منهم التوبة فقال :
وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن أي أن سنة الله قد مضت بأن التوبة لا تكون للذين يعملون السيئات منهمكين فيها إلى حضور الموت وصدور ذلك القول منهم لأن هؤلاء قد أحاطت بهم خطيئاتهم ولم تدع للأعمال الصالحة مكانا في نفوسهم فهم أصروا عليها إلى أن حضرهم الموت ويئسوا من الحياة التي يتمتعون بها وحينئذ يقول أحدهم : إني تبت الآن وما هو من التائبين بل من المدعين الكاذبين.
و الخلاصة : إن التوبة لمثل هؤلاء ليست مقبولة حتما فأمرهم مفوض إلى الله تعالى وهو العليم بحالهم وحديث قبول توبة العبد ما لم يغرغر أو تبلغ روحه الحلقوم – المراد منه حصول التوبة النصوح بأن يدرك المذنب قبح ما كان قد عمله من السيئات ويندم على مزاولتها ويزول حبه لها بحيث لو عاش لما عاد إليها وقلما يحصل مثل هذا الإدراك للمصر على السيئات المستأنس بها في عامة أيام الحياة وإنما الذي يحصل له إدراك العجز عنها واليأس منها وكراهة ما يتوقعه من قرب العقاب عليها عند الموت.
ولا الذين يموتون وهم كفار أي لا تقبل توبة لهؤلاء ولا لهؤلاء وقد سوى الله بين الذين سوفوا توبتهم إلى ان حضر الموت وبين الذين ماتوا على الكفر في أن توبتهم لا تقبل فكما أن المائت على الكفر قد فاتته التوبة على اليقين كذلك المسوف إلى حضرة الموت فكل منهما جاوز الحد المضروب للتوبة إذ هي لا تكون إلا عند التكليف والاختبار.
أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما أعتدنا هيأنا وأعددنا والأليم المؤلم الموجع : أي هذان الفريقان اللذان استعبدهما سلطان الشهوة وخرجا على سنة الفطرة وهداية الشريعة أعددنا لهم العذاب الموجع في الدار الآخرة وجزاء وفاقا لما اكتسبت أيديهم من السيئات مع إصرارهم عليها حتى الممات إذ إنهم أفسدوا قلوبهم ودسوا نفوسهم فصارت تهبط بهم خطاياهم إلى الدرك الأسفل من الهوان وتعجز عن الصعود إلى معاهد الكرامة والرضوان.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير