قوله تعالى : ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ١.
فيه ثلاث مسائل :
[ ٧٥ ] المسألة الأولى : في المراد بقوله تعالى : فجزاؤه جهنم خالدا فيها .
قال الإمام ابن حزم :( وأما وعيد الله بالخلود في القاتل وغيره، فلو لم يأت إلا هذا النص لوجب الوقوف عنده، لكنه قد قال تعالى : لا يصلاها إلا الأشقى * الذي كذب وتولى ٢، وكلامه تعالى لا يتناقض، وقد صح أن القاتل ليس كافرا، وأن أصحاب الذنوب المتوعد عليها ليسوا كفارا، من أنهم مباح لهم نكاح المسلمات، وأنهم مأمورون بالصلوات، وأن زكاة أموالهم مقبوضة، وأنهم لا يقتلون، وأنه إن عفي عن القاتل فقتله مسلم فإن يقتل به، فإذ ليس كافرا فبيقين، ندري أن خلوده إنما هو مقام مدة ما )٣.
وقال في موضع آخر :( معنى كل هذا : أن الله يحرم الجنة عليه – أي القاتل – حتى يقتص منه، ويحرم النار عليه أن يخلد فيها أبدا، وخالدا فيها مدة حتى تخرجه الشفاعة، إذ لا بد من جمع النصوص كلها )٤.
[ ٧٦ ] المسألة الثانية : في حكم توبة القاتل المتعمد.
يرى الأمام ابن حزم أن توبة القاتل المتعمد مقبولة، واستدل على ذلك :
بقوله تعالى : إن الحسنات يذهبن السيئات ٥، وقال تعالى : فأما من ثقلت موازينه * فهو في عيشة راضية ٦ ٧.
[ ٧٧ ] المسألة الثالثة : في عموم الآية.
قال الإمام ابن حزم :( لا خلاف في أن الإثم عند الله عز وجل في قتل العبد كالإثم في قتل الحر ؛ لأنهم جميعا نفس محرمة، وداخلان تحت قوله تعالى : ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم .
فوجب أن نحكم للعبد إذا وجد مقتولا بمثل الحكم في الحر إذا وجد مقتولا، لا بمثل الحكم في البهيمة.
وصح أن القسامة٨ واجبة في العبد كما هي في الحر، من طريق حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا من طريق القياس )٩.
٢ سورة الليل، الآيتان (١٥، ١٦)..
٣ انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل ٢/٣٤٦..
٤ انظر: المحلى ١/١١٣، وانظر: علم الكلام على مذهب أهل السنة ص ٩٢، الدرة فيما يجب اعتقاده ص ٣٤٩..
٥ سورة هود، من الآية (١١٤)..
٦ سورة القارعة، الآيتان (٦، ٧)..
٧ انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل ٢/٣٥٤..
٨ القسامة – بفتح القاف، وتخفيف المهملة -: هي الأيمان، وحقيقتها أن يقسم من أولياء الدم خمسون رجلا على استحقاقهم دم صاحبهم إذا وجدوه قتيلا بين قوم ولم يعرف قاتله، ولا يكون فيهم صبي، ولا امرأة، ولا مجنون، ولا عبد، أو يقسم بها المتهمون على نفي القتل عنهم، فإن حلف المدعون استحقوا الدية، وإن حلف المتهمون لم تلزمهم الدية. انظر: النهاية في غريب الحديث ٤/٦٢، أنيس الفقهاء ص ٢٩٥.
.
٩ انظر: المحلى ١٢/٢٢٣..
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري