ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑ ﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢ

جزاء القتل الخطأ والقتل العمد
[سورة النساء (٤) : الآيات ٩٢ الى ٩٣]
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (٩٢) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (٩٣)
الإعراب:
أَنْ يَقْتُلَ أن المصدرية وصلتها اسم كان المرفوع ولِمُؤْمِنٍ خبرها مقدم على الاسم.
إِلَّا خَطَأً استثناء منقطع، ومثله قوله تعالى: إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا.
وانتصاب خطأ: إما لأنه مفعول لأجله، أي ما كان له أن يقتله لعلة من العلل إلا للخطأ، أو لأنه صفة لمصدر محذوف أي قتلا خطأ، أو حال.
فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ تحرير: مبتدأ، وخبره محذوف وتقديره: فعليه تحرير رقبة ودية مسلّمة، وكذلك فَصِيامُ شَهْرَيْنِ أي فعليه صيام شهرين.
تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ توبة: منصوب على المصدر بفعله المقدر، وإن شئت على المفعول لأجله.

صفحة رقم 198

البلاغة:
أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً: إطناب.
فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مجاز مرسل في رَقَبَةٍ من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل.
المفردات اللغوية:
خَطَأً أي مخطئا في قتله بغير قصد للقتل وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً بأن قصد رمي غيره كصيد أو شجرة، فأصابه أو ضربه بما لا يقتل غالبا.
فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ أي عتق مملوك مُؤْمِنَةٍ أي عليه نفس مؤمنة وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ أي مؤداة إلى ورثة المقتول، والدية: مال يدفع لأهل القتيل عوضا عنه أَنْ يَصَّدَّقُوا أن يتصدقوا عليه بها بأن يعفوا عنها. مِيثاقٌ عهد كأهل الذمة أو الأمان أو الصلح فَمَنْ لَمْ يَجِدْ الرقبة بأن فقدها أو فقد ثمنها مُتَتابِعَيْنِ شهرين قمريين لا يتخللهما فطر إلا لعذر شرعي. ولم يذكر الله تعالى الانتقال إلى الطعام كالظهار، وبه أخذ الشافعي في أصح قوليه تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ تطهيرا لأنفسكم ولأما لجرحكم عَلِيماً بخلقه حَكِيماً فيما دبره لهم.
سبب النزول:
نزول الآية (٩٢) :
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ:
أخرج ابن جرير عن عكرمة قال: كان الحارث بن يزيد من بني عامر بن لؤي يعذب عيّاش بن أبي ربيعة مع أبي جهل، ثم خرج الحارث مهاجرا إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، فلقيه عيّاش بالحرّة، فعلاه بالسيف، وهو يحسب أنه كافر، ثم جاء إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، فأخبره فنزلت: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً الآية.
نزول الآية (٩٣) :
وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً:
أخرج ابن جرير من طريق ابن جريج عن عكرمة أن رجلا من الأنصار قتل أخا مقيس بن صبابة، فأعطاه النبي صلّى الله عليه وسلّم

صفحة رقم 199

الدية، فقبلها، ثم وثب على قاتل أخيه فقتله، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: لا أؤمنه في حل ولا حرم، فقتل يوم الفتح.
قال ابن جريج: وفيه نزلت هذه الآية:
وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً الآية.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى أحكام قتال المنافقين، والذين يعاهدون المسلمين على السلم ثم يغدرون بهم ويعينون أعداءهم، ذكر هنا حكم قتل من لا يحل قتله عمدا أو خطأ، سواء كان من المؤمنين أو المعاهدين والذميين.
التفسير والبيان:
ليس لمؤمن أن يقتل أخاه المؤمن بأي وجه، إلا إذا وقع القتل خطأ، أي ما كان لمؤمن قتل مؤمن إلا خطأ، والقتل الخطأ: هو الذي يحدث من غير قصد الفعل أو الشخص أو إزهاق الروح غالبا لأن القتل جريمة عظمي ومن الكبائر أو السبع الموبقات، قال تعالى: مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ، فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً [المائدة ٥/ ٣٢].
وثبت في الصحيحين عن ابن مسعود أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة»
وهذه الخصال الثلاث ليس لأحد من الرعية أن يفعل شيئا منها، وإنما ذلك إلى الإمام أو نائبه.
وأخرج بن ماجه عن ابن عمر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من أعان على قتل مسلم مؤمن بشطر كلمة، جاء يوم القيامة، مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله».
وأخرج البيهقي عن البراء بن عازب أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مؤمن».

صفحة رقم 200

وسبب العقوبة على القتل الخطأ: أنه لا يخلو من تفريط وتهاون وتقصير، مما شأنه العقاب عليه.
وعقوبة القتل الخطأ شيئان: تحرير رقبة مؤمنة أي عتق نفس مملوكة، ودية مدفوعة إلى أهل القتيل. أما الواجب الأول وهو تحرير الرقبة فهو كفارة لما ارتكب من الذنب العظيم، وإن كان خطأ. ومن شرطها أن تكون عتق رقبة مؤمنة، فلا تجزئ الكافرة. والذي عليه الجمهور: أنه متى كان العبد مسلما صح عتقه عن الكفارة، سواء كان صغيرا أو كبيرا.
قال الإمام أحمد عن عبد الله بن عبد الله عن رجل من الأنصار: أنه جاء بأمة سوداء فقال: يا رسول الله، إن علي عتق رقبة مؤمنة، فإن كنت ترى هذه مؤمنة أعتقتها، فقال لها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أتشهدين أن لا إله إلا الله؟» قالت: نعم. قال: «أتشهدين أني رسول الله؟» قالت: نعم، قال: «أتؤمنين بالبعث بعد الموت؟» قالت: «نعم» قال: «أعتقها»
وهذا إسناد صحيح وجهالة الصحابي لا تضره.
وفي موطأ مالك ومسند الشافعي وأحمد وصحيح مسلم وسنن أبي داود والنّسائي عن معاوية بن الحكم أنه لما جاء بتلك الجارية السوداء، قال لها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أين الله؟»، قالت: في السماء، قال: «من أنا؟»، قالت: رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال: «أعتقها فإنها مؤمنة».
وأما الواجب الثاني وهو الدّية: فتجب عوضا عما فات أهل القتيل من قتيلهم، وهي كما ثبت في السّنّة مائة من الإبل، ودية المرأة نصف دية الرجل لأن المنفعة التي تفوت أهل الرجل بفقده أعظم من المنفعة التي تفوت بفقدها.
أخرج أبو داود والنسائي وغيرهما عن عمرو بن حزم أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كتب إلى أهل اليمن كتابا جاء فيه:
«إن من اعتبط- قتل بغير سبب شرعي- مؤمنا قتلا عن بيّنة، فإنه قود

صفحة رقم 201

- قصاص يجب عليه- إلا أن يرضى أولياء المقتول، وإن في النفس الدّية مائة من الإبل.. ثم قال: وعلى أهل الذهب ألف دينار»
أي أن جنس الدّية بحسب رأس المال الشائع عند أهلها، فعلى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الفضة عشرة آلاف درهم عند الحنفية، واثنا عشر ألف درهم عند الجمهور، وعلى أهل الإبل مائة، وقال الشافعي: لا تؤخذ من أهل الذهب ولا من أهل الورق (الفضة) إلا قيمة الإبل بالغة ما بلغت.
وإنما تجب دية الإبل أخماسا،
كما روى الإمام أحمد وأصحاب السّنن عن ابن مسعود، قال: «قضى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في دية الخطأ عشرين بنت مخاض، وعشرين بني مخاض ذكورا، وعشرين بنت لبون، وعشرين جذعة وعشرين حقّة».
وهذا مذهب أحمد ومالك والشافعي، وكذا عند أبي حنيفة إلا أنه يجعل مكان ابن اللبون: ابن مخاض «١».
وأما دية شبه العمد في رأي الحنفية فهي مثلثة: أربعون خلفة (حامل) وثلاثون حقّة، وثلاثون جذعة «٢».
ومالك لا يقول بشبه العمد إلا في قتل الوالد ولده. وأما ديّة العمد فما اتّفق عليه عند أبي حنيفة ومالك في المشهور من قوله. وأما عند الشافعي فكدية شبه العمد.
ودية الخطأ على العاقلة، وهي عند علماء الحجاز: قرابة القاتل من جهة أبيه، وهم عصبته لأن الناس تعاقلوا في زمن النّبي صلّى الله عليه وسلّم وفي زمن أبي بكر، ولم يكن هناك ديوان.
وعند الحنفية: العاقلة: هم أهل ديوان القاتل، على النحو الذي نظمه

(١) أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٢٣٢- ٢٣٣
(٢) المرجع السابق: ص ٢٣٤

صفحة رقم 202

عمر بن الخطاب. فإن عجزت العاقلة أخذت الدّية من بيت المال العام (وزارة المالية).
فإن قيل: كيف تتحمل العاقلة الدية وتؤخذ بجريرة القاتل، والله يقول:
وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها، وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الأنعام ٦/ ١٦٤]،
ويقول النّبي صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه البزار عن ابن مسعود: «لا يؤخذ الرّجل بجريرة أبيه ولا بجريرة أخيه»
وقال لأبي رمثة وابنه فيما رواه أبو داود والنسائي من حديث أبي رمثة: «إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه».
فالجواب: أن هذا ليس من باب تحميل الشخص وزر غيره لأن الدّية على القاتل ابتداء، وتحمل العاقلة إياها من باب المعاونة، كما يتعاون هو في دية قاتل آخر، وكما تتعاون القبيلة في النصرة فترد الغارات، تتعاون بمالها، فيدي بعضها عن بعض.
وقد دلّت الأحاديث على أن العاقلة (العصبة من جهة الأب) تحمل الدّية،
روى الشيخان عن أبي هريرة: أن امرأة ضربت بطن امرأة أخرى، فألقت جنينا ميتا، فقضى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على عاقلة الضاربة بالغرّة، فقام حمل بن مالك فقال:

كيف ندي من لا شرب ولا أكل ولا صاح ولا استهلّ
ومثل ذلك يطلّ
فقال النّبي صلّى الله عليه وسلّم: هذا من سجع الجاهلية.
وورد أن عمر رضي الله عنه قضى على علي بأن يعقل مولى صفية بنت عبد المطلب حين جنى مولاها، وعلي كان ابن أخي صفية، وقضى للزبير بميراثها.
ولا خلاف بين العلماء في أن الجنين إذا خرج حيّا فيه الكفارة مع الدّية،

صفحة رقم 203

واختلفوا في الكفارة إذا خرج ميتا، فقال مالك: فيه الغرّة والكفارة، وقال أبو حنيفة والشافعي: فيه الغرّة ولا كفارة. واختلفوا في ميراث الغرّة عن الجنين فقال مالك والشافعي: الغرّة في الجنين موروثة عن الجنين على كتاب الله تعالى لأنها ديّة.
وقال الحنفية: الغرّة للأم وحدها لأنها جناية جني عليها بقطع عضو من أعضائها وليست بدية.
وذهب أبو بكر الأصمّ وجمهور الخوارج إلى أن الدّية على القاتل، لا على العاقلة لأن قوله تعالى: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ [النساء ٤/ ٩٢]، يقتضي أن من يجب عليه هو القاتل، وكذلك في الدّية.
ونظرا لاختلاف النظام الاجتماعي عما كان عليه في زمن العرب، وانهيار روابط القبيلة وفقد العصبية القبلية، واعتماد كل امرئ على نفسه دون قبيلته، كما في الوقت الحاضر، يكون الأوفق الأخذ برأي الأصم والخوارج، وهذا ما نصّ عليه متأخرو الحنفية كما أبان ابن عابدين.
وقوله تعالى: إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا معناه: أن الدّية تجب لأهل المقتول إلا أن يعفوا عنها ويتنازلوا عنها فلا تجب لأنها إنما وجبت جبرا لخاطرهم وتطييبا لنفوسهم، حتى لا تقع عداوة ولا بغضاء بينهم وبين القاتل، وتعويضا عما فاتهم من المنفعة بقتله، فإذا عفوا فقد طابت نفوسهم، وسمّى الله هذا العفو تصدقا ترغيبا فيه.
فإن كان المقتول من الأعداء أهل الحرب وهو مؤمن كالحارث بن يزيد من قريش أعداء النّبي صلّى الله عليه وسلّم، والمؤمنون في حرب معهم، ولم يعلم المسلمون إيمانه لأنه لم يهاجر، وقد قتله عياش حين هاجر وهو لم يعلم بذلك، كما تقدم، ومثله

صفحة رقم 204

كل من آمن في دار الحرب ولم يعلم المسلمون بإيمانه حين قتله، فلا دية لهم، وعلى القاتل تحرير رقبة مؤمنة فقط.
وأما إن كان المقتول من قوم معاهدين للمسلمين على السلم، كأهل الذّمّة أو الهدنة، فلهم دية قتيلهم. والواجب في قتل المعاهد المؤمن أو الكافر دية كاملة وتحرير رقبة مؤمنة أيضا. وهذا رأي أبي حنيفة، لظاهر الآية في أهل الميثاق، وهم المعاهدون وأهل الذّمة، ولأنه يسوّى في القصاص بين المسلم والذّمّي، فيسوّى بينهما في الدّية.
وقال مالك: دية المعاهدين نصف دية المسلمين في الخطأ والعمد،
لما روى أحمد والترمذي أنّ النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «عقل- دية- الكافر نصف دية المسلم»،
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه أنه قال: كانت الدّيات على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثمانمائة دينار، وثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب على النصف من دية المسلمين
، قال: فكان ذلك حتى استخلف عمر فقام خطيبا فقال: إن الإبل قد غلت، ففرضها عمر على أهل الورق اثني عشر ألف درهم، وعلى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة، وترك دية أهل الذّمّة لم يرفع فيها شيئا.
وقد روى أهل السّنن الأربعة عنه صلّى الله عليه وسلّم: «إن دية المعاهد نصف دية المسلم».
وروي عن أحمد: أن ديته كدية المسلم إن قتل عمدا، وإلا فنصف ديته.
وقال الشافعي: ديته ثلث دية المسلم في الخطأ والعمد لأنه أقل ما قيل في المسألة، ولأن عمر جعل ديته أربعة آلاف، وهي ثلث دية المسلم.
وتأخذ الدّية ورثة المقتول، وهي كميراث، يقضى منها الدّين، وتنفذ منها الوصايا، وتقسم على الورثة، روي أن امرأة جاءت تطلب نصيبها من دية الزوج، فقال عمر: لا أعلم لك شيئا، إنما الدّية للعصبة الذين يعقلون عنه،

صفحة رقم 205

فشهد بعض الصحابة أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أمره أن يورث الزوجة من دية زوجها، فقضى عمر بذلك.
فمن لم يملك الرقبة ولا ثمنها أو لم يجد رقيقا كما في عصرنا (وهذا من أهداف الإسلام) فعليه صيام شهرين متتابعين قمريين، لا يقطعهما إفطار من غير عذر شرعي، وإلا استأنف الصوم من جديد.
تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ أي شرعها الله لكم قبولا منه ورحمة لتطهير نفوسكم من آثار التقصير وقلّة الاحتراز والتّحري، مما أدى إلى القتل خطأ.
وكان الله عليما بأحوال النفوس وما يطهرها، وقد علم أن القاتل خطأ لم يتعمد، فلذلك لم يؤاخذه بالقصاص، حكيما فيما شرعه، فإن فرض الدّية تعويضا لهم في غاية الحكمة والمصلحة.
القتل العمد:
أما من قتل مؤمنا عمدا فجزاؤه على قتله عذاب جهنم خالدا فيها أي باقيا فيها، وغضب الله عليه أي انتقم منه لما ارتكبه من هذا الجرم الخطير، وأخزاه ولعنه أي أبعده عن رحمته، وهيأ له عذابا عظيما.
وهل تقبل توبة القاتل عمدا؟
يرى ابن عباس وجماعة آخرون من الصحابة والتابعين «١» : أنه لا توبة لقاتل العمد، للأحاديث الكثيرة التي تدلّ على عظم هذه الجريمة، كما تقدّم عن ابن عمر والبراء بن عازب. ويختلف هذا عن التائب من الشرك- وقد كان قاتلا زانيا- فإنه تقبل توبته لأنه لم يكن يؤمن بالشريعة التي تحرم هذه الأمور، فله شبه عذر، وترغيبا له في الإسلام. أما المؤمن العالم بحرمة القتل فلا عذر له.

(١) انظر تفسير ابن كثير: ١/ ٥٣٦، الكشاف: ١/ ٤١٧

صفحة رقم 206

ويرى الجمهور أنه تقبل توبة القاتل عمدا، لقوله تعالى: قُلْ: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر ٣٩/ ٥٣]، وهذا عام في جميع الذنوب من كفر وشرك، وشك ونفاق، وقتل وفسق وغير ذلك، فكل من تاب تاب الله عليه. وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء ٤/ ٤٨] وهذه عامة في جميع الذنوب ما عدا الشرك.
وثبت في الصحيحين خبر الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس، ثم سأل عالما:
هل لي من توبة؟ فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أرشده إلى بلد يعبد الله فيه، فهاجر إليه، فمات في الطريق، فقبضته ملائكة الرحمة. وإذا كان هذا في بني إسرائيل فلأن يكون قبول التوبة في هذه الأمة بطريق الأولى والأحرى لأن الله وضع عنّا الآصار والأغلال التي كانت عليهم، وبعث نبيّنا بالحنيفية السمحة.
ولأن الكفر أعظم من القتل، والتوبة عنه تقبل، فتقبل عن القتل بالأولى، ثم إن آية الفرقان تدلّ على قبول توبته وهي قوله: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ، وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَلا يَزْنُونَ، وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً، يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً، إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً [الآيات ٦٨- ٧٠].
فأما الآية الكريمة: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً.. فقال أبو هريرة وجماعة من السّلف: هذا جزاؤه إن جازاه. وعليه يحمل كل وعيد على ذنب، وقد يكون له أعمال صالحة تمنع وصول ذلك الجزاء إليه على قول أصحاب الموازنة، أي وزن الحسنات والسيئات.
وعلى قول الجمهور حيث لا عمل له صالحا ينجو به، فليس بمخلد أبدا، بل الخلود هو المكث الطويل، لا الدوام،
وقد تواترت الأحاديث عن

صفحة رقم 207

رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه: «يخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان».
ويرى بعضهم (عكرمة وابن جريج) أن حكم الآية إنما هو لمن استحلّ القتل، فإنما فسّر متعمدا، أي مستحلّا، فجزاؤه حينئذ جهنم خالدا فيها أبدا.
واختار الرازي في الجواب: أن هذه الآية قد خصصت في موضعين:
أحدهما- القتل العمد إذا لم يكن عدوانا كقتل القصاص.
والثاني- القتل الذي تاب عنه. وإذا دخلها التخصيص في هذين، فنحن نخصص هذا العموم فيما إذا حصل العفو، بدليل قوله تعالى: وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء ٤/ ٤٨].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيات على ما يأتي:
١- شأن الإيمان الامتناع النهائي عن قتل النفس، لا عمدا ولا خطأ لأنه اعتداء على صنع الخالق، وجريمة عظيمة، ومنكر قبيح.
٢- أجمع العلماء على أن قوله تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً أنه لم يدخل فيه العبيد، وإنما أريد به الأحرار دون العبيد، وكذلك أيضا
قوله عليه الصّلاة والسّلام: «المسلمون تتكافأ دماؤهم» «١»
أريد به الأحرار خاصة.
٣- فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ أي فعليه تحرير رقبة مؤمنة كالرقبة التي

(١) رواه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه عن ابن عمرو، ورواه أحمد والبخاري وأصحاب السنن إلا ابن ماجه عن أبي جحيفة.

