ﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯ

الآية الرابعة عشر : قَوْله تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا .
فِيهِ تِسْعُ مَسَائِلَ :
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا :
وَفِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ : الْأَوَّلُ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ :«كَانَ الرَّجُلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إذَا مَاتَ كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقَّ بِزَوْجَتِهِ مِنْ وَلِيِّهَا، يَتَزَوَّجُهَا أَوْ يُنْكِحُهَا لِغَيْرِهِ، وَرُبَّمَا أَلْقَى أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِهِ عَلَيْهَا ثَوْبًا، فَكَانَ أَوْلَى بِهَا، حَتَّى مَاتَ ابْنُ عَامِرٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْآيَةَ، وَنحوه عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ .
الْقَوْلُ فِي الْعَضْلِ قَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ؛ قِيلَ فِيهَا أُمِرُوا بِتَخْلِيَةِ سَبِيلِهِنَّ إذَا لَمْ يَرِثُوهُنَّ.
وَقِيلَ : هَذَا خِطَابٌ لِلْجَاهِلِيَّةِ الَّذِينَ كَانُوا يَمْنَعُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ امْرَأَةَ أَبِيهِ أَنْ تَتَزَوَّجَ حَتَّى تَمُوتَ فَيَرِثُهَا ؛ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : مَا آتَيْتُمُوهُنَّ .
قِيلَ : هُوَ خِطَابٌ لِلْأَزْوَاجِ إذَا لَمْ يَتَّفِقُوا مَعَ أَزْوَاجِهِنَّ، نُهُوا أَنْ يُمْسِكُوهُنَّ عَلَى غَيْرِ عِشْرَةٍ جَمِيلَةٍ حَتَّى يَأْخُذُوا مَا أَعْطُوهُنَّ.
وَقِيلَ : هُوَ خِطَابٌ لِلْأَزْوَاجِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَالْجَاهِلِيَّةُ نُهُوا أَنْ يَمْنَعُوا النِّسَاءَ مِنْ النِّكَاحِ، لِمَنْ أَرَدْنَ إذَا مَاتَ أَزْوَاجُهُنَّ، وَلَا يَحْبِسُوهُنَّ لِيَرِثُوا مِنْهُنَّ مَا وَرِثُوا مِنْ مُوَرِّثِهِمْ، عُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : آتَيْتُمُوهُنَّ ، لِأَنَّهُ إعْطَاءٌ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى وَجْهِ الْمِيرَاثِ، وَهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْخُذُوهُ عَلَى وَجْهِ الْغَصْبِ مِيرَاثًا أَيْضًا.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : إلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ .
وَفِي ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ :
الْأَوَّلُ : قِيلَ : الْفَاحِشَةُ الزِّنَا.
الثَّانِي : قِيلَ : النُّشُوزُ.
الثَّالِثُ : قَالَ عَطَاءٌ : كَانَ الرَّجُلُ مِنْ الْجَاهِلِيَّةِ إذَا زَنَتْ امْرَأَتُهُ أَخَذَ جَمِيعَ مَالِهَا الَّذِي سَاقَهُ لَهَا، ثُمَّ نَسَخَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ ذَلِكَ بِالْحُدُودِ.
الرَّابِعُ : قِيلَ : إنَّهُ كَانَ فِي الزِّنَا ثَلَاثَةُ وُجُوهٍ، قِيلَ لَهُمْ : وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا. . . الْآيَةَ، ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ : وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ ، فَجَازَ لَهُ عَضْلُهَا عَنْ حَقِّهَا وَأَخْذُ مَالِهَا. ثُمَّ نَزَلَتْ : وَاَللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا ، فَهَذَا الْبِكْرَانِ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : فِي تَحْقِيقِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَقْوَالِ.
أَمَّا مَنْ قَالَ إنَّهُ الزِّنَا وَالنُّشُوزُ فَقَدْ بَيَّنَّا أَحْكَامَ جَوَازِ الْخُلْعِ وَأَخْذِ مَالِ الْمَرْأَةِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُ عَطَاءٍ فَمُحْتَمَلٌ صَحِيحٌ تَتَنَاوَلُهُ الْآيَةُ، لَكِنْ لَا يُقَالُ فِي مِثْلِ هَذَا إنَّهُ نَسْخٌ، وَإِنْ كَانَ فِي التَّحْقِيقِ نَسْخًا ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَسَخَ الْبَاطِلَ، وَلَكِنْ اللَّفْظَ مُجْمَلٌ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ، وَشَرْطٌ يَرْتَبِطُ بِهِ مَعْلُومٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ مُبَيَّنٌ فِي مَوْضِعِهِ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : كَانَ فِي الزِّنَا ثَلَاثَةُ أَنْحَاءٍ فَتَحَكُّمٌ مَحْضٌ، وَنَقْلٌ لَمْ يَصِحَّ، وَتَقْدِيرٌ يَفْتَقِرُ إلَى نَقْلٍ ثَابِتٍ، وَلَمْ يَكُنْ، فَلَا مَعْنَى لِلِاشْتِغَالِ بِهِ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : فِي تَقْدِيرِ الْآيَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْأَقْوَالِ :
وَهُوَ أَنَّ الْمَعْنَى لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَحْبِسَ امْرَأَةً كَرْهًا حَتَّى يَأْخُذَ مَالَهَا إذَا مَاتَتْ كَانَتْ غَيْرَ زَوْجَةٍ أَوْ زَوْجَةً قَدْ سَقَطَ غَرَضُهُ فِيهَا، وَسَقَطَتْ عِشْرَتُهُ الْجَمِيلَةُ مَعَهَا، وَلَا يَحِلُّ عَضْلُهَا عَنْ النِّكَاحِ لِغَيْرِهِمْ حَتَّى يَأْخُذَ الزَّوْجُ مَا أَعْطَاهَا صَدَاقًا، أَوْ لِيَأْخُذَ الْغَاصِبُ مَا كَانَ أَخَذَ مِنْ مَالِ مُوَرِّثِهِ ؛ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْهُنَّ ذَنْبٌ بِزِنًا أَوْ نُشُوزٍ لَا تَحْسُنُ مَعَهُ عِشْرَةٌ، فَجَائِزٌ عِنْدَ ذَلِكَ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِنِكَاحِهَا حَتَّى يَأْخُذَ مِنْهَا مَالًا، فَأَوَّلُ الْآيَةِ عَامٌّ فِي الْأَزْوَاجِ وَغَيْرِهِمْ ؛ وَآخِرُهَا عِنْدَ الِاسْتِثْنَاءِ مَخْصُوصٌ بِالْأَزْوَاجِ.
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ .
وَحَقِيقَةُ " عَشَرَ " فِي الْعَرَبِيَّةِ الْكَمَالُ وَالتَّمَامُ، وَمِنْهُ الْعَشِيرَةُ، فَإِنَّهُ بِذَلِكَ كَمُلَ أَمْرُهُمْ وَصَحَّ اسْتِبْدَادُهُمْ عَنْ غَيْرِهِمْ.
وَعَشَرَةٌ تَمَامُ الْعَقْدِ فِي الْعَدَدِ، وَيُعَشَّرُ الْمَالُ لِكَمَالِهِ نِصَابًا.
فَأَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْأَزْوَاجَ إذَا عَقَدُوا عَلَى النِّسَاءِ أَنْ يَكُونَ أُدْمَةُ مَا بَيْنَهُمْ وَصُحْبَتُهُمْ عَلَى التَّمَامِ وَالْكَمَالِ، فَإِنَّهُ أَهْدَأُ لِلنَّفْسِ، وَأَقَرُّ لِلْعَيْنِ، وَأَهْنَأُ لِلْعَيْشِ، وَهَذَا وَاجِبٌ عَلَى الزَّوْجِ، وَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ فِي الْقَضَاءِ إلَّا أَنْ يَجْرِيَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ عَلَى سُوءِ عَادَتِهِمْ فَيَشْتَرِطُونَهُ وَيَرْبِطُونَهُ بِيَمِينٍ، وَمِنْ سُقُوطِ الْعِشْرَةِ تَنْشَأُ الْمُخَالَعَةُ، وَبِهَا يَقَعُ الشِّقَاقُ، فَيَصِيرُ الزَّوْجُ فِي شِقٍّ، وَهُوَ سَبَبُ الْخُلْعِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْله تَعَالَى : فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا .
الْمَعْنَى : إنْ وَجَدَ الرَّجُلُ فِي زَوْجَتِهِ كَرَاهِيَةً، وَعَنْهَا رَغْبَةً، وَمِنْهَا نُفْرَةً مِنْ غَيْرِ فَاحِشَةٍ وَلَا نُشُوزٍ فَلْيَصْبِرْ عَلَى أَذَاهَا وَقِلَّةِ إنْصَافِهَا، فَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُ.
أَخْبَرَنِي أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ بِالْمُهْدِيَةِ، عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ السُّيُورِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : كَانَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ الْعِلْمِ وَالدِّينِ فِي الْمَنْزِلَةِ الْمَعْرُوفَةِ، وَكَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ سَيِّئَةُ الْعِشْرَةِ، وَكَانَتْ تُقَصِّرُ فِي حُقُوقِهِ، وَتُؤْذِيهِ بِلِسَانِهَا فَيُقَالُ لَهُ فِي أَمْرِهَا فَيَسْدُلُ بِالصَّبْرِ عَلَيْهَا، وَكَانَ يَقُولُ :«أَنَا رَجُلٌ قَدْ أَكْمَلَ اللَّهُ عَلَيَّ النِّعْمَةَ فِي صِحَّةِ بَدَنِي وَمَعْرِفَتِي، وَمَا مَلَكَتْ يَمِينِي، فَلَعَلَّهَا بُعِثَتْ عُقُوبَةً عَلَى دِينِي، فَأَخَاف إذَا فَارَقْتُهَا أَنْ تَنْزِلَ بِي عُقُوبَةٌ هِيَ أَشَدُّ مِنْهَا ».
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى كَرَاهِيَةِ الطَّلَاقِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ قَبْلَ هَذَا.

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

ابن العربي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير