يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ١٩ وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا ( النساء : ١٩-٢١ )
تفسير المفردات : العضل : التضييق والشدة ومنه الداء العضال الشديد الذي لا نجاة منه والفاحشة : الفعلة الشنيعة الشديدة القبح والمبينة : الظاهرة الفاضحة والمعروف : ما تألفه الطباع ولا يستنكره الشرع ولا العرف ولا المروءة
المعنى الجملي : بعد أن نهى سبحانه فيما تقدم عن عادات الجاهلية في أمر اليتامى وأموالهم أعقبه بالنهي عن الاستنان بسنتهم في النساء وأموالهن وقد كانوا يحتقرون النساء ويعدونهن من قيبل المتاع حتى كان الأقربون يرثون زوجة من يموت منهم كما يرثون ماله فحرم الله عليهم هذا العمل روى البخاري وأبو داود أنه كان إذا مات الرحل منهم كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها وإن شاؤوا زوجوها وإن شاؤوا لم يزوجوها فهم أحق بها من أهلها فنزلت هذه الآية في ذلك وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال : جاءت كبيشة ابنة معن بن عاصم من الأوس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكانت تحت إبي قيس بن الأسلت فتوفي عنها فجنح عليها ( ضيق ) ابنه وقالت له : لا أنا ورثت زوجي ولا أنا تركت فأنكح فنزلت الآية.
الإيضاح : يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها أي لا يحل لكم أيها الذين آمنوا بالله ورسوله أن تسيروا على سنة الجاهلية في هضم حقوق النساء فتجعلوهن ميراثا لكم كالأموال والعبيد وتتصرفوا فيهن كما تشاؤون وهن كارهات لذلك فان شاء أحدكم تزوج امرأة من يموت من أقاربه وإن شاء زوجها غيره وإن شاء أمسكها ومنعها الزواج.
ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما أتيتموهن أي لا يحل لكم إرث النساء ولا التضييق عليهم ومضارتهن ليكرهنكم ويضطرون إلى الافتداء منكم بالمال من ميراث وصداق ونحو ذلك فقد كانوا يتزوجون من يعجبهم حسنا ويزوجون من لا تعجبهم أو يمسكونها حتى تفتدي بما كانت ورثت من قريب الوارث أو ما كانت أخذت من صداق ونحوه أو كل هذا وربما كلفوها الزيادة إم علموا أنها تستطيعها.
أخرج ابن جرير عن ابن زيد قال : كانت قريش بمكة ينكح الرجل منهم المرأة الشريفة فلعلها ما توافقه فيفارقها على ألا تتزوج إلا بإذنه فيأتي بالشهود فيكتب ذلك عليها فإذا خطبها خاطب فإن أعطته وأرضته أذن لها وإلا عضلها وكثيرا ما كانوا يضيقون عليهن ليفتدين منهم بالمال.
إلا أن يأتين بفاحشة مبينة أي لا تعضلوهن في أي حال إلا في حال التي يأتين فيها بالفاحشة المبينة دون الظنة والشبهة، فإذا نشزن عن طاعتكم وساءت عشرتهم ولم ينفع معهن التأديب أو تبين ارتكابهن للزنى أو السرقة أو نحو ذلك من الأمور الفاحشة الممقوتة عند الناس، فلكم حينئذ أن تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن من صداق وغيره من المال، لأن الفحش قد أتى من جانبها، وإنما اشترط في الفاحشة أن تكون مبينة : أي ظاهرة فاضحة لصاحبها لأنه ربما ظلم الرجل المرأة بإصابتها الهفوة الصغيرة أو بمجرد سوء الظن والتهمة، فمن الرجال الغيور السيء الظن الذي يؤاخذ بأتفه الأمور ويعده عظيما، وإنما أبيح للرجل أن يضيق على امرأته إذا أتت بهذه الفاحشة المبينة، لأنها ربما كرهته ومالت إلى غيره فتؤذيه بفاحش القول أو الفعل ليملها ويسأم معاشرتها فيطلقها فتأخذ ما كان أعطاها وتتزوج غيره وتتمتع بمال الأول وربما فعلت مع الثاني ما فعلت مع الأول فإذا علم النساء أن العضل والتضييق بيد الرجال ومما أبيح لهم إذا هن أهنهم فإن ذلك يكفهن عن ارتكابها والاحتيال بها على أرذل أنواع الكسب.
وعاشروهن بالمعروف أي وعليكم أن تحسنوا معاشرة نسائكم فتخالطوهن بما تألفه طباعهن ولا يستنكره الشرع ولا العرف ولا تضيقوا عليهن في النفقة ولا تؤذوهن بقول ولا فعل ولا تقابلوهن بعبوس الوجه ولا تقطيب الجبين.
و في كلمة ( المعاشرة ) معنى المشاركة والمساواة أي عاشروهن بالمعروف وليعاشرنكم كذلك فيجب أن يكون كل من الزوجين مدعاة لسرور الآخر وسبب هناءته وسعادته في معيشته ومنزله :{ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً { ( الروم : ٢١ ).
فأن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا أي فإن كرهتموهن لعيب في أخلاقهن أو دمامة في خلقهن مما ليس لهن فيه كسب أو لتقصير في العمل الواجب عليهن كخدمة البيت والقيام بشؤونه مما لا يخلو عن مثله النساء في أعمالهن أو لميل منكم إلى غيرهن فاصبروا ولا تعجلوا بمضارتهن ولا بمفارقتهن فربما كرهت النفس ما هو أصلح في الدين وأوفى إلى الخير ومن ذلك :
الأولاد النجباء فرب امرأة يملها زوجها ويود فراقها ثم يجيئه منها من تقر به عينه من الأولاد النجباء فيعلو قدرها عنده بذلك.
أن يصلح حالها بصبره وحسن معاشرته فتكون من أعظم أسباب سعادته وسروره في انتظام معيشته وحسن خدمته ولاسيما إذا أصيب بالأمراض أو بالفقر والعوز فتكون خير سلوى وعون في هذه الأحوال فيجب على الرجل أن يتذكر أنه قلما يخلو عيب تصبر عليه امرأته في الحال والاستقبال.
وقد جاء قوله : وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ( البقرة : ٢١٦ ) في سياق حديث النساء دستورا إذا نحن اتبعناه كان له الأثر الصالح في جميع أعمالنا وهدانا إلى الرشد في جميع شؤوننا فكثير مما يكرهه الإنسان يكون له في الخير ومتى جاء ذلك الخير ظهرت فائدة ذلك الشيء المكروه والتجارب أصدق شاهد على ذلك فالقتال لأجل حماية الحق والدفاع عنه يكرهه الطبع لما فيه من المشقة لكن فيه إظهار الحق ونصره ورفعة أهله وخذلان الباطل وحزبه إلى أن الصبر على احتمال المكروه يمرن النفس على احتمال الأذى ويعودها تحمل المشاق في جسيم الأمور.
و الخلاصة : إن الإسلام وصى أهله بحسن معاشرة النساء والصبر عليهن إذا كرههن الأزواج رجاء ان يكون فيهن خير ولا يبيح عضلهن وافتداءهن أنفسهن بالمال إلا إذا أتين بفاحشة مبينة بحيث يكون إمساكهن سببا في مهانة الرجل واحتقاره أو إذا خافا ألا يقيما حدود الله وفيما عدا ذلك يجب عليه إذا أراد فراقها أن يعطيها جميع حقوقها وهذا ما أشار إليه بقوله :
المعنى الجملي : بعد أن نهى سبحانه فيما تقدم عن عادات الجاهلية في أمر اليتامى وأموالهم أعقبه بالنهي عن الاستنان بسنتهم في النساء وأموالهن وقد كانوا يحتقرون النساء ويعدونهن من قيبل المتاع حتى كان الأقربون يرثون زوجة من يموت منهم كما يرثون ماله فحرم الله عليهم هذا العمل روى البخاري وأبو داود أنه كان إذا مات الرحل منهم كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها وإن شاؤوا زوجوها وإن شاؤوا لم يزوجوها فهم أحق بها من أهلها فنزلت هذه الآية في ذلك وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال : جاءت كبيشة ابنة معن بن عاصم من الأوس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكانت تحت إبي قيس بن الأسلت فتوفي عنها فجنح عليها ( ضيق ) ابنه وقالت له : لا أنا ورثت زوجي ولا أنا تركت فأنكح فنزلت الآية.
تفسير المراغي
المراغي