صفحة رقم 208

أوجبها الله في كفارة الظهار. وهناك اختلافات في شأن إعتاق الرّقبة لا داعي لذكرها في عصرنا الآن.
٤- الواجب الثاني في القتل الخطأ هو الدّية: وهي ما يعطى عوضا عن دم القتيل إلى وليه. والمسلّمة: المدفوعة المؤداة، ولم يعين الله في كتابه ما يعطى في الدّية، وإنما في الآية إيجاب الدّية مطلقا، وليس فيها إيجابها على العاقلة أو على القاتل، وإنما أخذ ذلك من السّنّة، وقد بيّنت ذلك.
٥- دلّ قوله: إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا على جواز العفو عن الدّية، والتّصدّق:
الإعطاء والمراد: إلا أن يبرئ الأولياء ورثة المقتول مما أوجب الله لهم من الدّية على عاقلة القاتل. أما الكفارة التي هي لله تعالى فلا تسقط بإبرائهم لأنه أتلف شخصا في عبادة الله سبحانه، فعليه أن يخلّص آخر لعبادة ربّه.
وإنما تسقط الدّية التي هي حقّ لهم. وتجب الكفارة في مال الجاني ولا يتحملها أحد عنه.
٦- فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ: موضوعها المؤمن يقتل في بلاد الكفار أو في حروبهم على أنه من الكفار، ففي المشهور من قول مالك، وقول أبي حنيفة: إن كان هذا المقتول رجلا مؤمنا قد آمن وبقي في قومه وهم كفرة، فلا دية له، وإنما كفارته تحرير الرقبة لأن أولياء القتيل كفار، فلا يصح أن تدفع إليهم فيتقووا بها، ولأن حرمة هذا الذي آمن ولم يهاجر قليلة، فلا دية لقوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا [الأنفال ٨/ ٧٢]. فإن قتل المؤمن في بلاد المسلمين وقومه حرب، ففيه الدّية لبيت المال والكفارة «١».

(١) أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٢٤٠ وما بعدها.

صفحة رقم 209

وقال الشافعي والأوزاعي والثوري وأبو ثور: الوجه في سقوط الدّية: أن الأولياء كفار فقط، فلا تدفع ديته سواء قتل في ديار الحرب أو في ديار الإسلام.
ولو وجبت الدّية لوجبت لبيت المال على بيت المال، فلا تجب الدّية في هذا الموضع، وإن جرى القتل في بلاد الإسلام.
ويؤيد هذا الحكم
ما جاء في صحيح مسلم من قتل أسامة رجلا من جهينة قال: لا إله إلا الله، خوفا من السلاح في تقديره، قال له النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «أعتق رقبة» ولم يحكم بقصاص ولا دية.
٧- وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ: هذا في الذّمّي والمعاهد يقتل، فتجب الدّية والكفارة، وهو قول ابن عباس والشعبي والنخعي والشافعي.
٨- أجمع العلماء على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل لأن لها نصف الميراث، وشهادتها نصف شهادة الرجل. وهذا ثابت بالسّنّة لا بالقرآن. أما القتل العمد ففيه القصاص بين الرجال والنساء، لقوله عزّ وجلّ: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ والْحُرُّ بِالْحُرِّ كما تقدم في سورة البقرة.
واختلف العلماء في رجل يسقط على آخر فيموت أحدهما:
فقال شريح والنخعي وأحمد وإسحاق: يضمن الأعلى الأسفل، ولا يضمن الأسفل الأعلى. وقال مالك في رجلين جرّ أحدهما صاحبه حتى سقطا وماتا:
على عاقلة الذي جبذه الدّية. وقال بعض أصحاب الشافعي: يضمن نصف الدّية لأنه مات من فعله، ومن سقوط الساقط عليه.
أما في حال التصادم: فقال الشافعي في رجلين يصدم أحدهما الآخر فماتا:
دية المصدوم على عاقلة الصادم، ودية الصادم هدر. وقال في الفارسين إذا

