إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما .
والظلم : الأصل فيه محبة الانتفاع بجهد غيره، فعندما تظلم واحدا فهذا يعني أنك تأخذ حقه، وحقه ما جاء به بجهده وعرقه، وتأخذه أنت بدون جهد ولا عرق. ويتبع هذا أن يكون الظالم قويا. لكن ماذا عن الذي يظلم إنسانا لحساب إنسان آخر ؟ إنه لم ينتفع بظلمه ولكن غيره هو الذي انتفع. وهذا شر من الأول : عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال( بادروا بالأعمال ستكون فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا )(١).
لأنه ظلم إنسانا لنفع عبد آخر ولم يأخذ هو شيئا لنفسه.
إذن فالظلم إما أن يكون الانتفاع بثمرة جهد غيرك من غير كد، وإما أن تنفع شخصا بجهد غيره، والله سبحانه وتعالى إذا نظرنا إليه وهو قوة القوي إذا أراد أن يظلم وحاشا لله أن يظلم فماذا يكون شكل ظلمه ؟ إن الظلم يتناسب مع قوة الظالم، إذن فقوة القوي عندما تظلم فظلمها لا يطاق، ثم لماذا يظلم ؟ وماذا يريد أن يأخذ وهو من وهب ؟ إنه سبحانه مستغن، ولن يأخذ من هذا ليعطي ذاك، فكلهم بالنسبة له سواء ؛ لأنه سبحانه لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، كلهم متساوون، فلماذا يظلم ؟.
إن الظلم بالنسبة لله محال عقليا ومحال منطقيا، فلا يمكن لله أن يضيع عمل حسنة ولا أن يضاعف سيئة. فهذه لا تتأتى، والله واهب كل النعم للناس جميعا. ومادام هو من وهب كل النعم، فسبحانه غير منتفع بآثاره في خلقه. إن الحق سبحانه وتعالى ينفي عن نفسه الظلم في قوله : وما ربك بظلام للعبيد ٤٦ ( من الآية ٤٦ سورة فصلت ).
فكلمة " ظلام " مثل قولنا : فلان " أكال " وفلان " نوام ". وهي تختلف عن قولنا : فلان نائم، يعني نام مرة، ولكن " نوام " فهذا يعني مداومته على النوم كثيرا، أي أنه إما أن يكون مبالغا في الحدث، وإما أن يكون مكررا للحدث، فالمبالغة كما نعرف تأتي مرة لأن الحدث واحد لكنه قوي، ومرة يكون الحدث عاديا لكنه مكرر، هذه هي المبالغة، فقوله سبحانه وتعالى : وما ربك بظلام " نفى للمبالغة، وهذا لا يقتضي نفي غير المبالغة. ونقول : الله لو ظلم لكان ظلمه مناسبا قدرته فيكون كبيرا كثيرا، ولو كان ظالما لشمل ظلمه وعم الخلق جميعا فيكون كذلك كبيرا كثيرا ولكن الله سبحانه يقول :{ إن الله لا يظلم مثقال ذرة . وسبحانه يحسب السيئة سيئة واحدة. أما الحسنة فيضاعفها، إن الله لا يظلم مثقال ذرة " مثقال " : يعني ثقل ووزن، والثقل هو : مقدار جاذبية الأرض للشيء. فعندما يكون وزن الشيء قليلا وتلقيه من أعلى، فهو ينزل ببطء، أما الشيء الثقيل فعندما تلقيه من أعلى فهو ينزل بسرعة ؛ لأن قوة الجاذبية له تكون أقوى، والإنسان منا حين ينظر إلى كلمة " مثقال " ؛ ويعبر عنها بأنها وزن، فمعيار الميزان هنا " الذرة ". وما " الذرة " ؟.
قال العلماء فيها : هي رأس النملة الصغيرة التي لا تكاد ترى بالعين المجردة، أو النملة نفسها. هذه مقولة، أو الذرة كما قال ابن عباس حين سئل عنها : أخذ شيئا من تراب الأرض ثم نفخه، فلما نفخ تطاير التراب في الهواء، فقال لهم : كل واحدة من هذه اسمها " ذرة " وهو ما نسميه " الهباء "، ونحن الآن الموجودين في مكان واحد لا نرى شيئا في الجو، لكن انظر إلى حزمة ضوئية أي ثقب تدخل منه أشعة الشمس فساعة ترى ثقبا يدخل أشعة الشمس ترى غبارا كثيرا يسبح. والمهم أنك لا تراه جاريا إلا في شعاع الشمس فقط، فهو كان موجودا ونستنشقه، فما الذي جعلني لا أراه ؟. لأنه بلغ من الصغر واللطف مبلغا فوق طوق العين أن تراه، فالذرة واحدة من هذا الغبار، واسمه " الهباء " وواحدة الهباء هي الذرة.
إن الحق سبحانه وتعالى يوضح لنا : أن كل شيء موزون إلى أقل درجات الوزن وهو الذرة، وهي الهباء، ونحن لا نراها إلا في نور محجوز، لأننا في النور القوي لا نرى تلك الذرات، بل نراها فقط في نور له مصدر واحد ونافذ، والحق سبحانه وتعالى لا يظلم مثقال ذرة، وهذا تمثيل فقط ؛ لأن الذرة يمكن أن تكبر، فالذي يكبر يمكن أن يصغر، وقال الحق ذلك ولم يكن عند الإنسان المقياس الذي يفتت به الذرة، وقد حدث أن استطاع الإنسان ذلك، فبعد الحرب العالمية الأولى صنعت ألمانيا اسطوانات تحطيم الجوهر الفرد، أو الجزء الذي لا يتجزأ كما كان يصفه الفلاسفة قديما، ومعنى جزء لا يتجزأ أي لا يمكن أن يأتي أقل منه. ولم يلتفتوا إلى أن أي شيء له مادة إن كان يقبل التكبير فهو أيضا يقبل التصغير. والمهم أن توجد عند الإنسان الآلة التي تدرك الصغر.
ومثال ذلك عندما صعدت الأقمار الصناعية وأخذوا من الجو صورة لمدينة نيويورك ؛ خرجت الصورة صغيرة لمدينة نيويورك. بعد ذلك كبروا الصورة ؛ فأخرجوا أرقام السيارات التى كانت تسير كيف حدث هذا ؟ لقد كانت الصورة الصغيرة تحتوي تفاصيل اكثر دقة لاتراها العين المجردة وعندما يتم تكبيرها يتضح كل شيء حتى ارقام السيارات وضحت بعد أن كانت غير ظاهرة، وإن كنت موجودا في نيويورك في هذه الساعة أكنت تظهر بها ؟ لا يمكن أن تظهر.. لماذا ؟.. لأن صورتك صغرت إلى الحد والقدر الذي لا يمكنك أن تراها وهي بهذا الحجم وهكذا، فالنور عندما يكون محزوما، فالحزمة الضوئية التي تدخل إلى مكان ما، لها من القوة التي تطهر ذرة الهباء الذي لم تكن تراها.
إذن فنور من الله مخلوق ظهرت فيه الذرة، أيخفى على نور الخالق ذرة ؟ لا يمكن أن تخفى عليه سبحانه ؛ لأن النور الذي خلقه أظهر الذرة والهباء الذي كان موجودا ولا نراه، فلن يخفى على نور النور ذرة في الأرض.
وهكذا نعرف أن المسالة بالنسبة لله عملية قطعية، وعندما اخترعوا اسطوانة تحطيم الجوهر الفرد كانت مثل عصارة القصب، ونحن نعرف أن عود القصب يوضع بين عمودين من الحديد. والعمود الواحد اسمه " اسطوانة " وعندما يضيقون الاسطوانتين ثم يمررون عود القصب بينهما، فلا بد أن تكون المسافة بينهما ضيقة حتى إذا نفذ عود القصب يعصر، إذن فكلما ضيقت بين الاسطوانتين يزداد العصر، ومادامت الاسطوانتان تجري كل واحدة منهما على الأخرى فهنا فراغ ضئيل جدا، وحاول العلماء الألمان تضييق الاسطوانتين تضييقا يفتت لنا هذه الذرة، ونجحوا، وأصبح هناك شيء آخر أقل من الذرة.
وظن السطحيون الذين يتربصون بالإسلام وبكتاب الله الدوائر، ويريدون أن يجدوا فيه منفذا. قالوا : إن الله قال : فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره . على أنها أقل شيء وظهر أن هناك أقل من مثقال ذرة ؛ لأن الذرة تحطمت. وقلنا لهؤلاء : أنتم أخذتم آية ونسيتم آيات، فالقرآن قد جاء معجزة ليواجه مجتمعات شتى من لدن رسول الله إلى أن تقوم الساعة، فلا بد أن يكون فيه ما يشبع العقول من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن تقوم الساعة. ولو أن عطاء القرآن صب مرة واحدة في عصر الرسالة لجاءت القرون التالية وليس للقرآن عطاء. فأراد ربنا أن يكون القرآن هو المعجزة والمنهج المتضمن للأحكام والكليات، وهذه أمور مفهومة بالنسبة لعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أن تقوم الساعة. لكن لا يزال هناك كونيات ونواميس للحق في الوجود لم تظهر بعد، فسبحانه يعطي كل عصر على قدر اتساع فهمه.
وعندما نعرف أسرار قضية كونية لا يزيد علينا حكم، فعندما نعرف قضية مثلا كقضية الذرة وتفتيتها ووجود إشارات لها في القرآن الكريم لا يزيد ذلك علينا أي حكم. بل ظلت الأحكام كما هي. فالأحكام واضحة كل الوضوح ؛ لأن من يفعلها يثاب، ومن لا يفعلها يعاقب. والناس الذين ستقوم عليهم الساعة مثل الناس الذين عاصروا حضرة النبي عليه الصلاة والسلام ؛ لذلك لا بد أن تكون الأحكام واحدة، فمن ناحية أن القرآن كتاب أحكام فهذا أمر واضح وضوحا لا زيادة فيه، ولم يفهم المعاصر لرسول الله حكما ثم جاء الإنسان في زماننا ليفهم حكما آخر، بل كل الأحكام سواء.
والقرآن كمعجزة هو أيضا معجزة للجميع. ولا بد أن تكون هناك معجزة لكل جيل. ولكل عصر، ويأتي الإعجاز في الآيات الكونية التي لو لم نعرفها فلن يحدث شيء بالنسبة للأحكام. مثال ذلك : لو لم نعرف أن الأرض تدور أكان انتفاعنا بالأرض يقل ؟ لا.. فنحن ننتفع بالأرض سواء أعلمنا كرويتنا أم لم نعلم، لكن الحق سبحانه وتعالى يواجه العقول بما يمكن أن تطيقه. فإذا ما ارتقت العقول وتنورت واستنارت بمقتضى طموحاتها العلمية في الكون. فالقرآن إن لم يؤيدها فهو لا يعارضها.
وعندما فتتوا الذرة قال المشككون : إن ربنا يضرب بالذرة المثل لأصغر شيء ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره لكن هناك ما هو أقل من الذرة. ونرد عليهم : أنتم نظرتم إلى آية ونسيتم آيات. أنتم لم تنتبهوا كما قلنا إلى أن من فتتوا الذرة إلى إلكترونات وأيونات وموجب وسالب حاولوا بعد ذلك أن يفتتوا ما فتت. والآية التي نحن بصددها الآن : إن الله لا يظلم مثقال ذرة أرضت العقول التي تعرف الذرة الأصلية هذه واحدة، ولماذا لا نسمع قول الله : وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ٦١ 'سورة يونس ).
إذن فهناك ذرة وهناك أصغر من الذرة، ولم تأخذوا في بالكم أن " أصغر " هذه أفعل تفضيل، ولا يوجد أصغر إلاان وجد صغير، إذن فهناك ذرة، وهناك صغير عن الذرة، وهناك أصغر من الصغير، فهناك إذن ثلاث مراحل، فإن فتتوها فلنا رصيد في القرآن يقول بالصغر، فإن فتتم المفتت، فلنا رصيد في القرآن بأصغر ؛، لأن كل أصغر لا بد أن يسبقه صغير، وإن كنت ستفتت المفتت فما زال عندنا رصيد من القرآن يسبق عقولكم في الابتكار، فإن قلت تفتيت جاز، وإن قلت تجميع جاز ؛ لأنها أصغر وأكبر، تفتيت أو تجميع، والمعقول أنك تقول : لا يغيب الأصغر والصغير، والذرة كذلك لا تغيب فكيف يعبر عن الأكبر بأنه لا يغيب مع أنه ظاهر وواضح ؟.
ونقول لك : إن المتكلم هو ربنا، فالشيء لا يدرك إما لأنه لطيف في غاية الدقة بحيث لا تتعلق به الباصرة فلا يرى، وأيضا لا يدرك لأنه كبير بصورة أكبر من أن تحيط به الباصرة، فحين ترى جبلا كبيرا على بعد اثنين من الكيلومترات أو ثلاثة فأنت لا تدركه ؛ لأنه أكبر من أن يحيط به إشعاع بصرك، ولكن الأمر بالنسبة لله يختلف فلا يوجد صغير يدق لا يراه، ولا كبير يكبر لا يراه، إذن فلا بد أن تأتي ولا أصغر من ذلك ولا أكبر . وفي آية أخرى يقول سبحانه :
يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور٢ ( سورة سبأ ).
وانظروا إلى دقة الحق في الرد على الإنكار للساعة وهي قضية كونية تنسحب على كل العصور.. فيقول سبحانه :
وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا اكبر إلا في كتاب مبين ٣ ( سورة سبأ ).
كان يكفي أن يقول : إن الساعة آتية، لكنه أوضح : اعرفوا أن الساعة آتية، وكل ما فعلتموه معروف، ولماذا يقولون : لا تأتي الساعة ؟ إن هذا لون من تكذيب النفس لأنهم لم ي
تفسير الشعراوي
الشعراوي