إن الله لا يظلم مثقال ذرة المثقال مفعال من الثقل والذرة، هي النملة الصغيرة الحمراء، وقيل الذرة أجزاء الهباء المرئية في الكون ولا يكون لها ثقل، والمعنى أن الله لا يظلم شيئا وفيه إشارة إلى أن ما أعد الله تعالى للكافرين من العذاب المهين عدل ليس بظلم بل ترك تعذيبهم بعد إتلافهم حقوق الله تعالى من التوحيد والعبادة وحقوق الوالدين والأقربين وغيرهم كأنه ظلم بالنسبة إلى من ما منعوا عن الحقوق، ويمكن أن يقال إنهم استخفوا العذاب بحيث لو منعوا عن التعذيب كانوا كأنهم ظلموا. والظلم عبارة عن وضع الشيء في غير محله وفعل شيء لا يجوز فعله وذلك غير متصور من الله تعالى فإنه تعالى خالق الأشياء مالك الملك لو عذب العالمين من غير ذنب لا يكون ظلما، لكن المراد هاهنا أنه لا يفعل فعلا لو صدر ذلك الفعل من غيره عد ظلما يعني أنه تعالى : لا ينقص من أجور الطاعات ولا يزيد في عقاب المعاصي. روى البغوي بسنده عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزي بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يعطى بها خيرا " ١ رواه أحمد ومسلم، وعن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا خلص المؤمنون من النار وآمنوا فما مجادلة أحدكم لصاحبه في الحق يكون في الدنيا بأشد مجادلة من المؤمنين بربهم في إخوانهم الذين أدخلوا النار، قال : يقولون ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويحجون معنا، قال : فيقول : اذهبوا فأخرجوا من عرفتم منهم، فيأتونهم فيعرفونهم بصورهم لا تأكل النار صورهم فمنهم من أخذته النار إلى أنصاف ساقيه ومنهم من أخذته إلى كعبيه فيخرجونهم فيقولون ربنا : قد أخرجنا من أمرتنا، قال : ثم يقول أخرجوا من كان في قلبه وزن دينار من الإيمان ثم من كان في قلبه وزن نصف دينار حتى يقول من كان في قلبه مثقال ذرة، قال أبو سعيد : فمن لم يصدق هذا فليقرأ هذه الآية إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ٤٠ قال : فيقولون ربنا قد أخرجنا من أمرتنا فلم يبق في النار أحد فيه خير، ثم يقول الله عز وجل شفعت الملائكة وشفعت الأنبياء وشفع المؤمنون وبقي أرحم الراحمين، قال : فيقبض قبضته من النار، أو قال : قبضتين ناسا لم يعملوا لله خيرا قط قد احترقوا حتى صاروا حمما فيؤتى بهم إلى ماء يقال له ماء الحياة فيصب عليهم فينبتون كما ينبت الحبة في حميل السيل، قال : فيخرج أجسادهم مثل اللؤلؤ في أعناقهم الخاتم عتقاء الله فيقال لهم ادخلوا الجنة فما تمنيتم أو رأيتم شيئا فهو لكم، قال : فيقولون : ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين، قال : فيقول فإن عندي لكم أفضل منه، فيقولون : ربنا. وما أفضل من ذلك ؟ فيقول : رضائي عنكم فلا أسخط عليكم أبدا " رواه البغوي بسنده. وفي الصحيحين نحوه في حديث طويل وليس فيهما قول أبي سعيد فمن لم يصدق هذا فليقرأ هذه الآية. وعن عبد الله ابن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الله سيخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعون سجلا كل سجل مد البصر. ثم يقول الله : أتنكر هذا شيئا أظلمك كتبتي الحافظون ؟ فيقول : لا يا رب، فيقول : أفلك عذر أو حسنة ؟ فبهت الرجل قال : لا يا رب، فيقول : بلى إن لك عندنا حسنة وإنه لا ظلم عليك اليوم، فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا عبده ورسوله، فيقول : أحضر وزنك، فيقول : يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات ؟ فقال : إنك لا تظلم، قال : فيوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وتقلت البطاقة، قال : فلا يثقل مع اسم الله شيء " ٢ رواه ابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححه، وقال قوم : معنى هذه الآية إن الله لا يظلم مثقال ذرة للخصم على الخصم بل يأخذ له منه ولا يظلم مثقال ذرة يبقى له بل يثيبه عليها ويضعفها له كما قال : وإن تك حذف النون، من غير قياس تشبيها بنون الرفع ولم يعد الواو التي حذفت لالتقاء الساكنين بعد حذف النون وهذا خلاف قياس آخر وكأنهم لم يعيدوها تحرزا عن صورة إبقاء حرف العلة في آخر الكلمة مع الجازم حسنة واحدة. قرأ أهل الحجاز بالرفع على أن تكون تامة وحسنة فاعلها، والباقون بالنصب على أنها ناقصة وضمير الاسم راجع إلى مثقال ذرة وأنت الضمير لتأنيث الخبر أو لإضافة المثقال إلى مؤنث يعني إن يك مثقال ذرة حسنة يضاعفها أي يجعلها أضعافا كثيرة. عن أبي هريرة قال : والله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" إن الله ليضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة " رواه ابن جرير وابن أبي شيبة ويؤت صاحبه من لدنه تفضلا زائدا على ما وعد في مقابلة العمل أجرا عظيما قال البغوي : قال أبو هريرة إذا قال الله أجرا عظيما فمن يقدر قدره، عن ابن مسعود قال : إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين ثم نادى مناد ألا من كان يطلب مظلمة فليجيء إلى حقه فليأخذ فيفرح المرء أن يكون له الحق على والده أو ولده أو زوجته أو أخيه فيأخذ منه وإن كان صغيرا ومصداق ذلك في كتاب الله عز وجل فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم ٣ الآية، ويؤتى بالعبد وينادي مناد على رؤوس الأولين والآخرين : هذا فلان فمن كان له عليه حق فليأت إلى حقه ثم يقال له آت هؤلاء حقوقهم، فيقول : يا رب من أين وقد ذهبت الدنيا فيقول الله عز وجل لملائكته انظروا في أعماله وأعطوهم منها فإن بقي مثقال ذرة حسنة. قالت الملائكة : يا ربنا بقي له مثقال ذرة حسنة، فيقول الله ضعّفوه لعبدي وأدخلوه بفضل رحمتي الجنة ومصداق ذلك في كتاب الله عز وجل إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها وإن كان عبدا شقيا قالت الملائكة : إلهنا فنيت حسناته وبقي طالبون، فيقول الله عز وجل : خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته ثم صكوا له صكا إلى النار " رواه البغوي : وكذا روى ابن المبارك وأبو نعيم وابن أبي حاتم.
٢ أخرجه الترمذي في كتاب: الإيمان، باب: ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله (٢٦٣٨) وأخرجه ابن ماجه في كتاب: الزهد، باب: ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة (٤٣٠٠)..
٣ سورة المؤمنون، الآية: ١٠١.
التفسير المظهري
المظهري