صفحة رقم 210

اصطدما فماتا: على كل واحد منهما نصف دية صاحبه لأن كل واحد منهما مات من فعل نفسه وفعل صاحبه.
وقال مالك وأبو حنيفة: على كل واحد منهما دية الآخر على عاقلته.
وذلك يقال أيضا في تصادم السفينتين، أو السيارتين اليوم.
٩- إن دية أهل الكتاب فيها اختلاف:
فقال المالكية وأحمد: هي على النصف من دية المسلم، ودية المجوسي ثمانمائة درهم، ودية نسائهم على النّصف من ذلك، لحديث عمرو بن شعيب المتقدّم.
وقال الحنفية: الدّيات كلها سواء، المسلم واليهودي والنصراني والمجوسي والمعاهد والذّمي لقوله تعالى: فَدِيَةٌ وذلك يقتضي الدّية كاملة كدية المسلم «١»، ويؤيده
أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم- فيما رواه ابن عباس- جعل دية يهود بني قريظة والنضير سواء، دية كاملة.
لكنه حديث عن ابن عباس ضعيف جدا.
وقال الشافعي: دية اليهودي والنصراني ثلث دية المسلم، ودية المجوسي ثمانمائة درهم لأنه أقل ما قيل في ذلك، كما أوضحت، والذّمة بريئة إلا بيقين أو حجّة.
١٠- صيام شهرين متتابعين لمن لم يجد الرّقبة ولا اتّسع ماله لشرائها، فلو أفطر يوما بلا عذر استأنف. وهذا قول الجمهور. فإن وجد عذر كالحيض، أو مرض، لم يستأنف في رأي مالك. وقال أبو حنيفة، والشافعي في أحد قوليه:
يستأنف في المرض.
١١- ذكر الله عزّ وجلّ في كتابه العمد والخطأ ولم يذكر شبه العمد، فقال مالك: ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ، وأما شبه العمد فلا نعرفه.

(١) أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٢٣٨ وما بعدها.

صفحة رقم 211

وأثبت فقهاء الأمصار وجمهور أئمة المذاهب شبه العمد
بما روى أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «ألا إن دية الخطأ شبه العمد: ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها»
لكنه حديث مضطرب عند المحدثين. ذكر ابن عبد البرّ أنه لا يثبت من جهة الإسناد.
واختلف القائلون بشبه العمد في تحديده وبيان ما هو عمد على أقوال ثلاثة:
الأوّل- قال أبو حنيفة: العمد: ما كان بالحديد، وكل ما عدا الحديد من القضيب أو النار وما يشبه ذلك فهو شبه العمد «١».
الثاني- قال أبو يوسف ومحمد: شبه العمد ما لا يقتل مثله.
الثالث- قال الشافعي: ما كان عمدا في الضرب، خطأ في القتل، أي ما كان ضربا لم يقصد به القتل، فتولد عنه القتل. وأما الخطأ فما كان خطأ فيهما جميعا، وأما العمد: فما كان عمدا فيهما جميعا.
ويعتمد الفقهاء في إثبات العمد وشبهه والخطأ على الآلة التي بها القتل لأن نيّة القاتل لا اطلاع لنا عليها، فأقيمت الآلة مقام النيّة. وكان الأولى هو البحث عن ظروف القتل وقرائن الأحوال لتعلم نيّة القاتل أهو عمد أم مخطئ.
واختلفوا في الدّية المغلظة على القتل شبه العمد: فقال عطاء والشافعي ومالك في المشهور عنه، فيما يقول فيه بشبه العمد، وهو قتل الوالد ولده: هي ثلاثون حقّة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة «٢».

(١) أحكام القرآن للجصاص الرازي: ١/ ٢٢٨ وما بعدها.
(٢) الحقّة: إذا دخلت الناقة في السنة الرابعة، والجذعة: إذا دخلت في السنة الخامسة. والخلفة.
الحامل. وابنة المخاض: ما كان لسنة، وابنة اللبون: ما كان لسنتين.

صفحة رقم 212

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية